:: قناة الثقلین ::: أعلام الهداية الإمام زين العابدين (عل...
أعلام الهداية الإمام زين العابدين (عل...
أعلام الهدايةالإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
أهل البيت في القرآن الكريم
(إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهلالبيت ويطهركم تطهيراً).الأحزاب: 3 / 3
أهل البيت في الُسنّة النبويّة
«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لنتضلّوا بعدي ابدا».«الصحاح والمسانيد»
الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى،ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةًلعباده، لا سيما خاتم الأنبياء وسيّدالرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمد(صلّى الله عليه وآله) وعلى آله الميامينالنجباء. لقد خلق الله الانسان وزوّده بعنصريالعقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشفالحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادةيختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضهوأهدافه. وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له علىخلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معينهدايته; فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لميعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به،وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاءبه إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها. وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحةمعالم الهداية الربّانية وآفاقهاومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللهاوأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارهاونتائجها من جهة اُخرى. قال تعالى:(قُلْ إنّ هُدى الله هو الهُدى) [الأنعام(6): 71]. (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)[البقرة (2): 213]. (والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل)[الأحزاب (33): 4].(ومن يعتصم بالله فقد هُديإلى صراط مستقيم) [آل عمران (3): 101]. (قل الله يهدي للحقّ أفمن يهدي إلى الحقأحق أن يتَّبع أ مّن لا يهدّي إلاّ أنيُهدى فمالكم كيف تحكمون) [يونس (10): 35]. (ويرى الذين اُوتوا العلم الذي اُنزل اليكمن ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيزالحميد) [سبأ (34): 6]. (ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً منالله) [القصص (28): 50]. فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هيالهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيدالإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّالقويم. وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركهاالعلماء ويخضعون لها بملء وجودهم. ولقد أودع الله في فطرة الانسان النزوعإلى الكمال والجمال ثمّ مَنّعليه بإرشادهإلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمةالتعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قالتعالى: (وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّليعبدونِ) [الذاريات (51): 56]. وحيث لا تتحقّقالعبادة الحقيقية من دون المعرفة; إذ كانتالمعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاًوغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال. وبعد أن زوّد الله الانسان بطاقتي الغضبوالشهوة ليحقّق له وقودالحركة نحو الكمال;لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوةوالهوى الناشئ منهما، والملازم لهما. فمنهنا احتاج الانسان ـ بالإضافة إلى عقلهوسائرأدوات المعرفة ـ الى ما يضمن له سلامةالبصيرة والرؤية; كي تتمّ عليه الحجّة،وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّالأسباب التي تجعله يختار طريق الخيروالسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملءإرادته. ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانيةأن يُسند عقل الانسان عن طريق الوحيالإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهمالله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلكعن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاءالارشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة. وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهدايةالربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدىالعصور والقرون، ولم يترك الله عبادهمهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونورمُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةًلدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجةلله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على اللهحجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعدالخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنانلكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكللا يقبل الريب ـ قائلاً: (إنّما أنت منذرولكلّ قوم هاد) [الرعد (13): 7]. ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهمالهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميعمراتبها، والتي تتلخّص في: 1 ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعابالرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذهالمرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّيالرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهيلرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلكالذكر الحكيم قائلاً: (اللهأعلم حيث يجعلرسالته) [الانعام (6): 124] و (الله يجتبي منرسلهمن يشاء) [آل عمران (3): 179].2 ـ إبلاغ الرسالة الإلهية الى البشريةولمن اُرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ علىالكفاءة التامّة التي تتمثّل في«الاستيعاب والإحاطة اللازمة» بتفاصيلالرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و«العصمة» عن الخطأ والانحراف معاً، قالتعالى: (كان الناسُ اُمّةً واحدةً فبعثالله النبيِّين مبشّرين ومنذرين وأنزلمعهم الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيمااختلفوا فيه) [البقرة (2): 213]. 3 ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية،وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجلتحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها فيالحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذهالمهمّة مستخدمةً عنواني التزكيةوالتعليم، قال تعالى: (يزكّيهم ويعلّمهمالكتابَ والحكمة) [الجمعة (62): 2] والتزكيةهي التربية باتجاه الكمال اللائقبالإنسان. وتتطلّب التربية القدوةالصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال،كما قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول اللهاُسوة حسنة) [الاحزاب: (33): 21]. 4 ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريفوالضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذهالمهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلميةوالنفسية. والتي تسمى العصمة. 5 ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنويةوتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفرادوأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذالاُطروحة الربّانية، وتطبيق قوانينالدين الحنيف على المجتمع البشري من خلالتأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤونالاُمة على أساس الرسالة الربّانيةللبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً،وشجاعةً فائقةً، وصموداً كبيراً، ومعرفةًتامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتياراتالفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانينالإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصهافي الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالميةدينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عنالكفاءة النفسية التي تصون القيادةالدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطىبإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً علىمسيرة القيادة وانقياد الاُمة لها بحيثيتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها. وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهمالمصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحمواسبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيلأداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموافي سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني فيمبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولميتلكّأوا طرفة عين. وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّعلى مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمدبن عبدالله (صلّى الله عليه وآله) وحمّلهالأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميعمراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقدخطا الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّقفي أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حسابالدعوات التغييرية والرسالات الثورية،وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلالعقدين من الزمن ما يلي: 1 ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي علىعناصر الديمومة والبقاء. 2 ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغوالانحراف. 3 ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلاممبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعةقانوناً للحياة. 4 ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّيحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء. 5 ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانيةالحكيمة المتمثّلةفي قيادته (صلّى اللهعليه وآله).ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان منالضروري: أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيقالرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذينيتربّصون بها الدوائر. ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحةباستمرار الأجيال; على يد مربٍّ كفوءعلمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة فيالخلق والسلوك كالرسول (صلّى الله عليهوآله)، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كلحركاته وسكناته. ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم علىالرسول (صلّى الله عليه وآله) إعداد الصفوةمن أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم;لتسلّم مقاليد الحركة النبويّةالعظيمةوالهداية الربّانية الخالدة بأمر من اللهسبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتبالله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيدالخائنين، وتربيةللأجيال على قيم ومفاهيمالشريعة المباركة التي تولّوا تبيينمعالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّالعصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّعليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقوله:«إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتمبهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي،وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خيرمن عرّفهم النبي الأكرم (صلّى الله عليهوآله) بأمر من الله تعالى لقيادة الاُ مّةمن بعده. إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت(عليهم السلام) تمثّل المسيرة الواقعيةللاسلام بعد عصر الرسول (صلّى الله عليهوآله)، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشفلنا عن صورة مستوعبة لحركة الاسلام الأصيلالذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الاُمة بعدأن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاةالرسول (صلّى الله عليه وآله)،فأخذ الأئمة المعصومون (عليهم السلام)يعملون على توعية الاُمة وتحريك طاقتهاباتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّللشريعة ولحركة الرسول (صلّى الله عليهوآله) وثورته المباركة، غير خارجين عنمسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوكالقيادة والاُمة جمعاء. وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين فياستمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاحالاُمة عليهم والتفاعل معهم كأعلامللهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكينالمؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّءعلى الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمرالله، والتامّين في محبّته، والذائبين فيالشوق اليه، والسابقين إلى تسلّق قممالكمال الإنسانيّ المنشود. وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبرعلى طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاءحتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذأحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة معالعزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوابلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهادكبير. ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوابجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوادراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتناهذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم،ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التيدوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها منخلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أنينفع بها إنّه وليّ التوفيق. إنّ دراستنا لحركة أهل البيت (عليهمالسلام) الرسالية تبدء برسول الإسلاموخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (صلّىالله عليه وآله) وتنتهي بخاتم الأوصياء،محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظرعجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.ويختص هذا الكتاب بدراسة حياة الإمامعليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)وهو المعصوم السادس من أعلام الهدايةوالرابع من الأئمة الأثني عشر بعد رسولالله (صلّى الله عليه وآله) والذي جسّدالاسلام المحمّدي بكل أبعاده في حياتهالفردية والاجتماعية في ظروف اجتماعيةوسياسية عصيبة فحقق القيّم الاسلاميةالمُثلى في الفكر والعقيدة والخلقوالسلوك وكان نبراساً يشعّ ايماناًوطُهراً وبهاءً للعالَمين. ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر الى كلّالاخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداًوافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروعالمبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيماأعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيدمنذر الحكيم حفظه الله تعالى. ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل الى الله تعالىبالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذهالموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعمالنصير. المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام) قم المقدسة
الباب الأول
فيه فصول: الفصل الأول: الإمام زين العابدين (عليهالسلام) في سطور الفصل الثاني: انطباعات عن شخصية الإمام(عليه السلام) الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام زينالعابدين (عليه السلام)الإمام زين العابدين (عليه السلام) فيسطور* هو الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام)رابع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)،وجدّهالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبوصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)،وأوّل من أسلم وآمن برسالته، وكان منهبمنزلة هارون من موسى، كما صحّ في الحديثعنه(1). وجدّته فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلّىالله عليه وآله) وبضعته، وفلذة كبده،وسيّدة نساء العالمين كما كان أبوهايصفها. * وأبوه الإمام الحسين (عليه السلام) أحدسيِّدَيْ شباب أهل الجنّة، سبط الرسولوريحانته ومن قال فيه جدّه (صلّى الله عليهوآله): «حسين منّي وأنا من حسين»، وهو الذياستشهد في كربلاء يوم عاشوراء دفاعاً عنالإسلام والمسلمين. * وهو أحد الأئمّة الاثني عشر (عليهمالسلام) الذين نصّ عليهم النبىّ (صلّى اللهعليه وآله) كما جاء في صحيحي البخاري ومسلموغيرهما، إذ قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشركلّهم من قريش»(2). * وقد ولد الإمام عليّ بن الحسين (عليهماالسلام) في سنة ثمان وثلاثين للهجرة،
(1) صحيح مسلم: 7 / 121. (2) إثبات الهداة: 2 / 320 حديث 116.وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. * وعاش سبعة وخمسين سنة تقريباً، قضى مايقارب سنتين أو أربع منها في كنف جدّهالإمام علىّ (عليه السلام)، ثمّ ترعرع فيمدرسة عمّه الحسن وأبيه الحسين (عليهماالسلام) سبطي الرسول الأعظم (صلّى اللهعليه وآله)، وارتوى من نمير العلومالنبوية، واستقى من ينبوع أهل البيتالطاهرين. * برز على الصعيد العلمي إماماً في الدينومناراً في العلم، ومرجعاً لأحكامالشريعة وعلومها، ومثلاً أعلى في الورعوالعبادة والتقوى، واعترف المسلمونجميعاً بعلمه واستقامته وأفضليّته،وانقاد الواعون منهم إلى زعامته وفقههومرجعيّته. * كان للمسلمين عموماً تعلّق عاطفي شديدبهذا الإمام، وولاءروحي عميق له، وكانتقواعده الشعبية ممتدّة في كلّ مكانمنالعالم الإسلامي، كما يشير إلى ذلك موقفالحجيج الأعظم منه، حينما حجّ هشام بن عبدالملك(1). * لم تكن ثقة الاُمّة بالإمام زينالعابدين (عليه السلام) ـ على اختلافاتجاهاتها ومذاهبها ـ مقتصرة على الجانبالفقهي والروحي فحسب، بل كانت تؤمن بهمرجعاً وقائداً، ومفزعاً في كلّ مشاكلالحياة وقضاياها، بوصفه امتداداً لآبائهالطاهرين. ومن هنا نجد أنّ عبد الملك بن مروان قداستنجد بالإمام زين العابدين (عليهالسلام) لحلّ مشكلة التعامل بالنقودالرومية إبّان تهديد الملك الروماني
(1) اختيار معرفة الرجال: 129 ـ 132 ح 207،والجاحظ في البيان والتبيين: 1/286، الأغاني:14/75 و 19/40، وابن خلكان في وفيات الأعيان: 2/338ط ايران.له بإذلال المسلمين(1). * وقد قدّر للإمام زين العابدين أن يتسلّممسؤولياته القيادية والروحية بعد استشهادأبيه (عليه السلام) فمارسها خلال النصفالثاني من القرن الأول، في مرحلة من أدقّالمراحل التي مرّت بها الاُمة وقتئذ، وهيالمرحلة التي أعقبت موجة الفتوح الاُولى،فقد امتدّت هذه الموجة بزخمها الروحيوحماسها العسكري والعقائدي، فزلزلت عروشالأكاسرة والقياصرة، وضمّت شعوباً مختلفةوبلاداً واسعة إلى الدعوة الجديدة، وأصبحالمسلمون قادة الجزء الأعظم من العالمالمتمدّن وقتئذ خلال نصف قرن. * تعرضت الاُمة الإسلامية في عصر هذاالإمام (عليه السلام) لخطرين كبيرين: الخطر الأول: هو خطر الانفتاح علىالثقافات المتنوعة، والذي قد ينتهيبالاُمة إلى التميّع والذوبان وفقدانأصالتها، فكان لابدّ من عمل علمي يؤكّدللمسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيّتهمالتشريعية المتميّزة المستمدة من الكتابوالسنّة. وكان لابدّ من تأصيل للشخصيةالاسلامية، وذلك من خلال زرع بذورالاجتهاد. وهذا ما قام به الإمام علي بن الحسين (عليهالسلام) فقد بدأ حلقة من البحث والدرس فيمسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأخذيحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلامية، منتفسير وحديث وفقه وتربية وعرفان، وراحيفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين. وهكذا تخرّج من هذه الحلقة الدراسيّة عددمهمّ من فقهاء المسلمين،
(1) انظر: دراسات وبحوث للعاملي: 1/127 ـ 137.وكانت هذه الحلقة المباركة هي المنطلقلما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه الإسلاميوكانت الأساس لحركة الفقه الناشطة. *الخطر الثاني: هو الخطر الناجم عن موجةالرخاء والانسياق مع ملذّات الحياةالدنيا والإسراف في زينة هذه الحياةالمحدودة، وبالتالي ضمور الشعور بالقيمالخلقية. وقد اتّخذ الإمام زين العابدين (عليهالسلام) من الدعاء أساساً هذا الخطرالكبير الذي ينخر في الشخصية الإسلاميةويهزّها من داخلها هزّاً عنيفاً ويحولبينها وبين الاستمرار في أداء رسالتها.ومن هنا كانت «الصحيفة السجادية» تعبيراًصادقاً عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورةالمرحلة تفرضه على الإمام (عليه السلام)إضافة إلى كونها تراثاً ربّانياً فريداًيظلّ على مرّ الدهور مصدر عطاء ومشعلهداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، وتظلّالإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمّديالعلوي، وتزداد إليه حاجة كلّما ازدادالشيطان للإنسانية إغراءً والدنيا فتنةًله(1). * * *
(1) السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)في مقدمته للصحيفة السجادية.انطباعات عن شخصيّة الإمام زين العابدين(عليه السلام) اتّفق المسلمون على تعظيم الإمام زينالعابدين (عليه السلام) وأجمعوا علىالاعتراف له بالفضل، وأنّه علم شاهق فيهذه الدنيا، لايدانيه أحد في فضائله وعلمهوتقواه، وكان من مظاهر تبجيلهم له: أنّهمكانوا يتبركون بتقبيل يده ووضعها علىعيونهم(1)، ولم يقتصر تعظيمه على الذينصحبوه أو التقوا به، وإنّما شمل المؤرخينعلى اختلاف ميولهم واتّجاهاتهم، فقدرسموا بإعجاب وإكبار سيرته، وأضفوا عليهجميع الألقاب الكريمة والنعوت الشريفة. أقوال وآراء معاصريه فيه (عليه السلام): عبّر المعاصرون للإمام (عليه السلام) منالعلماء والفقهاء والمؤرّخينبانطباعاتهم عن شخصيّته، وكلها إكباروتعظيم له، سواء في ذلك من أخلص له فيالودّ أو أضمر له العداوة والبغضاء، وفيمايلي نبذة من كلماتهم: 1 ـ قال الصحابيّ الجليل جابر بن عبد اللهالأنصاري: ما رؤي في أولاد الأنبياء مثلعليّ بن الحسين (عليه السلام)...(2).
(1) العقد الفريد: 2 / 251. (2) حياة الإمام زين العابدين، دراسةوتحليل: 1 / 126.2 ـ كان عبد الله بن عباس على تقدّمه فيالسنّ يجلّ الإمام (عليه السلام) وينحنيخضوعاً له وتكريماً، فإذا رآه قام تعظيماًورفع صوته قائلاً: مرحباً بالحبيب ابنالحبيب(1). 3 ـ وُصِف محمّد بن مسلم القرشي الزهريبالفقيه، وأحد الأئمّة الأعلام وعالمالحجاز والشام(2) وقد كان على خطّ غير أهلالبيت (عليهم السلام) ولكنّه أدلى بمجموعةمن الكلمات القيّمة أعرب فيها عمّا يتصفبه الإمام (عليه السلام) من القيم الكريمةوالمُثل العظيمة، وهذه بعض كلماته: أ ـ ما رأيت هاشمياً مثل عليّ بنالحسين...(3). ب ـ لم أدرك في أهل البيت رجلاً كان أفضلمن علي بن الحسين(4). ج ـ... ما رأيت أحداً أفقه منه(5). 4 ـ سعيد بن المسيّب: وهو من الفقهاءالبارزين في يثرب، وقال عنه الرواة: إنّهليس من التابعين من هو أوسع منه علماً(6)،وقد صحب الإمام (عليه السلام) ووقف علىورعه، وشدّة تحرّجه في الدين، وقد سجّل مارآه بهذه الكلمات: أ ـ ما رأيت قطّ أفضل من عليّ بن الحسين(عليه السلام) وما رأيته قطّ إلاّمَقَتُّنفسي...(7). ب ـ ما رأيت أورع منه...(8). ج ـ كان سعيد جالساً وإلى جانبه فتىً منقريش، فطلع الإمام (عليه السلام) فسأل
(1) تأريخ دمشق: 36 / 147، وتذكرة الخواص: 324. (2) تهذيب التهذيب: 9 / 445. (3) الأغاني: 15 / 325. (4 و 5) شذرات الذهب: 1 / 105. (6) تهذيب التهذيب: 4 / 85. (7) تأريخ اليعقوبي: 3 / 46. (8) العبر في خبر من غبر: 1 / 111.القريشيّ سعيداً عنه، فأجابه سعيد: هذاسيّد العابدين(1). 5 ـ زيد بن أسلم: وكان في طليعة فقهاءالمدينة، ومن مفسِّري القرآن(2)، وقد أدلىبعدّة كلمات بشأن الإمام (عليه السلام)منها: أ ـ ما جالست في أهل القبلة مثله(3). ب ـ ما رأيت مثل عليّ بن الحسين فيهم (أي:في أهل البيت) (4). ج ـ ما رأيت مثل عليّ بن الحسين فهماًحافظاً(5). 6 ـ حماد بن زيد: وهو من أبرز فقهاء البصرة،اُعتبر من أئمّة المسلمين(6)، قال فيه: كانعليّ بن الحسين أفضل هاشميٍّ أدركته(7). 7 ـ يحيى بن سعيد: وهو من كبار التابعين،ومن أفاضل الفقهاء والعلماء(8)، وقد قال:سمعت عليّ بن الحسين وكان أفضل هاشميرأيته(9). 8 ـ لقد تعدّى الاعتراف بالفضل للإمام(عليه السلام) إلى أعدائه ومبغضيه، فهذايزيد بن معاوية وبعد أن ألحّ عليه أهلالشام في أن يخطب الإمام (عليه السلام)أبدى مخاوفه منه قائلاً: إنّه من أهل بيتزُقّوا العلم زقّاً، إنّه لا ينزل إلاّبفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان...(10)
(1) الفصول المهمة: 189. (2) تهذيب التهذيب: 3 / 395. (3 و 4) حياة الإمام زين العابدين: 1/129 عنتأريخ دمشق: 12 / ق1 / الورقة 19. (5) طبقات الفقهاء: 2 / 34. (6) تهذيب التهذيب: 3 / 9. (7) تهذيب اللغات والأسماء، القسم الأول:343. (8) حياة الإمام زين العابدين (دراسةوتحليل): 1 / 130 عن تهذيب التهذيب. (9) المصدر السابق عن تهذيب الكمال م7 / ق2 /الورقة 336. (10) نفس المهموم: 448 ـ 452 ط قم عن مناقب آلأبي طالب: 4/181 عن كتاب الأحمر عن الأوزاعي:الخطبة بدون المقدمة، والمقدمة عن الكاملللبهائي: 2/299 ـ 302 وانظر حياة الإمام زينالعابدين للقرشي: 1/175.9 ـ عبد الملك بن مروان: وهذا عدوّ آخر يقولللإمام (عليه السلام):... إنّك لذو فضل عظيمعلى أهل بيتك وعصرك، ولقد اُوتيت من الفضلوالعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلكولا قبلك إلاّ من مضى من سلفك...(1) 10 ـ منصور الدوانيقي: وهذا عدوّ آخر أيضاًلأهل البيت (عليهم السلام) قد أشاد بفضلالإمام (عليه السلام) في رسالته إلى ذيالنفس الزكية بقوله: ولم يولد فيكم (أي فيالعلويّين) بعد وفاة رسول الله (صلّى اللهعليه وآله) مولود مثله (أي مثل زينالعابدين) (2). آراء العلماء والمؤرخين فيه (عليهالسلام): 1 ـ قال اليعقوبي: كان أفضل الناس وأشدّهمعبادة، وكان يسمّى: زين العابدين، وكانيسمّى أيضاً: ذا الثفنات، لما كان في وجههمن أثر السجود...(3). 2 ـ قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسنالشافعي المعروف بابن عساكر: في ترجمةالإمام (عليه السلام): كان عليّ بن الحسينثقةً مأموناً، كثير الحديث، عالياًرفيعاً...(4). 3 ـ قال الذهبي: كانت له جلالة عجيبة، وحقّله والله ذلك، فقدكان أهلاً للإمامةالعظمى; لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّههوكمالعقله...(5) 4 ـ قال الحافظ أبو نعيم: قال: عليّ بنالحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)
(1) بحار الأنوار: 46 / 75. (2) الكامل للمبرد: 2 / 467، العقد الفريد: 5 /310. (3) تاريخ اليعقوبي: 3 / 46. (4) تأريخ دمشق: 36 / 142. (5) سير أعلام النبلاء: 4 / 0.زين العابدين ومنار القانتين، كان عابداًوفيّاً وجواداً صفيّاً...(1). 5 ـ قال صفيّ الدين: كان زين العابدين عظيمالهدى والسمت الصالح...(2). 6 ـ قال النووي: وأجمعوا على جلالته في كلّشيء...(3) 7 ـ قال عماد الدين إدريس القرشي: كانالإمام عليّ بن الحسين زين العابدين أفضلأهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)وأشرفهم بعد الحسن والحسين عليهم جميعاًالصلاة والسلام، وأكثرهم ورعاً وزهداًوعبادة(4). 8 ـ قال النسّابة الشهير ابن عنبة: وفضائله(عليه السلام) أكثر من أن تحصى أو يحيط بهاالوصف(5). 9 ـ قال الشيخ المفيد: كان عليّ بن الحسينأفضل خلق الله بعد أبيه علماً وعملاً،وقال: قد روى عنه فقهاء العامّة من العلومما لا يحصى كثرة، وحُفِظ عنه من المواعظوالأدعية وفضائل القرآن والحلال والحراموالمغازي والأيام ما هو مشهور بينالعلماء...(6). 10 ـ وقال ابن تيمية: أمّا عليّ بن الحسينفمن كبار التابعين وساداتهم علماًوديناً... وله من الخشوع وصدقة السرّ وغيرذلك من الفضائل ما هو معروف(7). 11 ـ قال الشيخاني القادري: سيّدنا زينالعابدين عليّ بن الحسين بن أبي طالباشتهرت أياديه ومكارمه، وطارت بالجوّ فيالجود محاسنه، عظيم القدر، رحب الساحةوالصدر، وله الكرامات الظاهرة ما شوهدبالأعين الناظرة
(1) حلية الأولياء: 3 / 133. (2) وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل: 280. (3) عن تهذيب اللغات والأسماء: ق1 / 343. (4) عيون الأخبار وفنون الآثار: 144. (5) عمدة الطالب: 193. (6) الإرشاد: 2 / 138 و 153. (7) منهاج السنّة: 2 / 123.وثبت بالآثار المتواترة...(1). 12 ـ قال محمّد بن طلحة القرشي الشافعي: هذازين العابدين، قدوة الزاهدين، وسيّدالمتقين، وإمام المؤمنين، شيمته تشهد لهأنّه من سلالةرسول الله (صلّى الله عليهوآله) وسمته يثبت مقام قربه من الله زلفاً،وثفناته تسجّل له كثرة صلاته وتهجّده،وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها،درّت له أخلاق التقوى فتفوّقها، وأشرقت لهأنوار التأييد فاهتدى بها، وآلفته أورادالعبادة فآنس بصحبتها، وحالفته وظايفالطاعة فتحلّى بحليتها، طالما اتّخذالليل مطيّة ركبها لقطع طريق الآخرة، وظمأالهواجر دليلاً استرشد به في مسافةالمسافرة، وله من الخوارق والكرامات ماشوهد بالأعين الباصرة وثبت بالآثارالمتواترة وشهد له أنّه من ملوكالآخرة...(2). 13 ـ قال الإمام الشافعي: إنّ عليّ بنالحسين أفقه أهل المدينة(3). 14 ـ قال الجاحظ: وأمّا عليّ بن الحسين فلمأرَ الخارجي في أمره إلاّ كالشيعي، ولمأرَ الشيعي إلاّ كالمعتزلي، ولم أرَالمعتزلي إلاّ كالعامي، ولمأرَ العاميإلاّ كالخاصي، ولم أجد أحداً يتمارى فيتفضيله ويشكفي تقديمه...(4). 15 ـ قال سبط ابن الجوزي: وهو أبو الأئمّةوكنيته أبو الحسن ويلقب بزين العابدينوسمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)سيد العابدين... والسجاد; وذي الثفنات،والزكي والأمين، والثفنات: ما يقع علىالأرض من أعضاء البعير إذا استناخ وغلظكالركبتين فكان طول السجود قد أثّر فيثفناته(5).
