هل الاخلاق أوهام وقيود توهمها فئة من الناس ففرضوها على المجتمعات فرضاً وكبلوا بها الايدي والارجل والقلوب استثماراً للسذج والبسطاء ؟
أو هي آداب ومواضعات درج عليها الناس في حياتهم العامة والخاصة وانحدرت ـ مع بعض التطور ـ من الاباء إلى الأبناء ، تجعل الانسان محدود التصرف في طيشه ونزغاته ؟
أو هي افكار فلسفية نتجت عن عقول سليمة درست كل صغير وكبير من المظاهر الاجتماعية وغيرها ؛ دراسات مستوعبة لتستخلص منها التجارب الخالصة وتقدمها الى الاجيال المقبلة نبراساً ينير لهم سبل الحياة ويشع لهم طريق العيش الهنئ ؟
ان الاراء في موضوع الاخلاق والاداب مختلفة متضاربة ، والنظريات حولها لا تجتمع في نقطة خاصة . وهو موضوع يستحق التحدث عنه بشيء من التفصيل والعناية لا نجد الان مجالا كافياً لاستيفائه في هذه المقدمة القصيرة .
والذي نعتقده في هذا المجال ان الانسان مجبول بطبعه على اتباع بعض الاداب الاجتماعية واتخاذ جملة من المسالك الاخلاقية ، وذلك لانه ليس بمقدوره أن يدرج
مدارج الحياة الا تحت ضوابط وأصول تكون منهاجاً له يسير على ضوئها .
ولذا نرى المجتمعات كلها ـ بلا استثناء مجتمع منها ـ لا تشذ عن وضع قوانين وآداب تحترمها وتفرض على نفسها الالتزام بها وجعلها نصب العين في كل تصرفاتها . وحتى الماركسية التي تناهض بشدة الاصول الاخلاقية وتصر على نبذها والتخلي عنها وتراها حجر عثرة في طريق التقدم ، تلتزم ان شاءت أو أبت بأسس وآداب أخلاقية تبثها في تعاليمها الاقتصادية والاجتماعية .
طبعاً ، تختلف البيئات والمجتمعات والمدارس الفلسفية في آدابها وأسسها الاخلاقية حسب تكونها ونشأتها وتدرجها في مدراج الكمال أو نظرتها الى الكون والانسان والحياة .
* * *
والاسلام ـ الذي هو دستور الله الا قوم للانسانية ـ اهتم اهتماماً بالغاً بالاخلاق وأقام لها دعائم مركزة في كل مرافق البشر الاعتقادية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها .
فالقرآن الكريم جل آياته تتحدث بصراحة عن خلق المسلم وما يلزم عليه في سلوكه ، والاحاديث الشريفة كثير منها توجهه الى تقويم أفكاره وتعديل تصرفاته في دينه ونفسه وأهله ومجتمعه و و . . .
ان أبرز صفة للنبي (صلّى الله عليه وآله) يذكرها الله تعالى في قرآنه الكريم بالعظمة هي الخلق النبوي حيث يقول عز شأنه " انك لعلى خلق عظيم " ، كما أن النبي نفسه يعلل بعثته الى الخلق رسولأ بتميم الاخلاق حيث يقول عليه الصلاة والسلام " بعثت لاتمم مكارم الاخلاق " .
ونرى ان الاسلام في اكثر نظمه الاخلاقية يسعى في أن يوجد ترابطاً كاملاً بين الفرد وسائر أعضاء المجتمع ، فيدعوه الى البذل والسخاء ونبذ العداء وصدق اللهجة والوفاء بالوعد وتعظيم الاباء وصلة الارحام والاقارب وتجليل ذوي المراتب العلمية وقول الحق وحسن الظن بالاخرين وتقدير ذوي المواهب والكف عن الاذى
الى الاخ المسلم والجار والانصاف في التعامل واعطاء الحقوق الي أصحابها والسعي في قضاء الحوائج ، كما أنه يحذره من المكر والحيلة وسوء الظن والانتقام بغير الحق والعنف في الخلق والحقد والعداوة وبذاءة اللسان والتكبر على الاخرين والعجب بالنفس والعصبية والقساوة وكتمان الحق والتعدي الى الاموال والاعراض والانفس والبخل في العطاء والغدر والغيبة والنميمة وافشاء السر وطلب العثرات والشماتة والسخرية والكذب وخلف الوعد والرياء والنفاق . . .
لو التزم المسلم بهذه الاخلاق وما شابهها مما هي من صميم النظام الاسلامي ، لكنت ترى مجتمعاً مترابطاً يسوده الهناء والرغد والاطمئنان ، بعيداً عما يشوب حياته من القلق والاضطراب .
* * *
أما الرسالة التي تراها ماثلة أمامك ـ أيها القارئ الكريم ـ فهي تستعرض موضوعاً هاماً من الاخلاق الاسلامية التي حث القرآن الكريم والسنة الطاهرة على اتباعها وتطبيقها في مجالات الحياة .
والموضوع هو ( صلة الرحم ) .