كان الإمام من أعظم الناس حلماً، وأكظمهمللغيظ، فمن صور حلمه التي رواهاالمؤرّخون: 1 ـ كانت له جارية تسكب على يديه الماء إذاأراد الوضوء للصلاة، فسقط الإبريق من يدهاعلى وجهه الشريف فشجّه، فبادرت الجاريةقائلة: إنّ الله عزّوجلّ يقول: (والكاظمينالغيظ) وأسرع الإمام قائلاً: «كظمت غيظي»،وطمعت الجارية في حلم الإمام ونبله، فراحتتطلب منه المزيد قائلة: (والعافين عنالناس) فقال الإمام (عليه السلام): «عفاالله عنك»، ثمّ قالت: (والله يحبّالمحسنين) فقال (عليه السلام) لها: «إذهبيفأنت حرّة»(1). 2 ـ سبّه لئيمٌ فأشاح (عليه السلام) بوجههعنه، فقال له اللئيم: إيّاك أعني... وأسرعالإمام قائلاً: «وعنك اُغضي...» وتركهالإمام ولم يقابله بالمثل(2). 3 ـ ومن عظيم حلمه (عليه السلام): أنّ رجلاًافترى عليه وبالغ في سبّه،
(1) أمالي الصدوق: 168 ح 12 والارشاد: 2/146،ومناقب آل أبي طالب: 4/157، تاريخ دمشق: 36/155وابن منظور في مختصره: 17/240، وسير أعلامالنبلاء: 4/397، ونهاية الارب: 21/326. (2) مناقب آل أبي طالب: 4/171، والبدايةوالنهاية: 9 / 105.فقال (عليه السلام) له: «إن كُنّا كما قلتفنستغفر الله، وإن لم نكن كما قلت فغفرالله لك...»(1).
السخاء:
أجمع المؤرِّخون على أنّه كان من أسخىالناس وأنداهم كفّاً، وأبرَّهم بالفقراءوالضعفاء، وقد نقلوا نوادر كثيرة من فيضجوده، منها: 1 ـ مرض محمّد بن اُسامة فعاده الإمام(عليه السلام)، ولمّا استقرّ به المجلسأجهش محمّد بالبكاء، فقال له الإمام (عليهالسلام): ما يبكيك؟ فقال: عليّ دين، فقال لهالإمام: كم هو؟ فأجاب: خمسة عشر ألف دينار،فقال له الإمام (عليه السلام): هي عليّ، ولميقم الإمام من مجلسه حتى دفعها له(2). 2 ـ ومن كرمه وسخائه أنّه كان يطعم الناسإطعاماً عامّاً في كلّ يوم، وذلك في وقتالظهر في داره(3). 3 ـ وكان يعول مائة بيت في السرّ، وكان فيكلّ بيت جماعة من الناس(4).
تعامله مع الفقراء:
أ ـ تكريمه للفقراء: كان (عليه السلام)يحتفي بالفقراء ويرعى عواطفهم ومشاعرهم،فكان إذا أعطى سائلاً قبّله، حتى لا يُرىعليه أثر الذلّ
(1) الإرشاد: 1/146 عن نسب آل أبي طالبللعبيدلي النسّابة م 270 هـ. (2) الإرشاد: 2/149، ومناقب آل أبي طالب: 4/163وراجع: البداية والنهاية: 9 / 105، وسير أعلامالنبلاء: 4 / 239. (3) تأريخ اليعقوبي: 2 / 259 ط بيروت. (4) مناقب آل أبي طالب: 4/166 عن الباقر (عليهالسلام) وعن أحمد بن حنبل، وكشف الغمة: 2/289عن مطالب السؤول عن حلية الأولياء، وفيالكشف: 2/312، عن الجنابذي، ولكن فيه: 2/304 عنهأيضاً عن الصادق (عليه السلام) قال: كانيعول سبعين بيتاً.والحاجة(1)، وكان إذا قصده سائل رحّب بهوقال له: «مرحباً بمن يحمل زادي إلى دارالآخرة»(2). ب ـ عطفه على الفقراء: كان (عليه السلام)كثير العطف والحنان على الفقراءوالمساكين، وكان يعجبه أن يحضر على مائدةطعامه اليتامى والأضراء والزمنىوالمساكين الذين لا حيلة لهم، وكانيناولهم بيده، كما كان يحمل لهم الطعام أوالحطب على ظهره حتى يأتي باباً من أبوابهمفيناولهم إيّاه(3). وبلغ من مراعاته لجانبالفقراء والعطف عليهم أنّه كره اجتذاذالنخل في الليل; وذلك لعدم حضور الفقراء فيهذا الوقت فيحرمون من العطاء، فقد قال(عليه السلام) لقهرمانه وقد جذّ نخلاً لهمن آخر الليل: «لا تفعل، ألا تعلم أنّ رسولالله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن الحصادوالجذاذ بالليل؟!». وكان يقول: «الضغثتعطيه من يسأل فذلك حقه يوم حصاده»(4). ج ـ نهيه عن ردّ السائل: ونهى الإمام (عليهالسلام) عن ردّ السائل; وذلك لما له منالمضاعفات السيّئة التي منها زوال النعمةوفجأة النقمة. وأكد الإمام (عليه السلام) على ضرورة ذلكفي كثير من أحاديثه، فقد روى أبو حمزةالثمالي، قال: صلّيت مع عليّ بن الحسينالفجر بالمدينة يوم جمعة، فلمّا فرغ منصلاته نهض إلى منزله وأنا معه، فدعامولاةً له تسمّى سكينة، فقال لها: «لا يعبرعلى بابي سائل إلاّ أطعمتموه فإنّ اليومجمعة»،فقال له أبو حمزة: ليس من يسألمستحقاً، فقال (عليه السلام): «أخاف أنيكون بعض من يسألنا مستحقاً فلا نطعمه،
(1) حلية الأولياء: 3 / 137، وعنه في مناقب آلأبي طالب: 4/167. (2) كشف الغمة: 3/288 عن مطالب السؤول للشافعيعن حلية الأولياء للاصفهاني. (3) مناقب آل أبي طالب: 4/166 و 167 عن الباقر(عليه السلام). (4) بحار الأنوار: 46 / 62.ونردّه فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوبوآله، أطعموهم، أطعموهم، إنّ يعقوب كانيذبح كلّ يوم كبشاً فيتصدّق منه، ويأكلمنه هو وعياله، وإنّ سائلاً مؤمناًصوّاماً مستحقّاً، له عند الله منزلةاجتاز على باب يعقوب يوم جمعة عند أوانإفطاره، فجعل يهتف على بابه: أطعمواالسائل الغريب الجائع من فضل طعامكم، وهميسمعونه، قد جهلوا حقّه، ولم يصدّقواقوله، فلمّا يئس منهم وغشيه الليل مضى علىوجهه، وبات طاوياً يشكو جوعه إلى الله،وبات يعقوب وآل يعقوب شباعاً بطاناًوعندهم فضلة من طعامهم، فأوحى الله إلىيعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت عبديذلة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبيونزول عقوبتي، وبلواي عليك وعلى ولدك، يايعقوب أحبّ أنبيائي إليّ وأكرمهم عليّ منرحم مساكين عبادي وقرّبهم إليه وأطعمهموكان لهم مأوى وملجأ، أما رحمت عبديالمجتهد في عبادته، القانع باليسير منظاهر الدنيا؟! أما وعزّتي لأنزلنّ بكبلواي، ولأجعلنّك وولدك غرضاً للمصائب.فقال أبو حمزة: جعلت فداك متى رأى يوسفالرؤيا؟ قال (عليه السلام): في تلك الليلةالتي بات فيها يعقوب وآله شباعاً وباتالسائل الفقير طاوياً جائعاً»(1).
صدقاته:
وكان من أعظم ما يصبو إليه الامام زينالعابدين (عليه السلام) في حياته الصدقةعلى الفقراء لإنعاشهم ورفع البؤس عنهم،وكان (عليه السلام) يحثّ على الصدقة; وذلكلما يترتّب عليها من الأجر الجزيل، فقدقال: «ما من رجل تصدّق على مسكين مستضعففدعا له المسكين بشيء في تلك الساعة إلاّاستجيب له»(2). ونشير إلى بعض ألوان صدقاته وجميل خصاله:
(1) علل الشرائع: 1/61 ب 42 ح 1 ط بيروت. (2) وسائل الشيعة: 6 / 296.أ ـ التصدّق بثيابه: كان (عليه السلام)يلبس في الشتاء الخزّ، فإذا جاء الصيفتصدّق به أو باعه وتصدّق بثمنه، وكان يلبسفي الصيف ثوبين من متاع مصر ويتصدّق بهماإذا جاء الشتاء(1)، وكان يقول: «إني لأستحيمن ربّي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت اللهفيه»(2). ب ـ التصدّق بما يحبّ: كان يتصدّق باللوزوالسكَّر، فسئل عن ذلك فتلا قوله تعالى:(لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون)(3). وروي أنّه كان يعجبه العنب، وكان صائماًفقدّمت له جاريته عنقوداً من العنب وقتالإفطار، فجاء سائل فأمر بدفعه إليه،فبعثت الجارية من اشتراه منه، وقدّمته إلىالامام، فطرق سائل آخر الباب، فأمر (عليهالسلام) بدفع العنقود إليه، فبعثت الجاريةمن اشتراه منه وقدّمته للإمام، فطرق سائلثالث الباب فدفعه الإمام إليه(4). ج ـ مقاسمة أمواله: وقاسم الإمام أموالهمرّتين فأخذ قسماً له، وتصدّق بالقسمالآخر على الفقراء والمساكين(5).
(1) تأريخ دمشق: 36 / 161. (2) مناقب آل أبي طالب: 4/167 عن حليةالأولياء: 3/136 ـ 140. (3) مناقب آل أبي طالب: 4/167. (4) المحاسن: 2/361 طبعة المجمع العالمي لأهلالبيت (عليهم السلام)، وفروع الكافي: 6 / 350. (5) مناقب آل أبي طالب: 4/167 عن حليةالأولياء: 3 / 140، وجمهرة الأولياء: 2 / 71،وخلاصة تهذيب الكمال: 231د ـ صدقاته في السرّ: وكان أحبّ شيء عندالإمام (عليه السلام) الصدقة في السر،لئلاّ يعرفه أحد، وقد أراد أن يربط نفسهومن يعطيهم من الفقراء برباط الحبّ فيالله تعالى، وتوثيقاً لصلته بإخوانهالفقراء بالإسلام، وكان يحثّ على صدقةالسرّ ويقول: «إنّها تطفئ غضب الربّ»(1). وقد اعتاد الفقراء على صلة لهم في الليل،فكانوا يقفون على أبوابهم ينتظرونه، فإذارأوه تباشروا وقالوا: جاء صاحب الجراب(2). وكان له ابن عم يأتيه بالليل فيناولهشيئاً من الدنانير فيقول له العلوي: إنّعليّ بن الحسين لا يوصلني، ويدعو عليه،فيسمع الإمام ذلك ويغضي عنه، ولا يُعرّفهبنفسه، ولمّا توفّي (عليه السلام) فقدالصلة، فعلم أنّ الذي كان يوصله هو الإمامعليّ بن الحسين (عليه السلام) فكان يأتيقبره باكياً ومعتذراً منه(3). وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون:ما فقدنا صدقة السرّ حتى مات عليّ بنالحسين(4). وكان (عليه السلام) شديد التكتّم في صلاتهوهباته، فكان إذا ناول أحداً شيئاً غطّىوجهه لئلاّ يعرفه(5). وقال الذهبي: إنّه كان كثير الصدقة فيالسرّ(6).
(1) مناقب آل أبي طالب: 4/165 عن الثماليوالثوري، وفي تذكرة الحفاظ: 1 / 75 واخبارالدول: 110 ونهاية الإرب: 21 /6، وكشف الغمة:2/289 عن مطالب السؤول عن حلية الأولياء. وفيالكشف: 2/312 عن الجنابذي عن الثوري عنه (عليهالسلام) كان يقول: إنّ الصدقة تطفئ غضبالرب. بدون قيد السّر. (2) مناقب آل أبي طالب: 4/166. (3) كشف الغمة: 2/319 عن نثر الدرر للآبي. (4) حلية الأولياء وعنه في مناقب آل أبيطالب: 4/166 وكشف الغمة: 2/290 عن مطالب السؤولعن الحلية: 4/136 وفي البداية والنهاية لابنكثير: 9/114، وصفة الصفوة: 2 / 54، الإتحاف بحبالأشراف: 49 والأغاني: 15 /6. (5) مناقب آل أبي طالب: 4/166 عن الباقر (عليهالسلام). (6) تذكرة الحفّاظ: 1 / 75.وكان (عليه السلام) يجعل الطعام الذييوزّعه على الفقراء في جراب ويحمله علىظهره، وقد ترك أثراً عليه(1). هـ ـ ابتغـاؤه مرضاة الله: ولم يكن الإمام(عليه السلام) يبتغي في برّه وإحسانه إلىالفقراء إلاّ وجه الله عزّوجلّ والدارالآخرة، ولم تكن عطاياه وصدقاته (عليهالسلام) مشوبة بأيّ غرض من أغراض الدنيا. قال الزهري: رأيت عليّ بن الحسين في ليلةباردة وهو يحمل على ظهره دقيقاً، فقلت له:يابن رسول الله! ما هذا؟ فأجابه (عليهالسلام): «اُريد سفراً، اُعدّ له زاداًأحمله إلى موضع حريز». فقال: هذا غلامييحمله عنك، فامتنع الإمام من إجابته،وتضرّع الزهري إليه أن يحمله هو بنفسهعنه، إلاّ ان الإمام أصرّ على ما ذهب إليه،وقال له: «ولكنّي لا أرفع نفسي عمّا ينجينيفي سفري، ويحسّن ورودي على ما أردُ عليه،أسألك بحق الله لمّا مضيت لحاجتك». وانصرف الزهري عن الإمام، وبعد أيامالتقى به، وقد ظنّ أنّه كان على جناح سفرولم يعِ مراده فقال له: يابن رسول الله،لست أرى لذلك السفر الذي تركته أثراً. فأجابه الإمام (عليه السلام): «يا زهري،ليس ما ظننت، ولكنّه الموت وله أستعدُّ،إنّما الاستعداد للموت تجنّب الحرام وبذلالندى في الخير»(2).
العزّة والإباء:
ومن صفات الإمام عليّ بن الحسين زينالعابدين (عليه السلام) العزّة والإباء،
(1) تأريخ اليعقوبي: 2/303 ط بيروت. (2) علل الشرائع: 1 / 27 وعنه في بحار الأنوار:46 / 65 ـ 66.فقد ورثها من أبيه الحسين سيّد الشهداء(عليه السلام) الذي تحدّى طغاة عصرهقائلاً: «والله لا اُعطيكم بيدي إعطاءالذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»(1). وقد تمثّلت هذه الظاهرة الكريمة فيشخصيّة الإمام زين العابدين (عليه السلام)في قوله: «ما أحبّ أنّ لي بذلّ نفسي حمرالنعم»(2). وقال في عزة النفس: «من كرمت عليه نفسههانت عليه الدنيا»(3). ويقول المؤرخون: إنّ أحدهم أخذ منه بعضحقوقه بغير حق، وكان الإمام (عليه السلام)بمكّة، وكان الوليد بن عبد الملك حينئذمتربّعاً على كرسي الخلافة وقد حضر موسمالحج، فقيل له: لو سألت الوليد أن يردّعليك حقّك؟ فقال لهم كلمته الخالدة فيدنيا العزّ والإباء: «ويحك أفي حرم اللهعزّوجلّ أسأل غير الله عزّوجلّ؟! إنّي آنفأن أسأل الدنيا من خالقها، فكيف أسألهامخلوقاً مثلي؟!»(4). ومن عزّته: أنّه ما أكل بقرابته من رسولالله (صلّى الله عليه وآله) درهماً قطّ(5).
الزهد:
لقد اشتهر في عصره (عليه السلام) أنّه منأزهد الناس حتى أنّ الزهري حينما سُئل عنأزهد الناس قال: عليّ بن الحسين(6). ورأى (عليه السلام) سائلاً يبكي فتألّم لهوراح يقول: «لو أنّ الدنيا كانت في كفّ هذا
(1) وقعة الطف: 209. (2) الكافي: 2/109 و 111 والخصال: 1/23 وعن الكافيفي بحار الأنوار: 71/406 ومعه بيان المؤلف فيصفحة كاملة. (3) بحار الأنوار: 78 / 135. (4) بحار الأنوار: 46 / 64 عن علل الشرائع: 1/270 طبيروت. (5) مجالس ثعلب 2: 462، وعنه في حياة الإمامزين العابدين للقرشي: 1/81. وفي مناقب آل أبيطالب: 4/175 عن نافع: شيئاً، بدل: درهماً. (6) بحار الأنوار: 46/62 عن علل الشرائع: 1/270 طبيروت.ثمّ سقطت منه لما كان ينبغي له أن يبكيعليها»(1). وقال سعيد بن المسيب: كان عليّ بن الحسين(عليه السلام) يعظ الناس ويزهّدهم فيالدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذاالكلام في كلّ جمعة في مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وحفظ عنه وكتب، وكانيقول: «أيّها الناس، اتّقوا الله واعلمواأنـّكم اليه تُرجعون... يابن آدم، إنّ أجلكأسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبكويوشك أن يدركك، وكأن قد اُوفيت أجلك وقبضالملك روحك وصرت إلى قبرك وحيداً، فردّاليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكانناكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك...فاتّقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ اللهعزّوجلّ لم يحبّ زهرة الدنيا وعاجلها لأحدمن أوليائه، ولم يرغّبهم فيها وفي عاجلزهرتها وظاهر بهجتها، وإنّما خلق الدنياوأهلها ليبلوهم فيها أيّهم أحسن عملاًلآخرته، وأيم الله لقد ضرب لكم فيهالأمثال، وعرّف الآيات لقوم يعقلون، ولاقوة إلاّ بالله، فازهدوا فيما زهّدكم اللهعزّوجلّ فيه من عاجل الحياة الدنيا... ولاتركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركونَ مناتّخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنّهادار بُلغة، ومنزل قلعة، ودار عمل،فتزوّدوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرّقأيّامها، وقبل الإذن من الله في خرابها...جعلنا الله وإيّاكم من الزاهدين في عاجلزهرة الحياة الدنيا، الراغبين لآجل ثوابالآخرة، فإنّما نحن به وله...»(2). الإنابة إلى الله تعالى: إنّ اشتهار الإمام بلقب زين العابدينوسيّد الساجدين ممّا يشيرإلى وضوح عنصرالإنابة إلى الله والانقطاع اليه في حياةالإمام وسيرته
(1) كشف الغمة: 2/318 عن نثر الدرر للآبي،والفصول المهمّة: 192. (2) الكافي: 8 / 72 ـ 76، وتحف العقول: 249 ـ 252.وشخصيّته. على أنّ أدعية الصحيفة السجّادية هيالدليل الآخر على هذه الحقيقة، فإنّ إلقاءنظرة سريعة وخاطفة على عناوين الأدعيةيكشف لنا مدى التجاء الإمام إلى الله فيشؤون حياته، فما من موقف إلاّ وللإمام فيهدعاء وابتهال وتضرّع، هذا فضلاً عن مضامينالأدعية التي يكاد ينفرد بها هو (عليهالسلام) في هذه الصحيفة المعروفة وغيرها،لقد ذاب الإمام في محبّة الله وأخلص لهأعظم الإخلاص، وقد انعكس ذلك على جميعحركاته وسكناته. وممّا رواه المؤرخون: أنّه اجتاز على رجلجالس على باب رجل ثريّ فبادره الإمامقائلاً: «ما يقعدك على باب هذا المترفالجبار؟ فقال الرجل: البؤس (أي: الفقر)،فقال له (عليه السلام): قم فاُرشدك إلى بابخير من بابه وإلى ربّ خير لك منه...» ونهض معه الرجل إلى مسجد رسول الله (صلّىالله عليه وآله) وعلّمه ما يعمله من الصلاةوالدعاء وتلاوة القرآن وطلب الحاجة منالله والالتجاء إلى حصنه الحريز(1).
سيرته في بيته:
كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) منأرأف الناس وأبرّهم وأرحمهم بأهل بيته،وكان لا يتميّز عليهم، وقد اُثر عنه أنّهقال: «لَئن أدخل إلى السوق ومعي دراهمابتاع بها لعيالي لحماً وقد قرموا(2) أحبّاليَّ من أن أعتق نسمة»(3). وكان يبكر في خروجه مصبحاً لطلب الرزقلعياله، فقيل له: إلى أين
(1) حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام)دراسة وتحليل: 1 / 93. (2) قرموا: اشتدّ شوقهم إلى اللحم. (3) بحار الأنوار: 46 / 67 عن الكافي: 2/12.تذهب؟ فقال: أتصدّق لعيالي قبل أن أتصدّق.ثم قال: من طلب الحلال، فإنّه من اللهعزّوجلّ صدقة عليهم(1). وكان (عليه السلام) يعين أهله في حوائجهمالبيتية، ولا يأمر أحداً منهم فيما يخصّشأناً من شؤونه الخاصة، كما كان يتولّىبنفسه خدمة نفسه خصوصاً فيما يخصّ إلىشؤون عبادته، فإنّه لم يك يستعين بها أويعهد إلى أحد في قضائها.
مع أبويه:
وقابل الإمام المعروف الذي أسدته إليهمربّيته بكلّ ما تمكّن عليه من أنواعالإحسان، وقد بلغ من جميل برّه بها أنّهامتنع أن يؤاكلها فلامه الناس، وأخذوايسألونه بإلحاح قائلين: أنت أبرّ الناسوأوصلهم رحماً، فلماذا لا تؤاكل اُمّك؟فأجابهم جواب من لم تشهد الدنيا مثل أدبهوكماله قائلاً: «أخشى أن تسبق يدي إلى ماسبقت إليه عينها فأكون عاقّاً لها»(2). ومن برّه لأبويه دعاؤه لهما، وهو من أسمىالقواعد في التربية الإسلامية الهادفة،وهذه مقاطع من هذه اللوحة الخالدة مندعائه (عليه السلام): «... واخصص اللهمّ والديّ بالكرامة لديكوالصلاة منك يا أرحم الراحمين... وألهمنيعلم ما يجب لهما عليّ إلهاماً، واجمع ليعلم ذلك كلّه تماماً، ثم استعملني بماتلهمني منه، ووفّقني للنفوذ فيما تبصرنيمن علمه... اللهم اجعلني أهابهما هيبةالسلطان العسوف، وأبرّهما برّ الاُمالرؤوف، واجعل طاعتي لوالديّ وبرّي بهماأقرّ لعيني من رقدة
(1) بحار الأنوار: 46 / 67 عن الكافي: 2/12. (2) الكامل للمبرد: 1 / 302، وشذرات الذهب: 1 /105، ومناقب آل أبي طالب: 4/176 عن أماليالنيشابوري.الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن،حتى اُوثر على هواي هواهما، واُقدّم علىرضاي رضاهما، واستكثر برّهما بي وإن قلّ،واستقلّ برّي بهما وإن كثر، اللهمّ خفّضلهما صوتي، وأطب لهما كلامي، وألِن لهماعريكتي، واعطف عليهما قلبي، وصيرني بهمارفيقاً وعليهما شفيقاً... اللهمّ اشكرلهماتربيتي، وأثبهما على تكرمتي، واحفظ لهماما حفظاه منّي في صغري... اللهمّ لا تُنسنيذكرهما في أدبار صلواتي، وفي إناً من آناءليلي، وفي كل ساعة من ساعات نهاري... اللهمّصلّ على محمد وآله، واغفر لي بدعائي لهما،واغفر لهما ببرّهما بي...»(1).
مع أبنائه:
أمّا سلوك الإمام عليّ بن الحسين زينالعابدين (عليه السلام) مع أبنائه فقدتميّز بالتربية الإسلامية الرفيعة لهم،فغرس في نفوسهم نزعاته الخيّرةواتّجاهاته الإصلاحية العظيمة، وقد صاروابحكم تربيته لهم من ألمع رجال الفكروالعلم والجهاد في الإسلام. فكان ولده الإمام محمد الباقر (عليهالسلام) أشهر أئمّة المسلمين، وأكثرهمعطاءً للعلم. وأمّا ولده عبد الله الباهر فقد كان منأبرز علماء المسلمين في فضله وسمّو منزلتهالعلمية. أمّا ولده زيد فقد كان من أجلّ علماءالمسلمين، وقد برعَ في علوم كثيرة كعلمالفقه والحديث والتفسير وعلم الكلاموغيرها، وهو الذي تبنّى حقوق المظلومينالمضطهدين، وقاد مسيرتهم الدامية فيثورته التي نشرت الوعي السياسي في المجتمعالاسلامي، وساهمت مساهمة إيجابية وفعّالة
(1) الصحيفة السجادية، دعاؤه لأبويه.في الاطاحة بالحكم الاُموي(1). وزوّد الإمام (عليه السلام) أبناءه ببعضالوصايا التربوية لتكون منهجاً يسيرونعليه، قال (عليه السلام): 1 ـ «يا بُنيّ، اُنظر خمسةً فلا تصاحبهمولا تحادثهم ولا تُرافقهم في طريق» فقالله ولده: من هم؟ قال (عليه السلام): «إيّاكومصاحبة الكذّاب، فإنّه بمنزلة السراب،يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب. وإيّاكومصاحبة الفاسق، فإنّه بايعك بأكلة أوأقلّ من ذلك. وإيّاك ومصاحبة البخيل،فإنّه يخذلك في ماله، وأنت أحوج ما تكونإليه. وإيّاك ومصاحبة الأحمق، فإنّه يريدأن ينفعك فيضرّك. وإيّاك ومصاحبة القاطعلرحمه، فإنّي وجدته ملعوناً في كتابالله...»(2). 2 ـ قال (عليه السلام): «يا بُنيّ، اصبر علىالنائبة، ولا تتعرّض للحقوق، ولا تجب أخاكإلى شيء مضرّته عليك أعظم من منفعتهلك...»(3). 3 ـ وقال (عليه السلام): «يا بُنيّ، إنّالله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لكفحذّرني منك، واعلم أنّ خير الآباءللأبناء من لم تدعه المودّة إلى التفريطفيه، وخير الأبناء للآباء من لم يدعهالتقصير إلى العقوق له»(4).
(1) حياة الإمام زين العابدين، دراسةوتحليل: 55 ـ 56. (2) اُصول الكافي: 2/376، والاختصاص: 239، وتحفالعقول: 279، والبداية والنهاية: 9 / 105. (3) البيان والتبيين: 2 / 76، العقد الفريد: 3 /88. (4) العقد الفريد: 3 / 89.
مع مماليكه:
وسار الإمام (عليه السلام) مع مماليكهسيرة تتّسم بالرفق والعطف والحنان، فكانيعاملهم كأبنائه، وقد وجدوا في كنفه منالرفق ما لم يجدوا في ظلّ آبائهم، حتّىأنّه لم يعاقب أمَةً ولا عبداً فيما إذااقترفا ذنباً(1). وقد كان له مملوك فدعاه مرّتين فلم يجبه،وفي الثالثة قال له الإمام برفق ولطف: «يابُنيَّ، أما سمعت صوتي؟» قال: بلى...، فقالله (عليه السلام): «لِمَ لَمْ تُجبْني؟»فقال: أمنت منك، فخرج الإمام وراح يحمدالله ويقول: «الحمد لله الذي جعل مملوكييأمنني...»(2).
(1) اقبال الأعمال: 1/443 ـ 445 باسناده عنالتلعكبرى عن ابن عجلان عن الصادق (عليهالسلام) وعنه في بحار الأنوار: 46 / 103 ـ 105. و98/186 ـ 187. (2) الإرشاد: 2/147، ومناقب آل أبي طالب: 4/171وفي تأريخ دمشق: 36 / 155.
الباب الثاني
فيه فصول: الفصل الأول: نشأة الإمام زين العابدين(عليه السلام) الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام زينالعابدين (عليه السلام) الفصل الثالث: حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام) من الولادة الى الإمامةنشأة الإمام زين العابدين (عليه السلام)لقد توفّرت للإمام زين العابدين (عليهالسلام) جميع المكوّنات التربوية الرفيعةالتي لم يظفر بها أحد سواه، وقد عملت علىتكوينه وبناء شخصيّته بصورة متميّزة،جعلته في الرعيل الأول من أئمّة المسلمينالذين منحهم الرسول (صلّى الله عليه وآله)ثقته، وجعلهم قادة لاُمّته واُمناء علىأداء رسالته. نشأ الامام في أرفع بيت وأسماه ألا وهوبيت النبوّة والإمامة الذي أذن الله أنيرفع ويذكر فيه اسمه(1)، ومنذ الأيامالاُولى من حياته كان جده الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)يتعاهده بالرعاية ويشعّ عليه من أنوارروحه التي طبّق شذاها العالم بأسره، فكانالحفيد ـ بحقٍّ ـ صورة صادقة عن جدّه،يحاكيه ويضاهيه في شخصيّته ومكوّناتهالنفسية. كما عاش الإمام (عليه السلام) في كنف عمّهالزكي الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وسبطه الأول، إذ كانيغدق عليه من عطفه وحنانه، ويغرس في نفسهمُثُلَه العظيمة وخصاله السامية، وكانالإمام (عليه السلام) طوال هذه السنين تحتظلّ والده العظيم أبي الأحرار وسيّد
(1) إشارة لقوله تعالى: (في بيوت اذن الله انترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدووالآصال* رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عنذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكاةيخافون يوماً تتقلّب فيه القلوبوالأبصار). النور (24): 36 ـ 37.الشهداء الإمام الحسين بن علىّ (عليهماالسلام) الذي رأى في ولده علي زين العابدين(عليه السلام) امتداداً ذاتيّاً ومشرقاًلروحانيّة النبوّة ومُثُل الإمامة،فأولاه المزيد من رعايته وعنايته، وقدّمهعلى بقية أبنائه، وصاحَبَه في أكثرأوقاته. لقد ولد الإمام زين العابدين (عليهالسلام) في المدينة في اليوم الخامس منشعبان سنة (36 هـ) (1) يوم فتح البصرة، حيث إنّالإمام علي (عليه السلام) لم ينتقل بعدبعاصمته من المدينة الى الكوفة. وتوفّيبالمدينة سنة (94 أو 95 هـ). وهناك من المؤرخين ذكر أنّه ولد في سنة (38هـ) وفي مدينة الكوفة حيث كان جدّه الإمامأمير المؤمنين (عليه السلام) قد اتّخذهاعاصمة لدولته بعد حرب الجمل، فمن الطبيعيأن يكون الحسين السبط (عليه السلام) معأهله عن أبيه (عليه السلام) في هذه الفترةبشكل خاص(2) اُمّهُ: اسمها «شهربانو» أو «شهر بانويه» أو «شاهزنان» بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس(3)، وذكرالبعض أنّ اُمه قد أجابت نداء ربّها أيّامنفاسها فلم تلد سواه(4).
(1) الإرشاد: 2/137، ومناقب آل أبي طالب: 4/189،والإقبال: 621، ومصباح الكفعمي: 511،والأنوار البهية: 107 قال: سنة 36 يوم فتحالبصرة. (2) تاريخ أهل البيت، لابن أبي الثلجالبغدادي م 325: 77. (3) رغم أنّ أغلب المؤرخين متفقون على أنّاُم الإمام السجاد (عليه السلام) هي ابنةالملك يزدجرد إلاّ أن هناك من يعتبر ذلكمجرد اُسطورة، راجع زندگانى علي بن الحسين(عليه السلام) للسيد جعفر الشهيدي.والإسلام وايران للشهيد مطهري: 100 ـ 109 وحولالسيدة شهر بانو للشيخ اليوسفي الغروي فيمجلة رسالة الحسين (عليه السلام): 24/14 ـ 39،والثابت أن اُمّ الإمام السجاد (عليهالسلام) سبيّة من سبايا الفرس، ولا يثبتأكثر من هذا. (4) سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)وأهل بيته (عليهم السلام): 2 / 189، المجمعالعالمي لأهل البيت (عليهم السلام) الطبعةالاُولى 1414 هـ.
كُناه:
أبو الحسن، أبو محمّد، أبو الحسين، أبوعبد الله(1).
ألقابه:
«زين العابدين» و «ذو الثفنات» و «سيّدالعابدين» و «قدوة الزاهدين» و «سيّدالمتّقين» و «إمام المؤمنين» و «الأمين» و«السجّاد» و «الزكي» و «زين الصالحين» و«منار القانتين» و «العدل» و «إمامالاُمّة» و «البكّاء»، وقد اشتهر بلقبي«السجاد» و «زين العابدين» أكثر منغيرهما. إنّ هذه الألقاب قد منحها الناس للإمامعندما وجدوه التجسيد الحيّ لها، والمصداقالكامل لـ: (وعباد الرحمن الذين يمشون علىالأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالواسلاماً) (2)، وبعض الذين منحوه هذه الألقابلم يكونوا من شيعته، ولم يكونوا يعتبرونهإماماً من قبل الله تعالى، لكنّهم مااستطاعوا أن يتجاهلوا الحقائق التي رأوهافيه. لقد ذكر المؤرّخون ما يبيّن لنا بعض العللالتأريخية لجملة من هذه الألقاب المباركة: 1 ـ روي عن الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الانصاري أنّه قال: كنت جالساً عندرسول الله (صلّى الله عليه وآله) والحسينفي حجره وهو يلاعبه فقال (صلّى الله عليهوآله): «يا جابر، يولد له مولود اسمه عليّ،إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم (سيّدالعابدين)
(1) حياة الإمام زين العابدين، دراسةوتحليل: 390. (2) الفرقان (25): 63.فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمّد،فإن أنت أدركته يا جابر فاقرأه منّيالسلام»(1). 2 ـ كان الزهري إذا حدّث عن عليّ بن الحسين(عليه السلام) قال: حدّثني «زين العابدين»عليّ بن الحسين، فقال له سفيان بن عيينة:ولِمَ تقول له زين العابدين؟ قال: لأنّيسمعت سعيد بن المسيب يحدّث عن ابن عباس أنّرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «إذاكان يوم القيامة ينادي مناد أين زينالعابدين؟ فكأنـّي أنظر إلى ولدي عليّ بنالحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطر (يخطو) بينالصفوف»(2)؟ 3 ـ وجاء عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليهالسلام) أنّه قال: «كان لأبي في مواضعسجوده آثار ناتئة، وكان يقطعها في السنةمرتّين، في كلّ مرة خمس ثفنات، فسمّي ذاالثفنات لذلك»(3). 4 ـ كما جاء عنه عن كثرة سجود أبيه: ما ذكرلله عزّوجلّ نعمة عليه إلاّ وسجد، ولا دفعالله عنه سوءً إلاّ وسجد، ولا فرغ من صلاةمفروضة إلاّ وسجد، وكان أثر السجود فيجميع مواضع سجوده فسمّي بالسجّاد(4). * * *
تنقسم حياة الإمام زين العابدين (عليهالسلام) ـ كما تنقسم حياة سائر الأئمة(عليهم السلام) ـ الى مرحلتين متميّزتين: 1 ـ مرحلة ما قبل التصدّي للإمامةوالزعامة. 2 ـ مرحلة التصدّي وممارسة القيادة حتىالشهادة. لقد عاش الإمام زين العابدين (عليهالسلام) في المرحلة الاُولى من حياته فيظلال جدّه الإمام أمير المؤمنين، وعمّهالإمام الحسن المجتبى وأبيه الإمامالحسين سيد الشهداء (عليهم السلام) مدةتناهز العقدين ونصف العقد، حيث قضى في كنفجدّه الإمام علي (عليه السلام) ما يزيدقليلاً عن أربع سنوات، وما لا يقل عن سنتينلو كانت ولادته سنة (38 هـ). بينما قضى عقداً آخر من حياته في كنف عمّهوأبيه (عليهما السلام) حيث استشهد عمّهالإمام الحسن السبط (عليه السلام) سنة 50هجرية. كما قضى عقداً ثانياً في ظلّ قيادة أبيهالحسين السبط (عليه السلام) وهي الفترةالواقعة بين مطلع سنة (50 هـ) وبداية سنة (60هـ). لقد عاش الإمام زين العابدين (عليهالسلام) فترة المخاض الصعب خلال المرحلةالاُولى من حياته وقضاها مع كل من جدّهوعمّه وأبيه (عليهم السلام)، واستعدّمراحل حياة الإمام زين العابدين (عليهالسلام) بعدها لتحمّل أعباء الإمامة والقيادة بعداستشهاد أبيه والصفوة من أهل بيته وأصحابهفي ملحمة عاشوراء الخالدة التي مهّد لهامعاوية بن أبي سفيان وتحمّل وزرها ابنهيزيد المعلن بفسقه والمستأثر بحكم الله فيأرض الإسلام المباركة. وأمّا المرحلة الثانية من حياته الكريمةقد ناهزت ثلاثة عقود ونصف عقد من عمرهالشريف، وعاصر خلالها كُلاًّ من حكم يزيدبن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان بنالحكم وعبدالملك بن مروان، ثم اغتالتهالأيدي الاُموية الأثيمة بأمر من الحاكموليد بن عبدالملك بن مروان واستشهد في (25)من المحرّم أو ما يقرب منه سنة (94) أو (95)هجرية عن عمر يناهز (57) سنة أو دونهاقليلاً(1) فكانت مدّة إمامته وزعامته حوالي(34) سنة. وفي هذه الدراسة نقسّم المرحلة الثانيةمن حياة هذا الإمام الحافلة بأنواع الجهادالى قسمين متميزين من الكفاح والجهاد: الأوّل: جهاده بعد ملحمة عاشوراء وقبلاستقراره في المدينة. الثاني: جهاده بعد استقراره في المدينة. وعلى هذا التقسيم سوف ندرس حياته ضمنمراحل ثلاث: المرحلة الاُولى: حياته قبل استشهاد أبيه(عليه السلام). المرحلة الثانية: حياته بعد استشهاد أبيهوقبل استقراره في المدينة. المرحلة الثالثة: حياته بعد استقراره فيالمدينة.
(1) المناقب لابن شهر آشوب: 3/310، بحارالأنوار: 46/8 ـ 15.
الإمام زين العابدين (عليه السلام) منالولادة الى الإمامة
وتتضمّن استعراض عصر الإمام (عليه السلام)وحياته قبل كربلاء، أي من الولادة حتىاستشهاد أبيه (عليه السلام) من سنة (38 أو 36هـ) إلى سنة (61 هـ). لقد عاصر الإمام زين العابدين (عليهالسلام) في مرحلتي الطفولة والفتوّة حكممعاوية بن أبي سفيان الذي تميّز بالاضطرابأولاً، ثمّ تلاه القمع في العراق،والتأزّم في الحجاز، وإقصاء السُنّةوظهور البدعة. ولقد استشهد الإمام أمير المؤمنين علىّ(عليه السلام) في الكوفة في شهر رمضان منسنة أربعين للهجرة، فيما كان يعبّئ الناسلحرب جديدة مع معاوية، وإثر استشهاده(عليه السلام) بايع أهل العراق ولده الإمامالحسن المجتبى (عليه السلام) خليفة عليهم،إلاّ أنّ قلوب أغلب المبايعين لم تكنتصدّق ألسنتهم، فلا ينتظر من المتظاهرينبالتشيّع في الكوفة وفي جيش الإمام علىٍّ(عليه السلام) ـ الذين آذوه إلى الدرجةالتي تمنّى فيها غير مرّة الموت ـ أن يكونسلوكهم مع ولده الحسن (عليه السلام) أفضلممّا كان معه. وكانت الكوفة في السنوات الأخيرة من عمرالإمام علىّ (عليه السلام) تضمّ مختلفالاتجاهات والجماعات، فكان هنالكاللاهثون وراء السلطة،الطامعون في أن يوليهم الخليفة الجديدمنصباً ما والمسلمون الجدد الذين دفعتهمالآمال الكبيرة إلى الإعراض عن مدنهموالتوجّه إلى عاصمة الخلافة على أملالحصول على عمل يحقّق رغباتهم،والانتهازيون من الموالي الذين تحالفوامع هذه القبيلة العربية أو تلك لتغطّي علىتآمرهم; إذ لا يجرؤون على التحرّك دون غطاءعروبي. لقد تقوّم المجتمع الكوفي وقتذاك بهذهالجماعات التي وجّهت قدرتها لإيجادالعراقيل والعقبات أمام حركة الإمامالحسن السبط (عليه السلام) عندما اشترط قيسبن سعد بن عبادة بيعته للإمام الحسن (عليهالسلام) بمحاربة أهل الشام، لكنّ الإماماضطرّ إلى الصلح مع معاوية بعد أن كشفتأكثر قوات الإمامما كانت تضمر من أهدافتآمرية على شخص الإمام، والمخلصينمنأصحابه بإنضواء بعضهم تحت لواء معاوية،وبثّهم الإشاعات التيأسفرت عن التخاذلالمقيت، حتى كتب من كتب منهم إلى معاويةبتسليمهم إمامهم وقائدهم إلى معاوية. لقد امتازت الفترة الواقعة بين سنة (41 هـ)وسنة (60 هـ) بتشديد القهر والقمع على أتباعأهل البيت (عليهم السلام) في العراق،ويتبيّن من خلال تعامل معاوية مع زعماءهذه المنطقة ـ الذين كانوا يلتقونه بينالحين والآخر ـ الدرجة التي بلغها سخطهعلى أهل العراق. وقد انكفأ السياسيونالعراقيون ـ الذين خدعوا في حرب صفّينوسلّطوا أهل الشام على مقدراتهم ـ فيبيوتهم إبّان حكم معاوية، لكنّهم كانواينتظرون أن تسنح لهم فرصة جديدة للتحرك. ومن جهة اُخرى لحق بالمسلمين المخلصين ـالذين نشأوا على التربية الإسلاميةالنقية وارتفعوا عن المنظار القوميوالقبلي أو نظروا من خلاله بالشكل الذي لم يضرّ بدينهم ـ أذىً أكبرممّا لحق بالطائفة الاُولى، إذ كانوا يرونفي عهد معاوية ـ الذي امتدّ نحو عشرينعاماً ـ اندراس سنّة النبىّ (صلّى اللهعليه وآله). لقد ظهرت البدعة وساد النظام الملكيعوضاً عن الخلافة، واستلم مقاليد اُمورالمسلمين أفراد اُسرة قامت بكلّ ما بوسعهامن أجل القضاء على الإسلام والمسلمين، حتىأنّ ولداً غير شرعيّ من آل ثقيف يصبح ـوبشهادة بائع خمر ـ أخاً لمعاوية(1). وخلافاً لصريح القرآن الكريم لقد بثّمعاوية الجواسيس بين الناس ليحصوا عليهمأنفاسهم، ونسخ الوفاء بالعهد والإيمان،فقتلوا حجر بن عديٍّ بعد كلّ الضماناتالتي أعطوها له، وبمؤامرة نسج خيوطهامعاوية دسّتجعدة بنت الأشعث بن قيس السمّلزوجها الإمام الحسن المجتبىسبط رسولالله (صلّى الله عليه وآله). إلى عشرات الممارسات الاُخرى المخالفةلصريح القرآن وسنّة النبىّ (صلّى اللهعليه وآله) التي كان يتّسم بها ذلك العهد. فكانت النتيجة أنّه لم يبقَ أيّ مظهراسلاميٍّ للحكومة الإسلامية في الشاموالعراق اللّذين كانا يمثّلان أخطرمركزين في الدولة آنذاك، كما اقتصر فقهالمسلمين على الصلاة والصوم والحجّوالزكاة وما يسمّى بالجهاد، وكانالمتديّنون المخلصون يتألّمون بشدّةلتفشّي البدع، فكانوا يتربّصون الفرصالتي تتيح لهم إقصاء ما ابتدعه معاوية فيعصره باسم الإسلام.