يبدأ المؤلف رسالته بمقدمة في أهمية صلة الرحم وبعض الايات والاحاديث الواردة فيها ، ثم مقالة فيها ستة مطالب يورد في المطلب الاول معنى الرحم والقرابة لغة وعرفاً وشرعاً ، وفي الثاني معنى الصلة وما يتعلق بذلك ، وفي الثالث أحكام الصلة فقهاً ، وفي الرابع ضرورة صلة قاطع الرحم ، وفي الخامس فوائد صلة الرحم التي من أبرزها طول العمر ، وفي السادس صلة الذرية الصالحة ويريد بهم الائمة الطاهرين من ذرية الرسول (صلّى الله عليه وعليهم) .
ان هذه الرسالة مع اختصارها تستوعب موضوع ( صلة الرحم ) كتاباً وسنة وفقهاً ، وتذكر في طياتها كثيراً من أقوال كبار الفقهاء والمفسرين ، ونرى في طبعها
قال السيد الامين في كتابه " أعيان الشيعة " 22 / 321 :
الشيخ حسن بن الشيخ علي بن الشيخ حسين بن عبدالعالي العاملي الكركي .
كان حياً سنة 972 (1)
" الكركي " نسبة الى كرك نوح ، وصاحب الرياض لبعده عن هذه البلاد ظن أنه نسبة الى كرك الشويك .
والمترجم هو ولد المحقق الكركي الشهير ، وأبوه وان اشتهر بالشيخ علي بن عبد العالي ، الا أن ذلك من باب النسبة الى الجد ، والا فهو علي بن حسين بن عبد العالي .
في الرياض : فاضل عالم فقيه متكلم عظيم الشان ، وهو ابن الشيخ علي الكركي المشهور وخال السيد الداماد ، وكان من علماء دولة الشاه طهماسب الصفوي ، ولم أجده في أمل الامل ، وهو غريب ، لانه مع شهرة اسمه قد أورده نفسه ـ يعني صاحب أمل الامل ـ في الرسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية ، ونسب اليه كتاب عمدة المقال في كفر أهل الضلال وينقل عنه . قال : وتوهم كونه سبط الشيخ علي الكركي المشهور صاحب اللمعة في الجمعة وغيرها باطل .
مؤلفاته :
في الرياض له من المؤلفات :
1 ـ كتاب عمدة المقال في كفر أهل الضلال ـ يعني المتصوفة ـ ألفه باسم الشاه طهماسب الصفوي ، وفرغ من تأليفه في مشهد الرضا (عليه السلام) سنة 972 .
2 ـ كتاب في مناقب أهل البيت (عليهم السلام) ومثالب أعدائهم ، ذكره في كتاب عمدة المقال .
3 ـ رسالة المنهاج القويم في التسليم ، مختصرة في تحقيق مسألة التسليم في الصلاة ،
(1) من تاريخ تأليف هذه الرسالة نعرف انه كان حياً في سنة 976 .
ألفها في مشهد الرضا (عليه السلام) سنة 964 ـ انتهى ما في الرياض .
4 ـ البلغة في اشتراط اذن السلطان في شرعية صلاة الجمعة . قال من رآها : انها حسنة تدل على طول باعه وفهمه ، فرغ منها في أول شعبان سنة 966 . وكون من يفتي بهذا كذلك محل نظر .
5 ـ شرح الارشاد ، على احتمال . ففي الرياض : نسب السيد الداماد في حواشي شارع النجاة الي خاله شرح الارشاد وينقل عنه بعض الفتاوى ، فيمكن أن يريد به المترجم ويمكن أن يريد أخاه الشيخ عبد العالي بن الشيخ علي الذي له اللمعة في عدم عينية الجمعة .
* * *
النسخة التي كانت أساساً للطبع ، هي النسخة الوحيدة الموجودة في ( مكتبة آية الله المرعشي العامة ) بقم برقم ( 477 ) . وأوصافها كما يلي :
الرسالة بخط المؤلف ، فرغ من تأليفها وكتابتها بمشهد الامام الرضا (عليه السلام) في شهر ربيع الثاني سنة 976 .
خطها رقعي مائل الى التعليق ، وكثيراً ما يهمل النقاط ولا يتقيد بقواعد الاملاء
شطب على بعض الكلمات والجمل في الاصل وأضيف تصحيحات في الهوامش .
يوجد فيها طائفة من الاغلاط حتى في بعض الايات والاحاديث ، وقد صححناها بعد المراجعة الى المصادر ولم نشر الى ذلك الا شاذاً .
* * *
وختاماً : يجب في هذه المناسبة القصيرة أن نشيد بالاهتمام الابوي الذي يبذله سماحة آية الله العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي ـ دام ظله الوارف ـ بالنسبة الى الحوزة العلمية في قم ، ومن وجوه اهتمامه عنايته التامة بتأسيس المكتبة
الكبرى تيسيراً لمهمة الباحثين والمطالعين .
كما يجب أن نذكر القراءة بالجهود الجبارة التي يبذلها الاخ العلامة الجليل السيد محمود المرعشي في تنمية المكتبة وتهيئة الوسائل المطلوبة للمراجعين واستقبالهم بوجهه الباش وأخلاقه الطيبة .
حفظ الله الوالد والولد ملجأ للعلم ومشجعاً للعاملين في حقول الثقافة .