(1) راجع: ترجمة سُمّية أم زياد في هامشوقعة الطف: 211 و 212.الوضع السياسي في العراق عند موت معاويةوعندما مات معاوية اعتبر الفريقانالمتنفّذان في العراق أنّ الفرصة باتتمؤاتية: أ ـ فريق أهل الدين الذين عاشوا آلامالمسلمين وأحزنهم غياب سُنة النبىّ (صلّىالله عليه وآله)، وكانوا يستهدفون القضاءعلى النظام الملكي وإعادة الحكومةالإسلامية كما كانت في عصر الخلفاءالسابقين على الأقل. ب ـ السياسيون المحترفون اللاهثون وراءالسلطة الذين كانوا يرومون وضع حدّ لتحكّمالشام بالعراق. وفي الأيام التي كان العراق فيها يغصّبالأحداث الخطيرة كان للأجواء في الشامطابع آخر. كان يزيد في قرية حوارين(1) عندما هلكوالده معاوية، فعاد بمساعي والي الشام«الضحّاك بن قيس» إلى دمشق ليعلن نفسهخليفة للمسلمين، وأسرع إلى محاولة تبديدمخاوفه من الأشخاص الذين سيعارضونه، فكتبفي الأيام الاُولى من خلافته رسالة إلىحاكم المدينة طلب منه فيها أن يأخذ البيعةله من الحسين بن علىّ (عليه السلام) وعبدالله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وكانواضحاً من البداية أنّ الحسين (عليهالسلام) لن يبايع يزيد، واعتبر ابن الزبيرنفسه خليفة، إلاّ أنّ الناس تجاهلوه، ولميكن لابن عمر أيّ دور في الأوضاع، فلنتحقّق بيعته أو عدمها أيّ ضرر بخلافةيزيد، من هنا فإنّ يزيد لا يخشى إلاّ
(1) قرية تقع بين تدمر ودمشق.الحسين بن علىّ (عليه السلام) ويتعجّل أنيتبيّن موقفه. وفي تلك الفترة كان من الطبيعي أن يختارالعراق ـ الذي كان يتحيّن الفرص ـ ابن بنتالنبىّ (صلّى الله عليه وآله) قائداً لهليحقّق أهداف المؤمنين المخلصينوالسياسيين المحترفين في آن واحد،باعتباره الشخص الوحيد الذي يمكنه إحياءسنّة النبىّ (صلّى الله عليه وآله) والقضاءعلى البدع، وأنّه الوحيد القادر علىاستقطاب قلوب الناس بشرافة نسبه وجلالةقدره وكرامة نفسه وتقواه، وهو الأشدّرفضاً للظلم، ولهذا السبب رفض مبايعةيزيد. ومن هنا تشكّلت المجالس وانعقدت الجماعاتفي الكوفة فكانت النتيجة أن وُجّهت الدعوةإلى الحسين بن عليّ ابن بنت النبىّ (صلّىالله عليه وآله) في الحجاز لينتقل إلىالعراق، وتضمّنت الدعوة المؤكدة بأنّ أهلالكوفة على اُهبة الاستعداد لقتالالأمويّين الذين غصبوا الحكم تحت رايةالحسين (عليه السلام). وقد بعث الحسين (عليه السلام) ابن عمّهمسلم بن عقيل إلى الكوفة ومعه إجاباتالإمام الحسين (عليه السلام) على رسائلالكوفيين. وقد التف الكوفيّون حول ابنعقيل ورحّبوا به وأكّدوا له مرّةً اُخرىاستعدادهم لخوض الحرب ضدّ طُغاة الشام تحتقيادة الحسين، فأرسل إلى الحسين (عليهالسلام) رسالة أوضح فيها أنّ في الكوفة مئةألف رجل يتعهّدون بمناصرة الإمام مشدّداًعلى ضرورة إسراع الإمام في التحرّك إلىالعراق. والمدهش أنّ رسائل بعثت في تلك الأيام منالكوفة إلى الشام تؤكّد ليزيد أنّه إذاأراد الكوفة فإنّ عليه أن يبعث عليهاحاكماً مقتدراً، لأنّ حاكمها النعمان بنبشير أظهر ضعفاً في تعاطيه مع الأحداث.وقد تباحث يزيد في هذا الأمر مع مستشارهالرومي السيرجون، الذي أشار عليه بتعيينعبيد الله بن زياد حاكماً على الكوفة،وبوصول ابن زياد الى الكوفة تخلّى أهلهاعن مسلم، وأتاحوا لابن زياد قتله معمضيّفه هانئ بن عروة، ومن جهة اُخرى كانالإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)وعدد من أنصاره في الطريق إلى العراق،والإمام زين العابدين (عليه السلام) يرافقوالده في كل هذه الظروف العصيبة حتى وصلواالعراق(1). النصّ على إمامة زين العابدين (عليهالسلام)لقد نصّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)على إمامة اثني عشر إماماً من أهل بيتهالأطهار، وعيّنَهم بذكر أسمائهموأوصافهم، كما هو المعروف من حديث الصحابيجابر بن عبدالله الأنصاري وغيره عندالعامّة والخاصّة(2). كما نصّ كلّ إمام معصوم على الإمام الذييليه قبل استشهاده في مواطن عديدة بمايتناسب مع ظروف عصره، وقد كان النصّ يكتبويودع عند أحد سرّاً، ويجعل طلبه دليلاًعلى الاستحقاق، ونلاحظ تكرّر هذه الظاهرةفي حياة أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)بالنسبة لابنه زين العابدين (عليه السلام)تارة في المدينة واُخرى في كربلاء قبيلاستشهاده. وممّا روي من النصّ على إمامة ولده (عليهالسلام) ما رواه الطوسي، عن أبي جعفرالباقر (عليه السلام): أنّ الحسين لمّا خرجالى العراق دفع الى اُمّ سلمة زوجة
(1) اقرأ أخبار هذه الأحداث مسندة موثقة في:وقعة الطف لأبي مخنف: 70 ـ 141، تحقيق محمدهادي اليوسفي الغروي. (2) راجع: منتخب الأثر: 97، الباب الثامن،والإرشاد وإعلام الورى بأعلام الهدى: 2/181،182، النصوص على الأئمة الاثنا عشر، قادتنا:5/14، وإثبات الهداة بالنصوص والمعجزات:2/285، النصوص العامة على الأئمة، وإحقاقالحقّ وملحقاته ج1 ـ 25.النبىّ (صلّى الله عليه وآله) الوصيّةوالكتب وغير ذلك وقال لها: «إذا أتاك أكبروُلدي فادفعي إليه ما قد دفعتُ إليك». فلماقُتل الحسين (عليه السلام) أتى عليّ بنالحسين (عليه السلام) أُمّ سلمة فدفعت إليهكلّ شيء أعطاها الحسين (عليه السلام). وفي نصٍّ آخر: أنّه (عليه السلام) جعلطلبها منها علامة على إمامة الطالب لها منالأنام فَطلبها زين العابدين (عليهالسلام) (1). وروى الكليني عن أبي الجارود عن الإمامالباقر (عليه السلام): أنّ الحسين (عليهالسلام) لمّا حضره الذي حضره دعا ابنتهفاطمة الكبرى فدفع إليها كتاباً ملفوفاًووصيّة ظاهرة، وكان عليّ بن الحسين (عليهالسلام) مريضاً لا يرون أنّه يبقى بعده،فلمّا قُتل الحسين (عليه السلام) ورجع أهلبيته الى المدينة دفعت فاطمة الكتاب الىعليّ بن الحسين (عليه السلام) (2). وسوف نلاحظ في احتجاج الإمام (عليهالسلام) مع عمّه محمد بن الحنفيّة أنّه قالله: «إنّ أبي صلوات الله عليه أوصى إليّقبل أن يتوجّه الى العراق وعهد إليّ في ذلكقبل أن يستشهد بساعة»(3). الإمام زين العابدين (عليه السلام) يومعاشوراءإنّ أشدّ ما كان يحزّ في نفوس أهل بيتالرسالة ومحبّيهم ما رواه حميد ابن مسلم،وهو شاهد عيان بعد ظهر اليوم العاشر منالمحرّم إثر استشهاد
(1) الكافي: 1 / 242 / 3، والغيبة للطوسي: 118الحديث 148، واثبات الهداة: 5 / 214 ـ 216. (2) الكافي: 1 / 241 / 1، واثبات الوصيّة: 142،وإعلام الورى: 1 / 482 ـ 483. (3) الاحتجاج: 2 / 147، احتجاجات الإمام زينالعابدين (عليه السلام).الإمام الحسين (عليه السلام) إذ قال: لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهلهتنازع ثوبها من ظهرها حتى تغلب عليهفيُذهب به منها. ثمّ انتهينا إلى عليّ بن الحسين (عليهالسلام) وهو منبسط على فراش وهوشديدالمرض، ومع شمر جماعة من الرجّالة، فقالواله: ألا تقتل هذاالعليل؟ فقلت: سبحان اللهأيقتل الصبيان؟! إنّما هذا صبيٌ وإنّه لمابه، فلمأزل حتى دفعتهم عنه. وجاء عمر بن سعد فصاحت النساء في وجههوبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكمبيوت هؤلاء النسوة ولا تتعرّضوا لهذاالغلام المريض... من أخذ من متاعهنّ شيئاًفليردّه عليهن، فوالله ما ردّ أحد منهمشيئاً(1). وهكذا شارك الإمام زين العابدين (عليهالسلام) أباه الحسين السبط (عليه السلام)في جهاده ضد الطغاة ولكنه لم يرزق الشهادةمع أبيه والأبرار من أهل بيته وأصحابه،فإنّ الله سبحانه كان قد حفظه ليتولّىقيادة الاُمّة بعد أبيه (عليه السلام)ويقوم بالدور المعدّ له لصيانة رسالة جده(صلّى الله عليه وآله) من أيدي العتاةالعابثين وانتحال الضالّين المبطلين ومنالتيارات الوافدة على حضيرة الإسلام التيأخذت رقعتها بالاتّساع والانتشار السريع.
فيه فصول: الفصل الأول: الإمام زين العابدين (عليهالسلام) من كربلاء إلى المدينة الفصل الثاني: الإمام زين العابدين (عليهالسلام) في المدينة الفصل الثالث: استشهاد الإمام زينالعابدين (عليه السلام)
الإمام زين العابدين (عليه السلام) منكربلاء الى المدينة
الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعدملحمة عاشوراء:
ذكر المؤرّخون عن شاهد عيان أنّه قال:قدمت الكوفة في المحرّم من سنة احدىوستّين، منصرف عليّ بن الحسين (عليهالسلام) بالنسوة من كربلاء ومعه الأجناديحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر اليهم،فلمّا اُقبل بهم على الجمال بغير وطاء جعلنساء الكوفة يبكين، ويلتدِمنَ(1)، فسمعتعليّ بن الحسين وهو يقول بصوت ضئيل وقدنهكته العلّة وفي عنقه الجامعة ويدهمغلولة إلى عنقه: «إنّ هؤلاء النسوة يبكينفمن قتلنا؟!»(2). وعندما أدخلوا الإمام السجاد (عليهالسلام) على ابن زياد سأله من أنت؟ فقال:«أنا عليّ بن الحسين»، فقال له: أليس قدقتل الله عليّ بن الحسين؟ فقال علىّ (عليهالسلام): «قد كان لي أخ يسمّى عليّاً قتلهالناس، فقال ابن زياد: بل الله قتله، فقالعليّ بن الحسين (عليه السلام): (الله يتوفّىالأنفس حين موتها)، فغضب ابن زياد وقال:وبك جرأة لجوابي وفيك بقية للردّ عليّ؟!اذهبوا به فاضربوا عنقه(3).
(1) التدمت المرأة: ضربت صدرها في النياحة،وقيل: ضربت وجهها في المآتم. (2) الأمالي للطوسي: 91. (3) الإرشاد للمفيد: 244، ووقعة الطف: 262، 263.فتعلّقت به عمّته زينب وقالت: ياابن زياد،حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: لا واللهلا اُفارقه فإن قتلته فاقتلني معه، فقاللها علىّ (عليه السلام): اسكتي يا عمّة حتىاُكلّمه، ثمّ أقبل عليه فقال: أبالقتلتهدّدني ياابن زياد؟ أما علمت أن القتللنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة؟ ثمّأمر ابن زياد بعلي بن الحسين (عليه السلام)وأهل بيته فحملوا إلى دار بجنب المسجدالأعظم، ولمّا أصبح ابن زياد أمر برأسالحسين (عليه السلام) فطيف به في سككالكوفة كلّها وقبائلها، ولمّا فرغ القوممن الطواف به في الكوفة ردّوه إلى بابالقصر(1). ثمّ إنّ ابن زياد نصب الرؤوس كلّهابالكوفة على الخشب، كما أنّه كان قد نصبرأس مسلم بن عقيل من قبل بالكوفة. وكتب ابن زياد إلى يزيد يخبره بقتل الحسين(عليه السلام) وخبر أهل بيته(2). كما بعث إلىعمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة ـ وهومن بني اُمية ـ يخبره بقتل الحسين (عليهالسلام). ولمّا وصل كتاب ابن زياد إلى الشام أمرهيزيد بحمل رأس الحسين (عليه السلام) ورؤوسمن قتل معه إليه، فأمر ابن زياد بنساءالحسين (عليه السلام) وصبيانه فجُهِّزوا،وأمر بعليّ بن الحسين (عليهما السلام)فغُلّ بغِلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم فيأثر الرؤوس مع مجفر بن ثعلبة العائذي وشمربن ذي الجوشن، وحملهم على الأقتاب، وساروابهم كما يسار بسبايا الكفار، فانطلقوا بهمحتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس، فلميكلّم عليّ بن الحسين (عليه السلام) أحداًمنهم في الطريق بكلمة حتى بلغوا الشام(3).
(1) مقتل الخوارزمي: 2/43 مرسلاً، واللهوفعلى قتلى الطفوف: 145. (2) الكامل في التاريخ للجزري: 4/83، وإنّأوّل رأس حمل في الإسلام هو رأس عمر بنالحِمق الخزاعي الى معاوية. (3) عن طبقات ابن سعد في ذيل تاريخ دمشقترجمة الإمام الحسين (عليه السلام): 131،وأنساب الأشراف: 214، والطبري: 5/460 و 463،والإرشاد: 2/119 واللفظ للأخير.
سبايا آل البيت (عليهم السلام) في دمشق
خضعت الشام منذ فتحها بأيدي المسلمينلحكّام مثل خالد بن الوليد ومعاوية بن أبيسفيان، فلم يشاهد الشاميّون النبىّ (صلّىالله عليه وآله) ولم يسمعوا حديثه الشريفمنه مباشرةً، ولم يطّلعوا على سيرة أصحابهعن كثب، أمّا النفر القليل من صحابة رسولالله (صلّى الله عليه وآله) الذين انتقلواإلى الشام وأقاموا فيها فلم يكن لهم أثر فيالناس، فكانت النتيجة أنّ أهل الشاماعتبروا سلوك معاوية بن أبي سفيان وأصحابهسنّة للمسلمين، ولمّا كانت الشام خاضعةللإمبراطورية الرومية قروناً طويلة، فقدكانت حكومات العصر الإسلاميّ أفضل منسابقاتها بالنسبة للشاميّين. ومن هنا ليس أمراً عجيباً أن نقرأ في كتبالتأريخ أنّ شيخاً شامياً دنا من الإمامالسجاد (عليه السلام) عند دخول سبايا آلمحمّد (صلّى الله عليه وآله) الشام وقال له:الحمد الله الذي أهلككم وأمكن الأميرمنكم. فقال له الإمام (عليه السلام): يا شيخأقرأت القرآن؟ فقال الشيخ: بلى. فقال له الإمام (عليه السلام): أقرأت (قل لاأسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة فيالقربى)؟ فقال الشيخ: بلى. فقال له الإمام (عليه السلام): فنحنالقربى، يا شيخ! ثمّ قال له: فهل قرأت (وآتِ ذا القربىحقّه)؟ قال: قد قرأت ذلك. قال (عليه السلام): فنحن القربى يا شيخ،فهل قرأت هذه الآية: (واعلموا أنّما غنمتممن شيء فإنّ لله خمسه وللرسول ولذيالقربى)؟قال: نعم. قال الإمام (عليه السلام): نحن القربى. يا شيخ! هل قرأت (إنّما يريد الله ليذهبعنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)؟ قال الشيخ: بلى. قال له الإمام (عليه السلام): نحن أهلالبيت الذين اختصّنا الله بآية الطهارة. قال الشيخ: بالله إنّكم هم؟! قال الإمام (عليه السلام): تالله إنّا لنحنهم من غير شكٍّ وحقِّ جدِّنا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إنّا لنحن هم. فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثمّ رفع رأسه إلىالسماء وقال: اللهمّ إنّي أبرأ اليك منعدوّ آل محمّد(1). وذكر المؤرّخون أنّه لمّا قدم عليّ بنالحسين (عليه السلام) وقد قُتل الحسين بنعلىّ (عليه السلام) استقبله ابراهيم بنطلحة بن عبيد الله وقال: يا عليّ بنالحسين، من غلب؟ وهو مغطٍّ رأسه وهو فيالمحمل، فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردتأن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذّن ثمّأقم(2). لقد كان جواب عليّ بن الحسين (عليه السلام)أنّ الصراع إنّما هو على الأذان وتكبيرالله تعالى والإقرار بوحدانيّته وليس علىرئاسة بني هاشم، وأنّ استشهاد الحسينوالصفوة من أهل بيته وأصحابه هو سبب بقاءالإسلام المحمّدي وثباته أمام جاهلية بنياُميّة ومن حذا حذوهم ممّن لم يذوقواحلاوة الإيمان والإسلام.
(1) مقتل الخوارزمي 2: 61، واللهوف على قتلىالطفوف: 100، ومقتل المقرم: 449 عن تفسير ابنكثير والآلوسي. (2) أمالي الطوسي: 677.الإمام (عليه السلام) في مجلس يزيداُدخل رأس الحسين (عليه السلام) ونساؤهومن تخلّف من أهله على يزيد وهم مقرّنون فيالحبال وزين العابدين (عليه السلام)مغلول، فلمّا وقفوا بين يديه على تلكالحال تمثّل يزيد بشعر حصين بن حمامالمرّي قائلاً: ·نفلِّقُ هاماً من رجال أعزّة علينا وهمكانوا أعقَّ وأظلما(1) ·علينا وهمكانوا أعقَّ وأظلما(1) علينا وهمكانوا أعقَّ وأظلما(1) فردّ عليه الإمام عليّ بن الحسين (عليهالسلام) بقوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة فيالأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبلأن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير * لكيلاتأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكموالله لا يحبّ كلَّ مختال فخور) (2). وتميّز يزيد غضباً، فتلا قوله تعالى: (ماأصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفواعن كثير) (3). وينقل المؤرّخون عن فاطمة بنت الحسين(عليه السلام) قولها: فلمّا جلسنا بين يدييزيد رقّ لنا فقام إليه رجل من أهل الشامأحمر، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذهالجارية ـ يعنيني ـ فأرعدت وظننت أنّ ذلكجائز لهم فأخذت بثياب عمّتي زينب وكانتتعلم أنّ ذلك لا يكون. فقالت عمّتي للشامي: كذبت والله ولؤمتوالله، ما ذاك لك ولا له! فغضب يزيد وقال: كذبت إنّ ذلك لي ولو شئتأن أفعل لفعلت! قالت: كلاّ والله ما جعل الله لك ذلك إلاّأن تخرج من ملتنا وتدين بغيرها، فاستطاريزيد غضباً، وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟إنّما خرج من الدين
(1) الارشاد: 2/119 و 120، ووقعة الطف لأبي مخنف:168 و 271، والعقد الفريد: 5 / 124. (2) الحديد (57): 22 ـ 23. (3) الشورى (42): 30.أبوك وأخوك! قالت: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديتأنت وجدّك وأبوك إن كُنت مسلماً، قال:كذبتِ يا عدوّة الله! قالت: أنت أمير تشتم ظالماً وتقهربسلطانك، فكأنّه استحيى وسكت. فعاد الشاميّ فقال: هب لي هذه الجارية،فقال يزيد: اعزب، وهب الله لك حتفاًقاضياً(1). ويبدو أنّ اعتماد يزيد لهجة أقلّ قسوةوشراسة من لهجة ابن زيادفي الكوفة يعودإلى أنّ الأخير كان يريد أن يدلّل علىإخلاصه لسيّده،بينما لا يحتاج يزيد ذلك،ولعلّ يزيد أدرك أنّه قد ارتكب خطأًكبيراً فيقتله الحسين (عليه السلام) وسبيهأهل بيت النبوّة، من هنا فإنّه أرادتخفيفمشاعر السخط تجاهه. وفي تلك الأيام أوعز يزيد إلى خطيب دمشقأن يصعد المنبر ويبالغ في ذمّ الحسينوأبيه (عليهما السلام) فانبرى اليه الإمامزين العابدين (عليه السلام) فصاح به: «ويلك أيّها الخاطب، إشتريت رضاء المخلوقبسخط الخالق فتبوّأ مقعدكمن النار». واتّجه الإمام نحو يزيد فقال له: «أتأذنلي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلماتفيهنّ لله رضىً، ولهؤلاء الجالسين أجرٌوثواب...». وبهت الحاضرون وعجبوا من هذا الفتىالعليل الذي ردّ علىالخطيب والأمير وهوأسير، فرفض يزيد إجابته، وألحّ عليهالجالسونبالسماح له فلم يجد بُدّاً منإجابتهم فسمح له، واعتلى الإمام أعوادالمنبر،
(1) الإرشاد: 2/121، ووقعة الطف لأبي مخنف: 271،272.وكان من جملة ما قاله: «أيّها الناس، اُعطينا ستاً، وفُضِّلنابسبع: اُعطينا العلم والحلم والسماحةوالفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوبالمؤمنين، وفُضِّلنا بأن منّا النبيّالمختار محمّداً (صلّى الله عليه وآله)ومنّا الصِّدِّيق ومنّا الطيّار ومنّاأسد الله وأسد الرسول (صلّى الله عليهوآله) ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمةالبتول، ومنّا سبطا هذه الاُمّة وسيّداشباب أهل الجنّة». وبعد هذه المقدّمة التعريفية لاُسرته أخذ(عليه السلام) في بيان فضائلهم، قائلاً:«فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفنيأنبأته بحسبي ونسبي. أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا،أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أناابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير منانتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى،أنا ابن خير من حجّ ولبّى، أنا ابن من حُملعلى البراق في الهواء، أنا ابن من اُسري بهمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرئيلإلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّىفكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّىبملائكة السماء، أنا ابن من أوحى اليهالجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى،أنا ابن علىّ المرتضى، أنا ابن من ضربخراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلاّ الله. أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (صلّىالله عليه وآله) بسيفين، وطعن برمحين،وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتلببدر وحُنين، ولم يكفر بالله طرفة عين. أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيّين،وقاطع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونورالمجاهدين، وزين العابدين، وتاجالبكّائين، وأصبر الصابرين، وأفضلالقائمين من آل ياسين ورسول ربّ العالمين. أنا ابن المؤيّد بجبرئيل، المنصوربميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرمالمسلمين وقاتل الناكثين والقاسطينوالمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين،وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأوّل منأجاب واستجاب لله من المؤمنين، وأقدمالسابقين، وقاصمالمعتدين، ومبير المشركين، وسهم من مراميالله، وبستان حكمة الله،... ذاك جدّي عليّبن أبي طالب. أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدةالنساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابنبضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أناابن المرمّل بالدماء، أنا ابن ذبيحكربلاء، أنا ابن من بكى عليه الجنّ فيالظلماء، وناحت عليه الطير في الهواء». ولم يزل الإمام يقول: أنا أنا حتى ضجّالناس بالبكاء، وخشي يزيد من وقوع الفتنةوحدوث ما لا تحمد عقباه، فقد أوجد خطابالإمام انقلاباً فكرياً إذ عرّف الإمامنفسه لأهل الشام وأحاطهم علماً بما كانوايجهلون. فأوعز يزيد إلى المؤذّن أن يؤذّن ليقطععلى الإمام كلامه، فصاح المؤذن «اللهأكبر» فالتفت إليه الامام فقال له: «كبّرتكبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس، لا شيءأكبر من الله»، فلمّا قال المؤذّن: أشهد أنلا إله إلاّ الله قال الإمام (عليه السلام):«شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ومخيوعظمي»، ولمّاقال المؤذّن: أشهد أنّمحمداً رسول الله التفت الإمام إلى يزيدفقال له: «يا يزيد! محمّد هذا جدّي أم جدّك؟فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت:أنـّه جدّي فلمَ قتلت عترته(1)»؟! ووجم يزيد ولم يجر جواباً، فإنّ الرسولالعظيم (صلّى الله عليه وآله) هو جدّ سيّدالعابدين، وأمّا جدّ يزيد فهوأبو سفيانالعدوّ الأوّل للنبىّ (صلّى الله عليهوآله)، وتبيّن لأهل الشام أنّهم غارقون فيالإثم، وأنّ الحكم الاُمويّ قد جهد فيإغوائهم وإضلالهم، وتبيّن بوضوح أنّالحقد الشخصيّ وغياب النضج السياسيّ هماالسببان لعدم
(1) نفس المهموم: 448 ـ 452 ط قم عن مناقب آل أبيطالب: 4/181 عن كتاب الأحمر عن الأوزاعي:الخطبة بدون المقدمة. والمقدمة عن الكاملللبهائي: 2/299 ـ 302، وانظر حياة الإمام زينالعابدين للقرشي: 175 ـ 177.إدراك يزيد عمق ثورة الإمام الحسين (عليهالسلام) ممّا أدّى إلى توهّمه بأنّها لنتؤدّيَ إلى نتائج خطيرة على حكمه. ولعلّ أكبر شاهد على هذا التوهّم هو رسالةيزيد في بدايات تسلّمه الحكم لواليه علىالمدينة والتي أمره فيها بأخذ البيعة منالحسين (عليه السلام) أو قتله وبعث رأسهإلى دمشق إن رفض البيعة. وفي سياق الحديث عن حسابات يزيد الخاطئةنُشير أيضاً إلى عملية نقل أسرى أهل البيت(عليهم السلام) إلى الكوفة، ومن ثمّ إلىالشام، وما تخلّل ذلك من ممارسات إرهابيةعكست نزعته الإجرامية، ولم يلتفت يزيد إلىخطورة الجريمة التي ارتكبها إلاّ بعد أنتدفّقت عليه التقارير التي تتحدّث عن ردودالفعل والاحتجاجات على قتله ريحانة رسولالله (صلّى الله عليه وآله)، ولذلك حاول أنيلقي مسؤولية الجريمة البشعة على ابنمرجانة، قائلاً للإمام السجاد (عليهالسلام): لعن الله ابن مرجانة، أما واللهلو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداًإلاّ أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنهبكلّ ما استطعت، ولكن الله قضى الله مارأيت، كاتبني من المدينة وأ نْهِ كلًّحاجة تكون لك(1). والتقى الإمام السجاد (عليه السلام) خلالوجوده في الشام بالمنهال بن عمرو، فبادرهقائلاً: كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟ فرمقهالإمام بطرفه وقال له: «أمسينا كمَثَل بنيإسرائيل في آل فرعون، يذبّحون أبناءهم،ويستحيون نساءهم، أمست العرب تفتخر علىالعجم بأنّ محمّداً منها، وأمست قريشتفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها،وأمسينا أهل بيته مقتولين مشرّدين، فإنّالله وإنّا إليه راجعون»(2).
(1) تاريخ الطبري: 5 / 462، والارشاد: 2/122. (2) اللهوف في قتلى الطفوف: 85 مرسلاً ورواهابن سعد في الطبقات مسنداً عن المنهال بنعمرو الكوفي في الكوفة وليس الشام، والخبرأكثر من هذا وإنّما هذا مختصر الخبر.وعهد يزيد إلى النعمان بن بشير أن يصاحبودائع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)وعقائل الرسالة فيردَّهنّ إلى يثرب(1) وأمربإخراجهنّ ليلاً خوفاً من الفتنة واضطرابالأوضاع(2). * * *
(1) الطبري: 5/462، والارشاد: 2/122 وعنهما فيوقعة الطف لأبي مخنف: 272. (2) عن تفسير المطالب في أمالي أبي طالب: 93،والحدائق الوردية: 1 / 133.الإمام زين العابدين (عليه السلام) فيالمدينةبدأت ردود الفعل على مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) بالظهور مع دخول سبايا أهلالبيت (عليهم السلام) إلى الكوفة. فبالرغممن القمع والإرهاب اللذين مارسهما ابنزياد مع كلّ من كان يبدي أدنى معارضةليزيد، فإنّ أصواتاً بدأت ترتفع محتجّةًعلى الظلم السائد. فعندما صعد ابن زياد المنبر وأثنى علىيزيد وحزبه وأساء إلى الحسين (عليه السلام)وأهل بيت الرسالة «قام إليه عبد الله بنعفيف الأزدي وقال له: يا عدوّ الله إنّالكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه يابنمرجانة، تقتل أولاد النبيّين وتقوم علىالمنبر مقام الصدّيقين؟! فقال ابن زياد: عليّ به، فأخذته الجلاوزةفنادى بشعار الأزد، فاجتمع منهم سبعمائةفانتزعوه من الجلاوزة، فلمّا كان الليلأرسل إليه ابن زياد من أخرجه من بيته فضربعنقه وصلبه»(1)، ومع أنّ هذه المواجهةانتهت لصالح ابن زياد لكنّها كانت مقدّمةلاعتراضات اُخرى. وظهرت في الشام أيضاً بوادر السخطوالاستياء، الأمر الذي جعل يزيد ينحوباللائمة في قتل الحسين (عليه السلام) علىابن زياد، إلاّ أنّ أشدّ ردود الفعل كانتتلك التي برزت في الحجاز، فقد انتقل عبدالله بن الزبير إلى مكة في الأيّامالاُولى من حكومة يزيد، واتّخذها قاعدةلمعارضته للشام، وقام بتوظيف
(1) الإرشاد: 2/117 وعنه في وقعة الطف لأبيمخنف: 265، 266.فاجعة كربلاء للتنديد بنظام يزيد، وألقىخطاباً وصف فيه العراقيّين بعدم الوفاء،وأثنى على الحسين بن علىّ (عليه السلام)ووصفه بالتقوى والعبادة. وفي المدينة ألقى الإمام زين العابدين(عليه السلام) خطاباً في أهلها لدى عودتهمن الشام والعراق، يقول المؤرّخون: إنّالإمام (عليه السلام) جمع الناس خارجالمدينة قبل دخوله اليها، وخطب فيهمقائلاً: «الحمد لله ربّ العالمين مالك يوم الدينبارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفعفي السماوات العُلى، وقَرُب فشهد النجوى،نحمده على عظائم الاُمور، وفجائع الدهور،ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيمالمصائب الفاظعة الكاظّة الفادحةالجائحة. أيّها القوم، إنّ الله ـ وله الحمد ـابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلامعظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسين (عليهالسلام) وسُبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسهفي البلدان من فوق عامل السنان، وهذهالرزيّة التي لا مثلها رزيّة. أيّها الناس، فأيّ رجالات منكم يسرّونبعد قتله؟! أم أيّ فؤاد لا يحزن مِن أجله؟!أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عنانْهمالِها؟! فلقد بكت السبع الشدادلقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماواتبأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجاربأغصانها، والحيتان ولجج البحاروالملائكة المقرّبون وأهل السماواتأجمعون. يا أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟!أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه؟! أم أيّ سمع يسمعهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولايصمّ؟! أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدينمذودين وشاسعين عن الأمصار، كأ نّا أولادترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولامكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلامثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائناالأوّلين، إنْ هذا إلاّ اختلاق. والله، لو أنّ النبيّ تقدّم اليهم فيقتالنا كما تقدم اليهم في الوصاية بنا لمازادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّاإليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأوجعهاوأفجعها وأكظّهاوأفظعها وأمرّها وأفدحها! فعند اللهنحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا، فإنّه عزيزذو انتقام»(1). لقد جسّد هذا الخطاب ـ على قصره ـ واقعةكربلاء على حقيقتها مركّزاً علىالمظلومية التي لحقت بأهل البيت (عليهمالسلام) في قتل الحسين بن علىّ (عليهالسلام) من جانب، وأسرِ أهل بيته من جانبآخر، بالإضافة إلى المظلومية التي لحقتهمبعد واقعة الطفّ، إذ حملت رؤوس الشهداءبما فيهم سيّدهم الحسين (عليه السلام) فوقالأسنّة من بلد إلى بلد. وعقّب الإمام زين العابدين (عليه السلام)ـ بلمحة سريعة ومعبّرة ومؤثّرة ـ واصفاًما لقيه آل البيت من السبي والتشريدوالتعامل السيّء والمهين، وهم أهل بيتالوحي ومعدن الرسالة، وهم قادة أهلالإيمان وأبواب الخير والرحمة والهداية. وأنهى الإمام خطابه بوصف في منتهى الدقّةعن عظمة الجرائم التي ارتكبها جيش السلطةالاُموية في حقّ أهل البيت (عليهم السلام)،فإن الرسول (صلّى الله عليه وآله) لو كانيأمر هؤلاء بالتمثيل بأهل البيت وتعذيبهم;لما كانوا يزيدون على ما فعلوا، فكيف بهموقد نهاهم عن التمثيل حتى بالكلب العقور؟!وكيف يمكن توجيه كلّ ما فعلوه وقد أوصاهمالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) بحفظه فيعترته، ولم يطالبهم بأجر للرسالة سوىالمودّة في قرباه؟! فالإمام زين العابدين (عليه السلام) حاولفي خطابه هذا تكريس مظلومية أهل البيتلاستنهاض الروح الثورية في أهل المدينة،وتحريك الوعي النهضوي ضدّ الظلم والجبروتالاُموي والطغيان السفياني. ولم تكن الأوضاع هادئة في المدينة في هذهالسنة التي كانت تحت
(1) اللهوف: 116، بحار الأنوار: 45 / 148 ـ 149.إدارة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأوضحشاهد على اضطراب الأوضاع في المدينة هواستبدال ثلاثة ولاة خلال عامين، واستبدليزيد الوليد بن عتبة بعثمان بن محمد بن أبيسفيان(1). وأراد عثمان أن يدلّل على كفاءته في إدارةالمدينة ويكسب رضا وجوهها عن يزيد وعنهفأرسل وفداً من أبناء المهاجرين والأنصارإلى دمشق، ليشاهدوا الخليفة الشابّ عن كثبوينالوا نصيبهم من هداياه، إلاّ أن الوفدرأى في سلوك يزيد ما يشين ويقبح. ولما رجعوا إلى المدينة أظهروا شتم يزيدوعيبه، وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس لهدين، يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، وتعزفعنده القِيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عندهالحراب ـ وهم اللصوص ـ وإنّا نشهدكم أنّاقد خلعناه. وقال عبد الله بن حنظلة: لو لم أجد إلاّبنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطانيوأكرمني وما قبلت عطاءه إلاّ لأتقوّى به. فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلةالغسيل على خلع يزيدوولّوه عليهم(2). ثورة أهل المدينةإنّ نقد الوفد المدني ليزيد لم يكن هوالدليل الوحيد عند أهل المدينة على انحرافيزيد وتنكّره للإسلام وجوره وطغيانه، بلإنّهم كانوا قد لمسوا جور يزيد وعمّالهعلى البلدان الإسلامية وفسقهم وشدّةبطشهم واستهتارهم
(1) تأريخ الطبري: 5 / 479، 480. (2) الطبري: 5 / 480 وعنه في الكامل في التأريخ:4 / 103.بالحرمات الإلهية التي لا مجال لتأويلها،إذ كيف يمكن تأويل ما ارتكبه من القتلالفظيع في حقّ الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) ريحانة الرسول وسيّد شبابأهل الجنة وما اقترفه من السبي لأهلهوحُرَمه؟ وكيف يمكن تأويل ما أظهره منشربه للخمور التي حرّمها الله بالنصّالصريح؟! هذا، فضلاً عن حقد الاُمويين علىالأنصار، والذي لم يتردّد الاُمويّون فيإظهاره لهم، ومن هنا لم يتلكّأ أهلالمدينة في اخراج عامل يزيد عليها،فحاصروا بني اُمية وأتباعهم، وكلّم مروانبن الحكم ـ وهو العدوّ اللدود لآل الرسول(صلّى الله عليه وآله) ـ الإمام زينالعابدين (عليه السلام) في منح الأمان له،فاستجاب الإمام (عليه السلام) لهذا الطلبتكرّماً(1) وإغضاءً عن كلّ ما ارتكبه هذاالعدوّ في حقّ أهل البيت (عليهم السلام)،في دفن الإمام الحسن (عليه السلام) وفيالضغط على الإمام الحسين (عليه السلام) منأجل أخذ البيعة ليزيد. ولمّا بلغ أمر الثورة إلى مسامع يزيد أرسلمسلم بن عقبة ليقضي على ثورة أهل المدينة ـوهي مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)ومهبط وحي الله ـ وزوّده بتعليمات خاصّةتجاههم قائلاً له: اُدع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلاّفقاتلهم، فإذا ظهرتَ عليهم فأبحها ـ أيالمدينة ـ ثلاثاً، فما فيها من مال أودابّة أو سلاح أو طعام فهو للجند(2). وأمرهُأن يُجهِز على جريحهم ويقتل مدبرهم(3). وصل جيش يزيد إلى المدينة، وبعد قتال عنيفمع أهلها استبسل فيه الثائرون دفاعاً عندينهم، واستشهد أغلب المدافعين بمن فيهمعبد الله بن
(1) تأريخ الطبري: 4 /485، والكامل في التأريخ:4 / 113. (2) الطبري: 5 / 484 وعنه في الكامل. (3) التنبيه والاشراف: 263 ط. القاهرة.حنظلة ومجموعة من صحابة رسول الله (صلّىالله عليه وآله) ونفّذ قائد الجيش أوامرسيّده يزيد، وأوعز إلى جنوده باستباحةالمدينة، فهجم الجند على البيوت وقتلواالأطفال والنساء والشيوخ، كما أسرواآخرين. قال المؤرّخ ابن كثير: أباح مسلم بن عقبة ـالذي يقول فيه السلف (مسرف بن عقبة) قبّحهالله من شيخ سوء ما أجهله ـ المدينة ثلاثةأيام كما أمره يزيد ـ لا جزاه الله خيراً ـوقتل خلقاً من أشرافها وقرّائها، وانتهبأموالاً كثيرة منها... وجاءته امرأة فقالت:أنا مولاتك وابني في الاُسارى، فقال:عجّلوه لها، فضرب عنقه، وقال: اُعطوهارأسه، ووقعوا على النساء حتى قيل: إنّهحبلت ألف أمرأة في تلك الأيام من غير زوج. قال المدائني، عن هشام بن حسان: ولدت ألفامرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرّة منغير زوج. وروي عن الزهري أنّه قال: كانالقتلى يوم الحرّة سبعمائة من وجوه الناسمن المهاجرين والأنصار، ووجوه المواليممّن لا أعرف من حرٍّ وعبد وغيرهم عشرةآلاف(1). وحدث مرةً أن دخلت الجيوش الشامية أحدالبيوت، فلمّا لم يجدوا فيه إلاّ امرأةوطفلاً سألوها إن كان في البيت شيءينهبونه، فقالت: إنّه ليس لديها مال،فأخذوا طفلها وضربوا رأسه بالحائط فقتلوهبعد أن انتثر دماغه من أثر الضرببالحائط(2). ثمّ نصب كرسيّ لمسلم بن عقبة، وجيءبالاُسارى من أهل المدينة فكان يطلب منكلّ واحد منهم أن يبايع ويقول: إنّني عبدمملوك ليزيد بن
(1) البداية والنهاية: 8 / 220، وتأريخالخلفاء: 233. أمّا الطبري فلم يذكر إلاّإباحة القتال والأموال ثلاثة أيام: 5/491وترك ذكر الفروج وتبعه الجزري في الكامل. (2) تاريخ ابن عساكر: 10 / 13، المحاسنوالمساوئ: 1 / 104.معاوية يتحكّم فيّ وفي دمي وفي مالي وفيأهلي ما يشاء(1). وكلّ من كان يمتنع ولم يبايع بالعبوديةليزيد وكان يصرّ على القول بأنّه عبدٌ للهـ سبحانه وتعالى ـ كان مصيره القتل(2). وجيء له بيزيد بن عبد الله ـ وجدّته اُمّسلمة زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله)ـمع محمد بن حذيفة العدوي، فطلب اليهما أنيبايعا، فقالا: نحن نبايععلى كتاب اللهوسنّة نبيّه، فقال مسلم: لا والله لااُقيلكم هذا أبداً،فقدّمهما فضربأعناقهما. فقال مروان بن الحكم ـ وكان حاضراً ـ:سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أتياليؤمنا فضربت أعناقهما؟! فنخس مسلم مروانبالقضيب في خاصرته، ثمّ قال له: وأنت واللهلو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلاّبرقة. (أي لقُتِلْتَ) (3). ثمّ جيء بآخر فقال: إنّي اُبايع على سنّةعمر، فقال: اقتلوه، فقتل(4). واُتي بزين العابدين (عليه السلام) إلىمسلم بن عقبة، وهو مغتاظ عليه فتبرّأ منهومن آبائه. فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعدوقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلنيحوائجك، فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلىالسيف إلاّ شفّعه فيه، ثمّ انصرف عنه.
(1) تاريخ الطبري 5/493 و 495 وعنه في الكامل فيالتاريخ: 4/118 وفي مروج الذهب 3: 70، الكامل فيالتاريخ 4: 118، والبداية والنهاية 8: 222. وقد جاء في تاريخ اليعقوبي 2: 251: كان الرجلمن قريش يؤتى به فيقال: بايع على أنّك عبدقنّ ليزيد، فيقول: لا. فيضرب عنقه. (2) الكامل في التأريخ: 4 / 118، مروج الذهب: 3 /70. (3) تأريخ الطبري: 5 / 492 وعنه في الكامل فيالتاريخ: 4 / 118. (4) تأريخ الطبري: 5 / 493، الاخبار الطوال: 265.فقيل لعليّ بن الحسين (عليه السلام):رأيناك تحرّك شفتيك، فما الذي قلت؟ قال: «قلت: اللهمّ ربّ السماوات السبع وماأظللن، والأرضين السبع وما أقللن، ربّالعرش العظيم، ربّ محمّد وآله الطاهرين،أعوذ بك من شرّه، وأدرأ بك في نحره، أسألكأن تؤتيني خيره، وتكفيني شرّه». قيل لمسلم: رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه،فلمّا اُتي به إليك رفعت منزلته؟ فقال: ماكان ذلك لرأي منّي، لقد مُلئ قلبي منهرعباً، ولم يبايع الإمام (عليه السلام)ليزيد كما لم يبايع عليّ بن عبد الله بنالعباس، حيث امتنع بأخواله من كندة،فالحصين بن نمير نائب مسلم بن عقبة قال: لايبايع ابن اختنا إلاّ كبيعة علي بنالحسين(1). وذكر المؤرّخون: أنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) كفل في واقعةالحرّة أربعمئةامرأة من عبد مناف، وظلّ ينفق عليهنّ حتىخروججيش مسلم من المدينة(2). وجاء الحديث من غير وجه: أنّ مسرف بن عقبةلمّا قدم المدينة أرسل إلى عليّ بن الحسين(عليهما السلام) فأتاه، فلما صار إليهقرّبه وأكرمه وقال له: أوصاني أميرالمؤمنين ببرّك وتمييزك من غيرك...(3). وواضح أنّ البيعة إذا ما عرضت بشرطهاالاستعبادي على الإمام (عليه السلام)فإنّه سيستمرّ على نهجه الرافض، وأنّ معنىالرفض هنا إنّه يتضرّج بدمائه الزكية،وهذا يعني دخول صورة من صور النقمةالعارمة ضد الممارسات
(1) النظرية السياسية لدى الإمام زينالعابدين، محمود البغدادي: 273. المجمعالعالمي لأهل البيت (عليهم السلام) ـالطبعة الاولى سنة 1415هـ. (2) كشف الغمة: 2/319 عن نثر الدرر للآبي (ق 4هـ) عن ابن الأعرابي. (3) الإرشاد: 2/152.الاُموية القمعية التي سوف تزلزل أعمدةالكيان الحاكم. وبعد انتهاء الأيام الدامية على مدينةالرسول (صلّى الله عليه وآله) قال مسلم بنعقبة: اللّهمّ إنّي لم أعمل عملاً قط بعدشهادة لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبدهورسوله أحبّ إليّ من قتل أهل المدينة، ولاأرجى عندي في الآخرة(1). كان مسلم في تلك الأيام قد تجاوز التسعينمن عمره، أي انّه كان قريباً جداً من حتفهوقد هلك بُعيد وقعة الحرّة وقبل أن يصل إلىمكة، وكان من الذين لم يحملوا من الإسلامإلاّ اسمه، ووظّفوا ظاهر القرآن والحديثلتسويغ جرائمهم، فقد كان من المخلصينلمعاوية بن أبي سفيان، وفي صفّين كان يقودمعسكر معاوية بن أبي سفيان ضد الخليفةالشرعي للمسلمين، ألا وهو الإمام عليّ بنأبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) (2). ولعلّه لم يسمع حديث الرسول (صلّى اللهعليه وآله) الذي جاء فيه: «من أخاف أهلالمدينة أخافه الله، وعليه لعنة اللهوالملائكة والناس أجمعين»(3). ولعلّه قد سمع هذا الحديث، لكنّه لمّا وجدمن يعتبر نفسه خليفة للنبىّ (صلّى اللهعليه وآله) قد تجرّأ على قتل ابن بنتالنبىّ (صلّى الله عليه وآله) وسبي بناتهمن مدينةإلى اُخرى، دون أن يعترض عليهأحد، فمِمّ يخشى هو إن اعتدى علىمدينةالنبىّ (صلّى الله عليه وآله)؟! وبعد أن قمع بوحشيّة ثورة أهل المدينةوأجهض انتفاضتهم; توجّه مسلم إلى مكة التيأعلن فيها عبد الله بن الزبير ثورته علىالحكم الاُموي،
(1) تأريخ الطبري: 5 / 497 وعنه في الكامل فيالتاريخ: 4/123. (2) وقعة صفين: 206 و 213 وفي الإصابة: 3 / 493 ـ 494. (3) البداية والنهاية: 8 / 223، رواه عنالنسائي، وروى مثله عن أحمد بن حنبل. اُنظرأحاديث اُخرى عن هذا الموضوع في كنزالعمال، كتاب الفضائل الحديث 34886، ووفاءالوفاء: 90، وسفينة البحار: 8/38، 39 عن دعائمالإسلام.لكنّه لقي حتفه في الطريق، فتسلّم الحصينبن نمير قيادة الجيش الاُموي بناءً علىأوامر يزيد، وعندما وصل أطراف مكة فرضحصاراً عليها وضرب الكعبة بالمنجنيقوأحرقها(1). وفي الوقت الذي كانت فيه مكّة تحت حصارالجيش الاُموي لقي يزيد حتفه، فعقد قائدالجيش الاُموي ـ الذي لم يكن وقتذاك يعرفزعيمه الذي يقاتل معه ـ مفاوضات مع ابنالزبير أعرب له فيها عن استعداده لقبولبيعته شريطة أن يرافقه إلى الشام، إلاّأنّ ابن الزبير رفض الشرط، فعاد الحصينوجيشه إلى الشام.
انشقاق البيت الاُموي:
مات يزيد في ربيع الأول من سنة (64 هـ) وهوفي سنّ الثامنة والثلاثين من عمره فيحُوّارين، وكانت صحيفة أعماله في مدّةحكمه ـ الذي استمر ثلاث سنوات وبضعة أشهر ـمُسودّة بقتل ابن بنت النبيّ وأسر أهل بيتالوحي وحرائرالرسالة إلى جانب القتلالجماعي لأهل المدينة وهدم الكعبةالمشرّفة. وبعد موت يزيد بايع أهل الشام ولدهمعاوية، إلاّ أنّ حكمه لم يستمر أكثر منأربعين يوماً، إذ أعلن تنازله عن العرش،ومات بعدها في ظروف غامضة، فانشقّتالقيادات المؤيّدة لبني اُمية على نفسهاإلى كتلتين: كتلة أيّدت زعامة مروان بنالحكم، وقد مثّل هذا الاتجاه القبائلاليمانية بقيادة حسّان الكلبي، بينماأيّدت قوى القيسيّين بقيادة الضحّاك بنقيس الفهري،
(1) تأريخ الطبري: 5 / 498 وعنه في الكامل فيالتأريخ: 4 / 24 عن الكلبي عن عوانة بن الحكم،ثم روى أخباراً عن ابن عمر تحاول نسبةالحرق إلى أصحاب ابن الزبير خطأً، فيمحاولة لتبرير يزيد الشّرير.عبد الله بن الزبير. وإبّان خلافة يزيد القصيرة امتدّت; أيديالكلبييّن تدريجياً إلى مراكز السلطة،فمارسوا ضغوطاً شديدة علىالقيسييّن،الأمر الذي أزعج الضحّاككثيراً فانتهز الفرصة بعد موت يزيد ليبايعابن الزبير ـ وهو من العرب العدنانية ـواشتبك الكلبيّون والقيسيّون في «مرجراهط»(1) في معركة أسفرت عن انتصارالكلبيّين، فأصبح مروان بن الحكم خليفة،واستقرّت الأوضاع المضطربة في الشامنسبيّاً.
تزايد المعارضة للحكم الاُموي:
صعّد عبد الله بن الزبير معارضته للشامالتي بدأها بعد موت معاوية، حيث كان قد دعاالحجازييّن لمبايعته كخليفة للمسلمين،فاستجابت له الأكثرية الساحقة منهم، وشهدالعراق من جديد تحرّكات ضد الحكم الاُموي. ويبدو أنّ الذين دعو الإمام الحسين (عليهالسلام) إلى العراق عبر الرسائل المتواليةورحّبوا بممثّله اليهم ثمّ تخلّوا عنه وعنالحسين (عليه السلام) بتلك الصورة المخزيةندموا على موقفهم المُذلّ ذاك، لكن هلالذين تحرّكوا ضدّ الشام كانوا نادمينجميعاً؟ الجواب: كلاّ، فليس جميع الذين تحركوا بعدموت يزيد كانوا يحملون همّ الإسلام، فقدكان هناك من يريد إخضاع الشام للعراقوإعادة عاصمة الخلافة إلى العراق. وعلى أيّ حال، فقد أعلن المتديّنونوالسياسيّون معارضتهم ضد حكم
(1) منطقة في شرق دمشق.الشام، لكنّهم لم يحققوا شيئاً يذكر(1) علىصعيد إسقاط الحكم على المدى القريب، فقتلسليمان بن صرد قائد التوّابين، ورجع منبقي من جيشه إلى الكوفة، وفي تلك الغضونأظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي دعوتهحاملاً شعار يا لثارات الحسين (عليهالسلام). بدأ المختار بإعداد الشيعة للثورة بعدفشل ثورة التوّابين، وكان يعرف جيداً أنّأيّ تحرّك شيعي يقتضي زعامة من أهل بيتالرسالة (عليهما السلام)، وأنّ الانطلاقينبغي أن يتمّ باسمهم ومَن أفضل من عليّ بنالحسين (عليه السلام)؟ وإن رفض الإمامالاستجابة لذلك فليس أمامه غير محمد بنعلي بن أبي طالب وهو عمّ الإمام السجاد(عليه السلام). من هنا كاتب المختار الإمام زين العابدين(عليه السلام) وعمّه معاً، أمّا الإمام(عليه السلام) ـ فلم يعلن عن تأييده الصريحله، لكنّه (عليه السلام) أمضى عمله عندماثأر من قتلة أبيه الحسين (عليه السلام).أمّا عمه محمد بن الحنفيّة فقد أجاب علىسؤال الوفد الذي جاء من الكوفة ليستفسر عنمدى شرعية الانضواء تحت راية المختارقائلاً: أما ما ذكرتم من دعاء مَن دعاكمالى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أنّ اللهانتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه(2). وفهم الوفد تأييد ابن الحنفية لحركةالمختار وهكذا استطاع المختار أن يستقطبكبار الشيعة مثل ابراهيم بن مالك الأشتروغيره.
(1) زندگاني عليّ بن الحسين: 92 = حياة الإمامعلي بن الحسين (عليه السلام). (2) تاريخ الطبري: 6/12 ـ 14 برواية أبي مخنف.وابن نما الحلّي في كتابه: شرح الثأر روىعن والده: أنّه قال لهم: قوموا بنا إلىإمامي وإمامكم علي بن الحسين، فلمّا دخلواعليه وأخبروه خبرهم الذي جاؤوا لأجله قاللعمّه محمّد: يا عمّ، لو أن عبداً زنجيّاًتعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناسمؤازرته، وقد وليّتك هذا الأمر فاصنع ماشئت. فخرجوا وهم يقولون: قد أذن لنا زينالعابدين ومحمّد بن الحنفية، كما روى عنهفي بحار الأنوار: 45/365.وأرسل المختار رأسَيْ عبيد الله بن زيادوعمر بن سعد إلى الإمام فسجد (عليه السلام)شكراً لله تعالى وقال: «الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائيوجزى الله المختار خيراً»(1). وقال اليعقوبي: ووجّه المختار بالرأسالخبيث (أي: رأس ابن زياد) إلى الإمام عليّبن الحسين، وعهد إلى رسوله بأن يضع الرأسبين يدي الإمام وقت ما يوضع الطعام علىالخوان بعد الفراغ من صلاة الظهر، وجاءالرسول إلى باب الإمام، وقد دخل الناسلتناول الطعام، فرفع الرجل عقيرته ونادى:يا أهل بيت النبوّة! ومعدن الرسالة،ومهبطالملائكة، ومنزل الوحي! أنا رسول المختاربن أبي عبيدة الثقفي ومعي رأس عبيد الله بنزياد... ولم تبق علوية في دور بني هاشم إلاّصرخت(2)، ويقول المؤرّخون: إنّ الامام زينالعابدين (عليه السلام) لم يُرَ ضاحكاً منذأن استشهد أبوه إلاّ في اليوم الذي رأى فيهرأس ابن مرجانة(3). وعن بعض المؤرّخين: أنّه لمّا رأى الإمامرأس الطاغية قال: «سبحان الله، ما اغتّر بالدنيا إلاّ منليس لله في عنقه نعمة، لقد اُدخل رأس أبيعبد الله على ابن زياد وهو يتغدّى»(4).
سنوات المحن والاضطرابات:
كانت الفترة الممتدّة بين عامي (66 و 75 هـ)بالنسبة للشام والحجاز
(1) رجال الكشي: 127 ح 203 وعنه في. المختارالثقفي: 124. (2) تأريخ اليعقوبي: 2/259 ط بيروت. (3) المصدر السابق. (4) العقد الفريد: 5 / 143.والعراق فترة محن واضطرابات، فلم يتحقّقفي هذه المناطق الهدوء والأمن. وشهدالحجاز هجوم قوات عبد الملك على مكة ومقتلعبد الله بن الزبير، إلاّ أنّ نصيب العراقمن الاضطرابات كان أكبر من المنطقتينالسابقتين. ويمكن القول بجرأة أنّ ما لحقبأهل العراق كان هو النتيجة الطبيعيةلدعاء سبط الرسول الأعظم (صلّى الله عليهوآله) عليهم، إذ رفع الإمام الحسين (عليهالسلام) يده بالدّعاء في كربلاء وقال: «اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهمسنين كسنيّ يوسف وسلّط عليهم غلام ثقيففيسومهم كأساً مصبَّرة فإنّهم كذّبوناوخذلونا...»(1). وانتقم الله تعالى من أهل العراق الذينكذّبوا الحسين بن عليّ (عليه السلام)وخذلوه بواسطة رجل ارهابي مستبد هو الحجاجبن يوسف الثقفي الذي كان «لا يصبر عن سفكالدماء، وارتكاب امور لا يقدر عليهاغيره»(2). واتّخذ الحجّاج سجوناً لا تقي من حرٍّ ولابرد، وكان يعذّب المساجين بأقسى ألوانالعذاب وأشدّه، فكان يشدّ على يد السجينالقصب الفارسي المشقوق، ويجر عليه حتىيسيل دمه. يقول المؤرّخون: إنّه مات في حبسه خمسونألف رجل، وثلاثون ألف امرأة منهنّ ستّعشرة ألف مجرّدات، وكان يحبس الرجالوالنساء في موضع واحد(3) واُحصي في سجنهثلاثة وثلاثون ألف سجين لم يحبسوافي دَينولا تبعة(4)، وكان يمرّ على أهل السجن فيقوللهم: إخسأوا فيها ولا
(1) تاريخ الطبري: 5/451 وعنه في وقعة الطف: 254وقريباً منه في الإرشاد: 2/110، 111. وليس فيه:سنين كسنيّ يوسف، ولا غلام ثقيف. (2) حياة الحيوان: 167. (3) حياة الحيوان: 1 / 170. (4) معجم البلدان: 5 / 349.تكلِّمون(1). وقد كان يسخر من المسلمين الذين يزورونقبر النبىّ (صلّى الله عليه وآله) ويقول:تباً لهم، إنّما يطوفون بأعواد و رمّةبالية، هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبدالملك! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير منرسوله(2)؟! وعهد عبد الملك بن مروان بالملك من بعدهإلى ولده الوليد، وأوصاه بالإرهابيالحجّاج خيراً، وقال له: وانظر الحجاجفأكرمه، فإنّه هو الذي وطّأ لكم المنابروهو سيفك يا وليد ويدك على من ناواك، فلاتسمعنّ فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منهإليك، وادع الناسَ إذا متُّ إلى البيعة،فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا...(3). ومثّلت هذه الوصية اندفاعاته نحو الشرّحتى الساعات الأخيرة من حياته، إذ لم يبقبعدها إلاّ لحظات حتى وافته المنيّة،وكانت وفاته في شوال سنة (86 هـ) (4) وقد سئلعنه الحسن البصري فقال: ما أقول في رجل كانالحجاج سيئة من سيئاته(5).
(1) تهذيب التهذيب: 2 / 212. (2) شرح النهج: 15 / 242 عن كتاب: افتراق هاشموعبد شمس للدبّاس. وقد ورد الخبر قبله فيالكامل للمبرّد: 1/222. وفي سنن أبي داود: 4/209والبداية والنهاية: 9/131 والنصائح الكافيةلابن عقيل: 11 عن الجاحظ، وفي رسائل الجاحظ:2/16. (3) تاريخ الخلفاء: 220. (4) البداية والنهاية: 9 / 68. (5) مروج الذهب: 3 / 96.استشهاد الإمام زين العابدين (عليهالسلام)وتقلّد الوليد أزمّة الملك بعد أبيهعبدالملك بن مروان، وقد وصفه المسعوديبأنّه كان جبّاراً عنيداً ظلوماًغشوماً(1)، حتّى طعن عمر بن عبد العزيزالاُموي في حكومته، فقال فيه: إنّه ممنامتلأت الأرض به جوراً(2). وفي عهد هذا الطاغية الجبّار استشهدالعالم الإسلامي الكبير سعيد بن جبير علىيد الحجّاج بن يوسف الثقفي أعتى عاملاُموي. وقد كان الوليد من أحقد الناس على الإمامزين العابدين (عليه السلام) لأنّه كان يرىأنّه لا يتمّ له الملك والسلطان مع وجودالإمام زين العابدين (عليه السلام). فقد كان الإمام (عليه السلام) يتمتّعبشعبية كبيرة، حتّى تحدّث الناس بإعجابوإكبار عن علمه وفقهه وعبادته، وعجّتالأندية بالتحدّث عن صبره وسائر ملكاته،واحتلّ مكاناً كبيراً في قلوب الناسوعواطفهم، فكان السعيد من يحظى برؤيته،ويتشرّف بمقابلته والاستماع إلى حديثه،وقد شقّ على الاُمويين عامّة هذا الموقعالمتميّز للإمام (عليه السلام) وأقضّمضاجعهم، وكان من
(1) مروج الذهب: 3 / 96. (2) تأريخ الخلفاء: 223.أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبد الملك(1)الذي كان يحلم بحكومة المسلمين وخلافةالرسول (صلّى الله عليه وآله). وروى الزهري: عن الوليد أنّه قال: لا راحةلي وعليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا(2). فأجمع رأيه على اغتيال الإمام زينالعابدين (عليه السلام) حينما آل اليهالملك، فبعث سمّاً قاتلاً إلى عامله علىيثرب، وأمره أن يدسّه للإمام (عليه السلام)(3) ونفّذ عامله ذلك، فسَمَتْ روح الإمامالعظيمة إلى خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذهالدنيا بعلومها وعباداتها وجهادهاوتجرّدها من الهوى. وقام الإمام أبو جعفر محمد الباقر (عليهالسلام) بتجهيز جثمان أبيه، وبعد تشييعحافل لم تشهد يثرب نظيراً له; وجيء بجثمانهالطاهر إلى بقيع الفرقد، فحفروا قبراًبجوار قبر عمّه الزكيّ الإمام الحسنالمجتبى (عليه السلام) سيّد شباب أهل الجنةوريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـوأنزل الإمام الباقر (عليه السلام) جثمانأبيه زين العابدين وسيّد الساجدين (عليهالسلام) فواراه في مقرّه الأخير. فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعثحيّاً
(1) هناك من المؤرّخين من يرى أنّ هشام بنعبد الملك هو الذي دسّ السمّ للإمام (عليهالسلام)، راجع بحار الأنوار: 46/153، ويمكنالجمع بين الرأيين فيكون أحدهما آمراًوالآخر منفّذاً للجريمة. (2) راجع: حياة الإمام زين العابدين: 678. (3) بحار الأنوار: 46 / 153 عن الفصول المهمةلابن الصباغ المالكي: 194.
الباب الرابع
فيه فصول: الفصل الأول: نظرة عامّة في مسيرة أهلالبيت (عليهم السلام) الرسالية الفصل الثاني: ملامح عصر الإمام زينالعابدين (عليه السلام) الفصل الثالث: تخطيط الإمام زين العابدينوجهاده (عليه السلام) الفصل الرابع: ظواهر فذّة في حياة الإمامزين العابدين (عليه السلام)
نظرة عامة في مسيرة أهل البيت (عليهمالسلام) الرسالية
للوصول إلى التصور الصحيح عن المسيرةالرساليّة لأهل البيت (عليهم السلام)الرسالية لابدّ أن نجيب على الأسئلةالتالية: 1 ـ ما هي الرسالة الإسلامية؟ 2 ـ وما هي الأخطار التي كانت تواجهها؟ 3 ـ وما هي التحصينات التي كان ينبغياتّخاذها ضد تلك الأخطار. وقبل الإجابة نقول: هناك نظرتان أساسيتانللكون ولموقفالإنسان منه. النظرة الاولى: أن الكون مملكة لمليك قديريراقب من وراء الستار مراقبة غير منظورة.والإنسان في الكون هو الأمين والخليفة لاالأصيل والمتحكم; لأن هذه مملكة غيره بكلما فيها من وجود بما فيها نفس الإنسان.والإنسان إنّما يقوم بأعباء الخلافةوالأمانة. وهذه الخلافة والأمانة تستبطنضرورة استيحاء الأمر والنهي والتدبيروالتقدير والتقديم من قبل ذلك المليكالقدير. والأمين لابد له أن يطبّق علىالأمانة التي استؤمن عليها قرارات المالك.فلابد للإنسان إذن أن يكون رهن أوامر ذلكالمليك القدير.والجزء الآخر لهذه النظرية الأساسية: أنالمسؤولية تستبطن الحساب والثوابوالعقاب. وهما يستبطنان وجود عالم آخروراء هذا العالم لتحقيق نتائج هذهالمراقبة المستورة. وحينئذ لا يكونالإنسان قيد هذا الشوط القصير في الدنيا،بل يكون رهن خط طويل، وعلى مستوى أهدافكبيرة لا يستطيع هو أن يستنزفها; إذ تكونأوسع من عمر الإنسان في هذه الدنيا. وإذا أصبحت البشرية على مستوى الأهدافالكبيرة ـ لأنها انطلقت في غاياتها وفيثباتها إلى أكثر من حدود هذه الدنياالفانية ـ حينئذ تستطيع أن تقوم بأعباءتلك الأهداف الكبيرة. والحضارة الإسلامية عبارة عن هذه النظرةالأساسية بكلّ شُعبها وفروعها التي ترجعبالنهاية إلى تجسيد كامل للعلاقة مع اللهسبحانه وتعالى في تفاعل الإنسان في كلّمجالاته الحيوية والكونية. والنظرة الثانية: هي أن يرى الإنسان نفسهأصيلاً في هذا الكون، وأن هذا الكون غيرخاضع لمليك ومراقبة من وراء الستار.وحينما تتركز في نظره هذه الأصالة وهذاالاستقلال بهذا الكون تنعدم المسؤولية،وإذا انعدمت المسؤولية بقي عليه هو أنيتحمل المسؤولية بنفسه. فهو بدلاً من أن يشعر بأنه مسؤول ومراقبأمام جهة عُليا تضعه أمام أهداف كبرى فيسبيل الثواب الكبير والعقاب الكبير، هويصنع لنفسه المسؤولية. وحينما يتحمّل هووضع المسؤولية تكون هذه المسؤولية نتاجنفسه فينعكس فيما وضعه تمام ما في نفسه، أيتمام المحتوى الداخلي والروحي والحسي بكلما فيه من نقص وانحراف. وحينما يريد الإنسان أن يحدد لنفسهمسؤولياته; فإنّما يحددّهاعلى ضوء أهدافهالتي سوف يحددها على ضوء ما يراه من الطريقالذييريد سلوكه.وحيث ان طريقه محدود في نطاق المادة فسوفتكون الأهداف على مستوى الطريق المحدود...وحينئذ سوف يخسر القيم الأخلاقية ويتولدعن ذلك ـ طبعاً ـ ألوان من الصراع والنزاعبين البشرية. وجاء الإسلام لِيربي الإنسان على النظريةالاولى بحيث تصبح جزءً من وجوده وتجري معدمه وعروقه وفكره وعواطفه وتنعكس على كلمجالات تصرفه وسلوكه مع الله سبحانهوتعالى ومع نفسه ومع الآخرين. ولا بدّ للإسلام حينئذ أن يهيمن على هذاالإنسان، وعلى كل طاقاته وعلاقاتهليستطيع أن يربيه; وكلما كانت الهيمنةأوسع نطاقاً كانت التربية أكثر نجاحاً.فإنّ الأب قد لا ينجح في تربية ابنه لأنوجود ابنه ليس كله تحت هيمنته; لأن هذاالابن هو ابنه وابن المجتمع أيضاً ماداميتفاعل معه ويتأثر به ويؤثر فيه ويتبادلمعه العواطف والمشاعر والأفكاروالانفعالات، وقد يقيم معه علاقات فيالحقول الأخلاقية والاجتماعية والسياسيةوالاقتصادية وغير ذلك من مجالات حياته،فهو ليس ابنه وحده بل ابن المجتمع أيضاً. ومن الطبيعي أن يعجز كثير من الآباء عنتربية أبنائهم في المجتمع الفاسد. اذن فالتربية الكاملة لا تتحقق إلاّ إذاهيمن المربي على الإنسان هيمنة كاملة، علىكل علاقاته الاجتماعية مع غيره بحيث يصبحتمام هذا الوجود تحت سيطرة هذا المربي،فيصير شخص واحد هو الأب وهو المجتمع.وحينئذ يصبح هذا مربّياً كاملاً. وهذا ما صنعه رسول الله (صلّى الله عليهوآله) حين هيمن على العلاقات الاجتماعيةلأنه تزعّم المجتمع بنفسه، فأنشأ مجتمعاًوقاده بنفسه ووقف يخطط لهذا المجتمع ويبنيكل العلاقات داخل الاطار الاجتماعي: علاقةالإنسان مع نفسه وعلاقته مع ربّه وعلاقتهمع عائلته وعلاقته مع بقية أبناء مجتمعه.ولهذاصارت كل هذه الأمور تحت هيمنته وبهذااستكمل الشرط الأساسيللتربية الناجحة(1). وبالرغم من أن النبي (صلّى الله عليه وآله)قد مارس عملية التغيير الشاملة للمجتمعوأعرافه وأنظمته ومفاهيمه، لكن الطريق لميكن قصيراً أمام عملية التغيير الشاملةهذه، بل كان طريقاً ممتداً بامتدادالفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهليةوالإسلام، فكان على النبي (صلّى الله عليهوآله) أن يبدأ بإنسان الجاهلية فتنشئهإنشاءاً جديداً ويجعل منه الإنسانالإسلامي الذي يحمل النور الجديد ويجتثّمنه كلّ جذور الجاهلية ورواسبها. وقد خطا الرسول الأعظم (صلّى الله عليهوآله) بعملية التغيير هذه خطوات مدهشةفيبرهة قصيرة جدّاً(2) حتّى وأنتجت التربيةالنبوية انتاجاً عظيماً وحققت تحوّلاًفريداً. ولكن الاُمّة الإسلامية ـ ككل ـ لم تكن قدعاشت في ظل عملية التغيير هذه إلاّ عقداًواحداً من الزمن على أكثر تقدير، وهذاالزمن لا يكفي عادةً في منطق الرسالاتالعقائدية والدعوات التغييرية ليرتفعالجيل الذي عاش في كنف الرسالة عشر سنواتفقط إلى درجة من الوعي والموضوعيةوالتّحرر من رواسب الماضي والاستيعابلمعطيات الرسالة الجديدة استيعاباً يؤهلهللقيمومة على الخط الرسالي وتحمّلمسؤوليات الدعوة الى الله تعالى على بصيرةتامّة ومواصلة عملية التغيير الشاملةبدون قائد رساليّ. بل ان منطق الرسالات العقائدية يفرض أنتمرّ الاُمّة بوصاية عقائدية فترة أطول منالزمن تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلكالقيمومة(3).
(1) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: 117 ـ 122،طبعة دار التعارف. (2) بحث حول الولاية: 15، طبعة دار التعارف. (3) المصدر السابق: 59.وباعتبار أن الاسلام كان يريد تحقيقأهدافه كاملة كان ينبغي أن يستمر تطبيقهعلى يد الرسول (صلّى الله عليه وآله) نفسهفيمتدّ به العمر حتى يستكمل كلّ الشروطاللازمة للتربية الشاملة في فترة زمنيةكافية أو يوكل أمر تطبيق الإسلام إلى منيخلفه من القادة الأكفاء الذين بلغوا درجةالعصمة في مستواهم العقائدي والفكريوالعملي ليصونوا أمر التربية من أي انحرافأو انهيار. اذن منطق العمل التغييري على مسارالتاريخ كان يفرض على النبي (صلّى اللهعليه وآله) أن يصون تجربته من أيّ ضعف أواندحار، وذلك من خلال استمرار الوصاية علىالتجربة الانقلابية الجديدة وهكذا كانفقد تمثّلت مهمّة صيانته للتجربة الفتيّةفي أهل بيته المعصومين (عليهم السلام)الذين أعدّهم بنفسه إعداداً رسالياًوقيادياً خاصّاً ليكونوا قادرين علىمواصلة عملية التغيير الشاملة بالشكلالمطلوب، والمنسجم مع أهداف الرسالةالكبرى.
الأخطار التي كان يواجهها الإسلام
لم يكن الإسلام نظرية بشرية لكي تتحدَّدْفكرياً من خلال الممارسة والتطبيقوتتبلور مفاهيمه عبر التجربة المخلصة،وإنما هو رسالة الله التي حُدّدت فيهاالأحكام والمفاهيم وزوّدت ربّانياً بكلّالتشريعات العامّة التي تتطلبها التجربة،فلا بدّ لزعامة هذه التجربة من استيعابالرسالة بحدودها وتفاصيلها ووعي كامللأحكامها ومفاهيمها، وإلاّ كانت مضطرةإلى استلهام مسبّقاتها الذهنيةومرتكزاتها القَبْلية وذلك يؤدّي إلىنكسة في مسيرة التجربة وبخاصة إذا لاحظناأن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة منرسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمنوتتعدى كل الحدود الوقتية والاقليميةوالقومية، الأمر الذي لا يسمح بأن تمارسزعامته ـ التي تشكل الأساس لكلّذلك الإمتداد ـ تجارب الخطأ والصواب التيتتراكم فيها الأخطاء عبر فترة من الزمنحتى تشكل ثغرة تهدد التجربة بالسقوطوالانهيار(1). وقد برهنت الأحداث بعد وفاة الرسول (صلّىالله عليه وآله) على هذه الحقيقة وتجلّتبعد نصف قرن أو أقلّ من خلال ممارسة جيلالمهاجرين الذين لم يُرَشَّحوا من قبلالرسول (صلّى الله عليه وآله) لإمامةالدعوة ولم يكونوا مؤهلين للقيمومة عليها. ولم يمض ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدةتنهار تحت وقع الضربات الشديدة التيوجّهها أعداء الإسلام القدامى فاستطاعواأن يتسلّلوا إلى مراكز النفوذ في التجربةبالتدريج ويشغلوا القيادة غير الواعية ثمصادروا بكل وقاحة وعنف تلك القيادةوأجبروا الاُمّة وجيلها الطليعي الرائدعلى التنازل عن شخصيّته وقيادته وتحولتالزعامة إلى ملك موروث يستهتر بالكراماتويقتل الأبرياء ويبعثر الأموال ويعطّلالحدود ويجمّد الأحكام ويتلاعب بمقدراتالناس وأصبح الفيىء والسواد بستاناًلقريش، والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بنيأمية(2). مضاعفات الانحراف في القيادة الإسلاميةوهكذا واجه الإسلام بعد النبي (صلّى اللهعليه وآله) انحرافاً خطيراً في صميمالتجربة الإسلامية التي أنشأها النبي(صلّى الله عليه وآله) للمجتمع الإسلاميوالاُمّة الإسلامية. وهذا الانحراف فيالتجربة الاجتماعية والسياسية للأمّة فيالدولة الإسلامية كان بحسب طبيعة الاشياءمن المفروض أن يتسع ليتعمق بالتدريج علىمرّ الزمن; اذ الانحراف يبدأ بذرة ثمّ تنموهذه البذرة، وكلما تحققت مرحلة من
(1) بحث حول الولاية: 57 ـ 58. (2) المصدر السابق: 60 ـ 61.الانحراف; مهّدت هذه المرحلة لمرحلة أوسعوأرحب. فكان من المفروض أن يصل هذا الانحراف إلىخط منحن طوال عملية تاريخية زمنية طويلةالمدى يصل به إلى الهاوية فتمر التجربةالإسلامية للمجتمع والدولة لتصبح مليئةبالتناقضات من كل جهة ومن كل صوب، وتصبحعاجزة عن مواكبة الحدّ الأدنى من حاجاتالاُمّة ومصالحها الإسلاميّةوالإنسانيّة. وحينما يتسلسل الانحراف في خط تصاعدي فمنالمنطقي أن تتعرض التجربة بعد مدى منالزمن لانهيار كامل. إذن الدولة الإسلاميةوالمجتمع الإسلامي والحضارة الإسلاميةلقيادة المجتمع كان من المفروض أن تتعرضكلّها للانهيار الكامل; لأن هذه التجربةحين تصبح مليئة بالتناقضات وحين تصبحعاجزة عن مواجهة وظائفها الحقيقية; تصبحعاجزة عن حماية نفسها; لأن التجربة تكون قداستنفدت إمكانية البقاء والاستمرار علىمسرح التاريخ، كما أن الاُمّة ليست علىمستوى حمايتها; لأن الاُمّة لا تجني من هذهالتجربة الخير الذي تفكّر فيه ولا تحقق عنطريق هذه التجربة الآمال التي تصبو اليهافلا ترتبط بأي ارتباط حياتي حقيقي معها،فالمفروض أن تنهار هذه التجربة في مدى منالزمن كنتيجة نهائية حتمية لبذرةالانحراف التي غرست فيها.
مضاعفات انهيار الدولة الإسلامية:
ومعنى انهيار الدولة الإسلامية أن تسقطالحضارة الإسلامية وتتخلى عن قيادةالمجتمع ويتفكك المجتمع الإسلامي، ويُقصىالإسلام عن مركزه كقائد للمجتمع وكقائدللاُمّة، لكن الاُمّة تبقى طبعاً، حينتفشل تجربة المجتمع والدولة، لكنها سوفتنهار أمام أول غزو يغزوها، كما انهارتأمامالغزو التتري الذي واجهته الخلافةالعباسية. وهذا الانهيار يعني: أن الدولة والتجربةقد سقطت وأن الاُمّة بقيت،لكن هذه الاُمّةأيضاً بحسب تسلسل الأحداث من المحتوم أنتنهار كاُمّة تدين بالإسلام وتؤمن بهوتتفاعل معه; لأن هذه الاُمّة قد عاشتالإسلام الصحيح زمناً قصيراً جداً وهوالزمن الذي مارس فيه الرسول الأعظم (صلّىالله عليه وآله) زعامة التجربة وبعده عاشتالاُمّة التجربة المنحرفة التي لم تستطعأن تعمّق الإسلام وتعمّق المسؤولية تجاهعقيدتها ولم تستطع أن تثقّفها وتحصّنهاوتزوّدها بالضمانات الكافية لئلاّ تنهارأمام الحضارة الجديدة والغزو الجديدوالأفكار الجديدة التي يحملها الغازي إلىبلاد الإسلام. ولم تجد هذه الاُمّة نفسهاقادرة على تحصين نفسها بعد انهيار التجربةوالدولة والحضارة بعدما اُهينت كرامتهاوحُطِّمتْ ارادتها وغُلّت أياديها عنطريق الزعامات التي مارست تلك التجربةالمنحرفة وبعد أن فَقَدتْ روحهاالحقيقية، لأن تلك الزعامات كانت تريداخضاعها لزعامتها القسريّة. إن هذه الاُمّة من الطبيعي أن تنهاربالاندماج مع التّيار الكافر الذي غزاهاوسوف تذوب الاُمّة وتذوب الرسالةوالعقيدة أيضاً وتصبح الاُمّة خبراً بعدأن كانت أمراً حقيقياً على مسرح التاريخوبهذا ينتهي دور الإسلام نهائياً(1). لقد كان هذا هو التسلسل المنطقي لمسيرةالدولة والاُمّة والرسالة بقطع النظر عندور الأئمّة المعصومين الذين اُوكِلت لهممهمة صيانة التجربة والدولة والاُمّةوالرسالة جميعاً. ويتلخص دور الأئمّة الراشدين الذيناختارهم الله ونص عليهم
(1) راجع: أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف:127 ـ 129.الرسول (صلّى الله عليه وآله) لصيانةالإسلام وتطبيقه وتربية الإنسانية علىأساسه وصيانة دولة الرسول الخاتم منالانهيار والتردّي في أمرين مهمّينوخطّين أساسيين بعد أن كانت التجربةالإسلامية تشتمل على عناصر ثلاثةباعتبارهاعملية تربية تتكوّن من (فاعل) هوالمربي ومن (تنظيم) تقدّمه الشريعة ومن(حقل لهذا التنظيم) وهو الاُمّة(1). والانحراف الذي بدأ يغيّر هذه العناصرالثلاثة انطلق من افتقاد المربي الكفوءللاُمّة بوفاة سيد المرسلين (صلّى اللهعليه وآله). وكان انهدام هذا العنصر كفيلاً بهدمالعنصرين الآخرين إذ لم يكن مَن جاء بعدالنبي (صلّى الله عليه وآله) لقيادةالتجربة كفوءاً لقيادتها كالنبي نفسهعلماً وعصمةً ونزاهةً وقدرةً وشجاعةًوكمالاً، وإنّما تزعّمها مَن لم يكنمعصوماً ومنصهراً في حقيقة الرسالة ولميكن مالكاً للضمانات اللازمة لصيانتها منالانحراف عن الخط الذي رسمه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لهذه الاُمّة، ذلكالانحراف الذي لم يتصور المسلمون مدى عمقهومدى تأثيره السلبي على الدولة والاُمّةوالشريعة جميعاً على طول الخط; إذ لعلّهمكانوا قد اعتبروه تغيير شخص لا تغيير خط. والخطّان الرئيسان اللذان عمل الأئمّةعليهما وكان عليهم أن يوظّفوا نشاطهم لهماهما: 1 ـ خط تحصين الاُمّة ضد الانهيار بعد سقوطالتجربة، واعطائها من المقومات القدرالكافي لكي تبقى واقفة على قدميها بقدمراسخة وبروح مجاهدة وبإيمان ثابت. 2 ـ خط محاولة تسلّم زمام التجربة وزمامالدولة ومحو آثار الانحراف
(1) أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: 122.وارجاع القيادة إلى موضعها الطبيعيلتكتمل عناصر التربية ولتتلاحم الاُمّةوالمجتمع مع الدولة والقيادة الرشيدة(1). أما الخط الثاني فكان على الأئمّةالراشدين ان يقوموا بإعداد طويل المدى له،من أجل تهيئة الظروف الموضوعية اللازمةالتي تتناسب وتتفق مع مجموعة القيموالأهداف والأحكام الأساسية التي جاءتبها الرسالة الإسلامية وأريد تحقيقها منخلال الحكم وممارسة الزعامة باسم الإسلامالقيّم وباسم الله المشرّع للإنسان مايوصله إلى كماله اللائق. ومن هنا كان رأي الأئمّة في استلام زمامالحكم أن الانتصار المسلّح الآنيّ غير كافلإقامة دعائم الحكم الإسلامي المستقر بليتوقف ذلك على اعداد جيش عقائدي يؤمنبالإمام وبعصمته ايماناً مطلقاً يعيشأهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجالالحكم ويحرس ما يحققه للاُمّة من مصالحأرادها الله لها. وأما الخط الأوّل فهو الخط الذي لا يتنافىمع كل الظروف القاهرة وكان يمارسه الأئمّة(عليهم السلام) حتى في حالة الشعور بعدمتوفر الظروف الموضوعية التي تهيئ الإماملخوض معركة يتسلّم من خلالها زمام الحكممن جديد. إن هذا الدور وهذا الخط هو تعميق الرسالةفكرياً وروحيّا ًوسياسياً للاُمّة نفسهابغية إيجاد تحصين كاف في صفوفها ليؤثّرفيتحقيق مناعتها وعدم انهيارها بعد تردّيالتجربة وسقوطها وذلك بايجاد قواعد واعيةفي الاُمّة وايجاد روح رسالية فيها وايجادعواطف صادقة تجاه
(1) المصدر السابق: 59.هذه الرسالة في الاُمّة(1). واستلزم عمل الأئمّة (عليهم السلام) فيهذين الخطين قيامهم بدور رسالي ايجابيوفعّال على طول الخط لحفظ الرسالةوالاُمّة والدولة وحمايتها باستمرار.وكلما كان الانحراف يشتد; كان الائمّةيتخذون التدابير اللازمة ضد ذلك وكلماوقعت محنة للعقيدة أو التجربة الإسلاميةوعجزت الزعامات المنحرفة من علاجها ـ بحكمعدم كفاءتها ـ بادر الأئمّة إلى تقديمالحلّ ووقاية الأمة من الأخطار التي كانتتهددّها. فالأئمّة (عليهم السلام) كانوايحافظون على المقياس العقائدي في المجتمعالإسلامي إلى درجة لا تنتهي بالاُمّة إلىالخطر الماحق لها(2). ومن هنا تنوع عمل الأئمة (عليهم السلام) فيمجالات شتى باعتبار تعدد العلاقات وتعدّدالجوانب والمهام التي تهمهم كقيادة واعيةرشيدة تريد تطبيق الإسلام وحفظه وضمانخلوده للإنسانية جمعاء. فالأئمّة مسؤولون عن صيانة تراث الرسول(صلّى الله عليه وآله) الأعظم وثمار جهودهالكريمة المتمثلة في: 1 ـ الشريعة والرسالة التي جاء بها الرسولالأعظم من عند الله والمتمثلة في الكتابوالسنة الشريفين. 2 ـ الاُمّة التي كوّنها ورباها الرسولالكريم بيديه الكريمتين. 3 ـ المجتمع السياسي الإسلامي الذي أوجدهالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أوالدولة التي أسسها وشيّد أركانها. 4 ـ القيادة النموذجية التي حققها بنفسهوربّى من يكون كفوءً
(1) أهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف: 131 ـ 132و147 ـ 148. (2) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: 144.لتجسيدها من أهل بيته الطاهرين. لكنّ عدم امكان الحفاظ على المركزالقيادي الذي رُشّح له الأئمّة المعصومونمن قبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)وانتُخِبوا لاستلامه ولتربية الاُمّة منخلاله لا يحول دون الاهتمام بمهمة الحفاظعلى المجتمع الإسلامي السياسي وصيانةالدولة الإسلامية من الانهيار بالقدرالممكن الذي يتسنّى لهم بالفعل وبمقدار ماتسمح به الظروف الواقعية المحيطة بهم. كما أن سقوط الدولة الإسلامية لا يحول دونالاهتمام بالاُمّة كاُمّة مسلمة ودونالاهتمام بالرسالة والشريعة كرسالة الهيةوصيانتها من الانهيار والاضمحلال التام. وعلى هذا الأساس تنوّعت مجالات عملالأئمّة جميعاً بالرغم من اختلاف ظروفهممن حيث نوع الحكم القائم ومن حيث درجةثقافة الاُمّة ومدى وعيها وايمانهاومعرفتها بالأئمّة (عليهم السلام) ومدىانقيادها للحكام المنحرفين ومن حيث نوعالظروف المحيطة بالكيان الإسلامي والدولةالإسلامية ومن حيث درجة التزام الحكّامبالإسلام ومن حيث نوع الأدوات التي كانيستخدمها الحكّام لدعم حكمهم وإحكامسيطرتهم. فللأئمّة (عليهم السلام) نشاط مستمر تجاهالحكم القائم والزعامات المنحرفة وقدتمثّل في إيقاف الحاكم عن المزيد منالانحراف، بالتوجيه الكلامي، أو بالثورةالمسلّحة ضد الحاكم حينما كان يشكّلانحرافه خطراً ماحقاً ـ كثورة الإمامالحسين (عليه السلام) ضد يزيد بن معاوية ـإن كلّفهم ذلك حياتهم، أو عن طريق إيجادالمعارضة المستمرة ودعمها بشكل وآخر منأجل زعزعة القيادة المنحرفة بالرغم مندعمهم للدولة الإسلامية بشكل غير مباشرحينما كانت تواجه خطراً ماحقاً أمامالكيانات الكافرة. وكان للأئمّة (عليهم السلام) نشاط مستمرفي مجال تربية الاُمّة عقائدياًوأخلاقياًوسياسياً وذلك من خلال تربية الأصحابالعلماء وبناء الكوادر العلمية والشخصياتالنموذجية التي تقوم بمهمة نشر الوعيوالفكر الإسلامي وتصحيح الأخطاء المستجدةفي فهم الرسالة والشريعة، ومواجهةالتيارات الفكرية الوافدة المنحرفة أوالتيارات السياسية المنحرفة أو الشخصيّاتالعلمية المنحرفة التي كان يستخدمهاالحاكم المنحرف لدعم زعامته، كما قدّمواالبديل الفكري والأخلاقي والسياسيللزعامة المنحرفة والذي كان يتمثل فيزعامة أهل البيت الأطهار المشروعة،وتصعيد درجة معرفة الاُمّة لهم والإيمانبهم والوعي اللازم تجاه إمامتهم وزعامتهم. هذا فضلاً عن نزول الأئمّة (عليهم السلام)إلى ساحة الحياة العامة والارتباطبالاُمّة بشكل مباشر والتعاطف مع قطاعواسع من المسلمين; فإن الزعامة الجماهيريةالواسعة النطاق التي كان يتمتع بها ائمّةأهل البيت (عليهم السلام) على مدى قرون لميحصل عليها أهل البيت صدفة أو لمجردالانتماءلرسول الله (صلّى الله عليه وآله);وذلك لوجود كثير ممن كان ينتسب إلى رسولالله (صلّى الله عليه وآله) ولم يكن يحظىبهذا الولاء; لأن الاُمّة لا تمنح علىالأغلب الزعامة مجاناً ولا يملك الفردقيادتها وميل قلوبها من دون عطاء سخيّ منهفي مختلف مجالات اهتمام الاُمّة ومشاكلهاوهمومها. وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظريةسليماً من الانحرافإن تشوّهت معالمالتطبيق، وتحولّت الاُمّة إلى اُمّةعقائدية تقف بوجهالغزو الفكري والسياسيالكافر واستطاعت أن تسترجع قدرتهاوروحهاعلى المدى البعيد كما لاحظناه فيهذا القرن المعاصر بعد عصورالانهياروالتردي. وقد حقق الأئمّة المعصومون (عليهم السلام)كل هذه الانتصارات بفضل اهتمامهم البليغبتربية الكتلة الصالحة التي تؤمن بهموبإمامتهم فأشرفوا علىتنمية وعيها وايمانها من خلال التخطيطلسلوكها وحمايتها باستمرار واسعافها بكلالأساليب التي كانت تساعد على صمودها فيخضمّ المحن وارتفاعها إلى مستوى جيشعقائدي رسالي يعيش هموم الرسالة ويعمل علىصيانتها ونشرها وتطبيقها ليل نهار.
مراحل حركة الأئمّة الطاهرين (عليهمالسلام)
وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل البيت (عليهمالسلام) والظروف المحيطة بهم ولاحظناسلوكهم ومواقفهم العامة والخاصة استطعناأن نصنّف ظروفهم ومواقفهم إلى مراحل وعصورثلاثة يتميز بعضها عن بعض بالرغم مناشتراكهم في كثير من الظروف والمواقف ولكنالأدوار تتنوع باعتبار مجموعة الظواهرالعامّة التي تشكل خطّاً فاصلاً ومميّزاًلكل عصر. فالمرحلة الاولى من حياة الأئمّة (عليهمالسلام) وهي (مرحلة تفادي صدمة الانحراف)بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)تجسّدت في سلوك ومواقف الأئمّة الأربعة:علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عليهمالسلام) فقاموا بالتحصينات اللازمةلصيانة العناصر الأساسية للرسالة وإن لميستطيعوا القضاء على القيادة المنحرفة.لكنهم استطاعوا كشف زيفها والمحافظة علىالرسالة الإسلامية نفسها. وبالطبع إنهم لميهملوا الاُمّة أو الدولة الإسلامية بشكلعام من رعايتهم واهتماماتهم فيما يرتبطبالكيان الاسلامي والاُمّة المسلمة فضلاًعن سعيهم البليغ في بناء وتكوين الكتلةالصالحة المؤمنة بقيادتهم. وتبدأ المرحلة الثانية بالشطر الثاني منحياة الإمام السجاد السياسية حتى الإمامالكاظم (عليه السلام) وتتميز بأمرينأساسيين: 1 ـ أما فيما يرتبط بالخلافة المزيّفة فقدتصدى هؤلاء الأئمّة لتعريتها عنالتحصينات التي بدأ الخلفاء يحصّنون بهاأنفسهم من خلال دعم طبقةمن المحدّثين والعلماء (وهم وعّاظالسلاطين) لهم وتقديم التأييد والولاء لهممن أجل إسباغ الصبغة الشرعية على زعامتهمبعد أن استطاع الأئمّة في المرحلة الاولىأن يكشفوا زيف خط الخلافة وأن يُحَسِّسواالاُمّة بمضاعفات الانحراف الذي حصل فيمركز القيادة بعد الرسول الأعظم (صلّىالله عليه وآله). 2 ـ وأما فيما يرتبط ببناء الكتلة الصالحةالذي اُرسيت دعائمه في المرحلة الاولى فقدتصدى الأئمّة المعصومون في هذه المرحلةإلى تحديد الاطار التفصيلي وإيضاح معالمالخط الرسالي الذي اُؤتمن الأئمّةالأطهار (عليهم السلام) عليه والذي تمثّلفي تبيين ونشر معالم النظرية الإسلاميةالإمامية وتربية عدة أجيال من العلماء علىأساس الثقافة الإسلامية الإمامية الناصعةفي قبال الخط العُلمائي الخلفائي (وهو خطوعاظ السلاطين). هذا فضلاً عن تصديهم لدفع الشبهات وكشفزيف الفرق المذهبية التي استحدثت من قبلخط الخلافة أو غيره. والأئمّة في هذه المرحلة لم يتوانوا فيزعزعة الزعامات والقيادات المنحرفة منخلال دعم بعض خطوط المعارِضة للسلطةولاسيما بعض الخطوط الثورية منها التيكانت تتصدى لمواجهة من تربَّع على كرسيّخلافة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعدثورة الإمام الحسين (عليه السلام). وأما فيما يخص المرحلة الثالثة من حياةالأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) بدءًبشطر من حياة الإمام الكاظم (عليهم السلام)وانتهاءً بالإمام المهدي (عليه السلام)فإنهم بعد وضع التحصينات اللازمة للكتلةالصالحة ورسم المعالموالخطوط التفصيليةلها عقائدياً واخلاقياً وسياسيّاً فيالمرحلة الثانية قد بدا للخلفاء أن قيادةأهل البيت (عليهم السلام) أصبحت بمستوىتسلّم زمام الحكم والعودةبالمجتمعالإسلامي إلى حظيرة الإسلامالحقيقي، مما خلّف ردود فعل للخلفاءتجاهالأئمّة (عليهم السلام)، وكانت مواقفالأئمّة تجاه الخلفاء تبعاً لنوع موقفالخليفة تجاههم وتجاه قضيتهم.وأما فيما يرتبط بالكتلة الصالحة التيأوضحوا لها معالم خطها فقد عمل الأئمّة(عليهم السلام) على دفعها نحو الثباتوالاستقرار والانتشار من جهة لتحصينها منالانهيار واعطائها درجة من الاكتفاءالذاتي من جهة اُخرى، وكان يقدّر الأئمّةأنهم بعد المواجهة المستمرة للخلفاء سوفلا يُسمح لهم بالمكث بين ظهرانيهم وسوف لنيتركهم الخلفاء أحراراً بعد أن تبين زيفهمودَجلهم واتضحت لهم المكانة الشعبيةللأئمّة الذين كانوا يمثّلون الزعامةالشرعية والواقعية للاُمّة الإسلامية. ومن هنا تجلّت ظاهرة تربية الفقهاء بشكلواسع ثم ارجاع الناس اليهم وتدريبهم علىمراجعتهم في قضاياهم وشؤونهم العامةتمهيداً للغيبة التي لا يعلم مداها إلاّالله سبحانه والتي أخبر الرسول (صلّى اللهعليه وآله) عن تحققها وأملت الظروف عليهمالانصياع اليها. وبهذا استطاع الأئمّة (عليهم السلام) ـضمن تخطيط بعيد المدى ـ أن يقفوا بوجهالتسلسل الطبيعي لمضاعفات انحراف القيادةالإسلامية والتي كانت تنتهي بتنازلالاُمّة عن الإسلام الصحيح وبالتالي ضمورالشريعة وانهيار الرسالة الالهية بشكلكامل. فالذي جعل الاُمّة لا تتنازل عن الإسلامهو أن الإسلام قُدّم له مثل آخر واضحالمعالم، أصيل المُثل والقيم، أصيلالأهداف والغايات، وقُدّمت هذه الاطروحةمن قبل الواعين من المسلمين بزعامةالأئمّة من أهل البيت المعصومين الذينأذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. إن هذه الاطروحة التي قدّمها الأئمّةالطاهرين (عليهم السلام) للإسلام لم تكنتتفاعل مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهلالبيت (عليهم السلام) فقط، بل كان لها صدىكبير في كل العالم الإسلامي، فالأئمّةالأطهار كانت لهم اطروحة للإسلام وكانتلهم دعوى لإمامتهم، وهذه الدعوى وان لميطلبوا لها إلاّ عدداً ضئيلاً من مجموعالاُمّة الإسلامية ولكن الاُمّة بمجموعهاتفاعلت مع هذهالاطروحة التي تُمَثّل النموذج والمخططالواضح الصحيح الصريح للإسلام في كلالمجالات العامة والخاصة اجتماعياًوسياسياً واقتصادياً وخلقياً وعبادياً...مما جعل المسلمين على مرّ الزمن يسهرونعلى الإسلام ويقيمونه وينظرون اليهبمنظار آخر غير منظار الواقع الذي كانوايعيشونه من خلال الحكم القائم(1). ملامح عصر الإمام زين العابدين (عليهالسلام)تبيّن بوضوح من خلال البحوث السابقة أنّالإمام زين العابدين (عليه السلام) قد عاشأقسى فترة من الفترات التي مرّت علىالقادة من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)،لأنّه عاصر قمّة الإنحراف الذي بدأ بعدوفاة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله). وذلك أنّ الانحراف في زمن الإمام زينالعابدين (عليه السلام) قد أخذ شكلاًصريحاً، لا على مستوى المضمون فقط بل علىمستوى الشعارات المطروحة أيضاً من قبلالحكّام في مجال العمل والتنفيذ، وانكشفواقع الحكّام لدى الجماهير المسلمة بعدمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يبقما يستر عورة حكمهم أمام الاُمّة التيخبرت واقعهم وحقيقتهم المزرية. وقد عاصر الإمام (عليه السلام) كلّ المحنوالبلايا التي وقعت أيّام جدّه أمير
(1) أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: 79 ـ 80.المؤمنين علىّ (عليه السلام) إذ ولد قبلاستشهاد الإمام علىّ (عليه السلام) وتفتحتعيناه وجَدّه (عليه السلام) في محنته في خطالجهاد مع الناكثين والقاسطين والمارقين،ومن ثمّ عاش مع عمّه الإمام الحسن (عليهالسلام) في محنته مع معاوية وعُمّالهِوعملائه، ومع أبيه الحسين (عليه السلام)وهو في محنته الفاجعة إلى أن استقلّبالمحنة وجهاً لوجه، وقد وصلت به المحنةذروتها عندما رأى جيوش بني اُميّة تدخلمسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيالمدينة وتربط خيولها في المسجد، هذاالمسجد الذي كان منطلقاً للرسالةوأفكارها إلى العالم أجمع، وقد أصاب هذاالمسجد في عهد الإمام زين العابدين (عليهالسلام) كثير من الذلّ والهوان علىيدالجيش الاُموي الذي أباح المدينة والمسجدمعاً، وهتك حرمات النبىّ (صلّى الله عليهوآله) فيهما جميعاً. وكان القتل هو أبسط الوسائل التي استعملتفي ذلك العصر مع المعارضين، إذ كانالتمثيل الانتقامي والصلب على الأشجاروتقطيع الأيدي والأرجل وألوان العقابالبدني لغة الحديث اليومي. وانغمس الاُمويون في الترف، وقد ذكرالمؤرّخون نوادر كثيرة من ترفهم وتلاعبهمباقتصاد الاُمّة وثرواتها(1)، حتى بالغوافي هباتهم للشعراء وأجزلوا العطاءللمغنّين(2)، وسادت حياة اللهو والعبثوالمجون في كثير من أنحاء العالم الإسلاميوخصوصاً في مكّة والمدينة، وعمدت السلطاتالاُموية إلى إشاعة ذلك فيهما لإسقاطهيبتهما من نفوس المسلمين. لقد شاع الغناء في مدينة الرسول (صلّىالله عليه وآله) بشكل يندى له جبين الإنسانالمؤمن بالله وبرسوله، حتى صارت مركزاًله. قال أبو الفرج: إنّ الغناء في المدينة لايُنكره عالمهم،
(1) حياة الإمام زين العابدين دراسةوتحليل: 665. (2) الأغاني: 1 / 55، 4 / 400، 5 / 111.ولا يدفعه عابدهم(1). وقال أبو يوسف لبعض أهالي المدينة: ماأعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني!ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها(2)!!. وكان العقيق إذا سال وأخذ المغنّون يلقونأغانيهم لم تبق في المدينةمخبّأة ولا شابةولا شابّ ولا كهل إلاّ خرج ببصره ليسمعالغناء(3). نعم غدت المدينة في ذلك العصر مركزاً منمراكز الغناء في الحاضرة الإسلاميةوأصبحت معهداً متميزاً لتعليم الجواريالغناء(4). بينما كانت الشريعة الإسلاميةقد حاربت اللهو والمجنون ودعت الإنسانالمسلم الى حياة الجدّ والاجتهاد والكدحمن أجل إعمار حياته الدنيا وحياته الاُخرىبالصالحات واستباق الخيرات وتسلّق قممالكمال والحرص على أثمن لحظات عمره في هذهالحياة وصيانتها من الضياع والخسران. أمّا الحياة العلمية في عصر الإمام زينالعابدين (عليه السلام) فقد كانت مشلولةًبما حوته هذه الكلمة من معنى، إذ كان الخطالسياسي الذي سارت عليه الدولة الاُمويةمنذ تأسيسها يرتكز على مجافاة العلم،وإقصاء الوعي والثقافة من حياة المسلمين،وجرّهم الى منحدر سحيق من الجهل; لأنّبلورة الوعي العام وإشاعة العلم بينالمسلمين كان يهدّد مصالحهم ودوام ملكهمالقائم على استغلال الجهل والغفلة التيروّج لها من تقمّص الخلافة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
(1) الأغاني: 8 / 224. (2) العقد الفريد: 3 / 233. (3) العقد الفريد: 3 / 245. (4) راجع: الأغاني: 2 / 226، 3 / 307، 4 / 222، 6 / 21، 7 /316، و 332، 8 / 227، 10 / 57. والشعر والغناء فيالمدينة ومكة: 250.أمّا الطابع الخاصّ للحياة الأدبيةفتعرفه ممّا جرى على لسان شعراء ذلكالعصر، فهو لم يمثّل أيّ مشكلة اجتماعيةمن مشاكل ذلك العصر على كثرتها، كما أنّهلم يمثّل أيّ جدٍّ في الحياة العقليةوالأدبية، وإنّما كان شعراً قَبَليّاًيحكي فيه كلّ شاعر ما امتازت به قبيلته منكرم الضيافة ووفرة المال والعدد، كما غداالأدب سوقاً للهجاء المرّ والتنابزبالألقاب(1).
(1) حياة الإمام زين العابدين، دراسةوتحليل: 672 ـ 673.تخطيط الإمام زين العابدين (عليه السلام)وجهادهنجد في سيرة الأئمّة (عليهم السلام)العديد من الأدلّة التي أوضحوا من خلالهاللناس سبب الاختلاف في أساليبهم في قيادةالحركة الإسلامية من إمام لآخر. فالإمام السجاد (عليه السلام) قال لهعبّاد البصري وهو في طريق مكّة: تركتالجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ ولينه، و(إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهموأموالهم) (1) فأجابه الإمام (عليه السلام):إقرأ بعدها: (التائبون العابدون الحامدونالسائحون الراكعون الساجدون الآمرونبالمعروف والناهون عن المنكر والحافظونلحدود الله وبشّر المؤمنين)، ثمّ قال (عليهالسلام): إذا ظهر هؤلاء ـ يعني المؤمنينحسب مواصفاتهم في الآية ـ لم نؤثر علىالجهاد شيئاً(2). وبهذه الإجابة حدّد الإمام (عليه السلام)بشكل صارم سياسته ولون كفاحه، ووجهة حركتهفي عصره، ومن ثمّ الأسباب الموجبة لذلكالمسار، فإنّ عدوله عن الكفاح المسلّحوالمواجهة العسكرية للحكم الاُموي لمتأتِ حبّاً في الحياة ونعيمها كما تصوّرعبّاد البصري، وإنّما جاء ذلك لأنّمستلزمات العمل العسكري الناجح غيرمتوفرة، ولأنّ النتائج من أيّ تحدٍّللسلطان في
(1) التوبة (9): 111. (2) من لا يحضره الفقيه: 2 / 141، ومناقب آل أبيطالب: 4 / 173 باختلاف يسير في الألفاظ.تلك الظروف تكون عكسيّةً تماماً. وبعد ملحمة كربلاء مباشرةً تبنّى الإمامالسجاد (عليه السلام) وكرائم أهل البيتكزينب واُمّ كلثوم (عليهم صلوات اللهوسلامه) سياسة إسقاط الأقنعة التي كانالاُمويون قد غطّوا وجوه سياستهم الكالحةالخطيرة بها، وحمّلوا الاُمّة كذلكمسؤوليتها التأريخية أمام الله والرسالة. ومن هنا نلاحظ بوضوح أنّ الخطبوالتصريحات التي صدرت عن الإمام زينالعابدين (عليه السلام) وعقائل أهل البيت(عليهم السلام) في العراق قد انصبّت علىمخاطبة ضمائر الناس كمجموع، وإلفات نظرالناس إلى جسامة الخطر الذي حاق بهم، وإلىحجم الجريمة التي ارتكبتها بنو اُمية بحقّرسالة الله تعالى. وفي الشام ركّزت كلمات الإمام السجّاد(عليه السلام) على التعريف بالسباياذاتهم، وأنّهم آل الرسول (صلّى الله عليهوآله)، ثمّ فضح الحكم الاُموي وتعريتهأمام أهل الشام الذين أضلّهم عن رؤيةالواقع. وقبل دخوله المدينة عمل الإمام السجاد(عليه السلام) على إثارة الرأي والوعيالعام الإسلامي وتوجيهه الى محنة الرسالةالتي تمثّلت في فاجعة الطفّ، فقد كانخطابه الذي ألقاه بالناس يستبطن هذهالمعاني. ولقد أعطت تجربة كربلاء مؤشّراً عملياًعلى أنّ الاُمّة المسلمة في حالة ركودوتبلّد ممّا جعل الروح الجهادية لديها فيحالة غياب إن لم نقل إنّها كانت معدومةنهائياً، ومن أجل ذلك فإنّ السجاد (عليهالسلام) ـ باعتباره إمام الاُمّة الذيانتهت إليه مرجعية الاُمّة ـ أخذ تلكالظاهرة بعين الاعتبار، ولذلك مارس دورهمن خلال العمل على تنمية التيار الرساليفي الاُمّة، وتوسيع دائرته في الساحةالإسلامية، والعمل على رفع مستوى الوعيالإسلامي والإنفتاح العملي في قطاعاتالاُمّة المختلفة، وخلق قيادات متميزةتحملالفكر الإسلامي النقي، لا الفكر الذييُشيعه الحكم الاُموي. ولهذا النهج مبرّراته الموضوعية، فإنّقوى الانحراف عبر سنوات عديدة من سيطرتهاعلى مراكز التوجيه الفكري والإجتماعيتوفّرت على صنع أجيال ذائبة في الانحراف،الأمر الذي أصبح فيه من المتعذّر علىالتيار الإسلامي السليم مواجهتها، بالنظرلضخامة تلك القوى، وتوفّر الغطاء الواقيلها من مؤسسات وقدرات; ولتعرّض التيارالإسلامي ذاته للخسائر المتتالية. ومن هنا، فإنّ أمر تكثيف التيار الإسلاميوإثرائه كمّاً وكيفاً مسألة لا تقبلالتأجيل، ما دام أمر بقاء الرسالة حيّة ـفكراً وعملاً ـ متوقّفاً على بقاء سلامةهذا التيار في كيان الاُمّة وقواعدهاالشعبية، طالما لم يتسنّ له تسلّمالمرجعية العامة في الإدارة والحكم. ولقد نجحت خطط الإمام (عليه السلام) علىشتّى الأصعدة وحسبما خطّط لها، وفيما يليمصداقان عمليان على ذلك: ففي المجال الإجتماعي أثمرت خطّة الإمام(عليه السلام) حيث حظي بإجلال القطّاعاتالواسعة من الاُمّة وولائها، والمصادرالتأريخية مجمعة على ذلك. قال ابن خلّكان:لمّا حجّ هشام بن عبد الملك في أيام أبيه،فطاف وجهد أن يصل الحجر ليستلمه، فلم يقدرعليه لكثرة الزحام، فنُصِب له منبر وجلسعليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيانأهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زينالعابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبيطالب «رضي الله عنهم»، وكان من أحسن الناسوجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلمّاانتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتىاستلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذيقد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لاأعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكانالفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه،فقالالشامي: من هذا يا أبافراس؟فقال:هذا الذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأتَهُوالبَيتُ يَعرِفُهُ والحِلُّ والحَرَمُهذا ابْنُ خَيرِ عِبادِ اللهِ كُلِّهِمُ هذا النَّقيُّ التَقِيُّ الطاهِرُالعَلَمُإذا رَأَتْهُ قُرَيشٌ قالَ قائِلُها إلى مَكارِمِ هذا يَنتَهي الكَرَمُمُشتَقَّةٌ مِن رَسولِ اللهِ نَبْعَتُهُ طابَتْ عَناصِرُهُ والخِيمُ والشِيَمُهذا ابنُ فاطِمَة إنْ كُنتَ جاهِلَهُ بِجَدِّهِ أنبِياءُ اللهِ قَد خُتِمواالله شَرَّفَهُ قِدْماً وعَظَّمَهُجَرى بِذاك لهُ في لَوحِهِ القَلَمُفَليسَ قَولُكَ مَن هذا بِضائِرِهِالعَربُ تَعرِفُ مَنْ اَنكَرْتَوالعَجَمُمِنْ مَعشَر حُبُّهُمْ دينٌ وبُغْضُهُمُكُفْرٌ وقُرْبُهُم مَنْجىًومُعْتَصَمُإنْ عُدَّ أهْلُ التُقى كانُواأئِمَّتَهُمأو قِيلَ مَنْ خَيرُ أهْلِالأرْضِ قِيلَ هُمُأيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقابِهِمُلاِوَّلِيَّةِ هذا أوْ لَهُ نِعَمُ؟مَنْ يَعرِفِ اللهَ يَعْرِفْأوَّلِيَّةَ ذاوالدينُ مِنْ بَيْتِهذا نالَهُ الأُمَمُفلمّا سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبسالفرزدق، وأنفذ لهالإمام زين العابدين(عليه السلام) اثني عشر ألف درهم، فردّهاوقال: مَدَحتُهُ للهِتعالى لا للعطاء،فقال الإمام (عليه السلام): «إنّا اَهلُبَيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده»،فقبلهامنه الفرزدق(1). إنّ هذه الحادثة توضّح أنّ الإمام (عليهالسلام) كان قد حظي بولاء جماهيريٍّحقيقيٍّ واسع النطاق، بشكل جعل ذلك الولاءيتجسّد حيّاً حتى في أقدس ساعة، وفي موقفعباديّ مشهود، فما أن تلتقي الجماهيرالكثيفة بإمامها الحقّ; حتى توسّع له، لكييؤدّي مناسكه دون أيّة مضايقة عفوية منها،
(1) القصيدة طويلة وهي مذكورة في كثير منالمصادر التأريخية والأدبية، اُنظر:وفيات الأعيان لابن خلّـكان: 6 / 96، الإرشادللمفيد: 2/150، 151 عن محمّد بن اسماعيل بنجعفر الصادق (عليه السلام) وراجع غيرهما منالمصادر في أوائل الفصل الأوّل من البابالأوّل.بالرغم من أنّ الاُمّة تدرك عداء الحكمالاُموي لأهل البيت (عليهم السلام) ومايترتّب على ذلك العداء من موقف تجاه أنصارأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم. وحقّق النشاط العلمي للإمام (عليه السلام)غاياته المتوخّاة، فالمسجد النبويّالشريف ودار الإمام (عليه السلام) شهداطوال خمسة وثلاثين عاماً ـ وهي فترةإمامته ـ نشاطاً فكرياً من الطراز الأول،حيث استقطب الإمام (عليه السلام) طلاّبالمعرفة الإسلامية في جميع حقولها، لا فيالمدينة المنورة ومكّة المكرمة وحدهما،وإنّما في الساحة الإسلامية بأكملها، حتىاستطاع أن يخلقنواة مدرسة فكرية لهاطابعها ومعالمها المميّزة، وتخرّج منهاقادةفكر ومحدّثون وفقهاء. إنّ انفصام عرى الشيعة بعد استشهادالإمام الحسين (عليه السلام) وتَشَتُّتقُواهم كان من أعظم الأخطار التي واجههاالإمام زين العابدين (عليه السلام)باتّجاه استجماع القوى وتكميل الإعداد منجديد، وقد كان هذا الهدف بحاجة إلى إعدادنفسي وعقيدي وإحياء الأمل في القلوب وبثّالعزم في النفوس. وقد تمكّن الإمام زين العابدين (عليهالسلام) بعمله الهادئ والمنظّم أنيشرف علىتكميل هذه الاستعادة، وعلى هذا الإعدادبكل قوّةوبحكمة وبسلامة وجدّ. وقد أطلق الإمام (عليه السلام) نهجاًجهادياً ينهض بأعباء متطلبات المرحلةالخطيرة آنذاك. ويمكن الحديث عن هذا النهجعبر مستويات متعدّدة:
1 ـ الجهاد الفكري والعلمي:
من المعلوم أنّ الفكر السليم هو أحدمقوّمات كلّ حركة سياسية صحيحة، فتثقيفالجماهير وتوعيتها لتكون على علم بما يجريعليهاوحواليها وما يجب لها وعليها من حقوقوواجبات هو الركيزة الاُولى لِصدّالأنظمة الحاكمة الفاسدة التي تسعى علىطول التأريخ في إبعاد الناس عن الحقّوالتعاليم الأصيلة. وقد قام الإمام زين العابدين (عليهالسلام) بأداء دور مهمّ في هذا الميدان،حيث تصدّى للوقوف بوجه المنع السلطويلرواية الحديث(1) فأمر برواية الحديث وحثّعلى ذلك، وكان يطبّق السنّة ويدعو إلىتطبيقها والعمل بها، وقد روي عنه قوله(عليه السلام): إنّ أفضل الأعمال ما عملبالسنّة وإن قلّ(2). وفي الظروف التي عاشها الإمام (عليهالسلام) ـ حيث كان الحكّام بصدد اجتثاثالحقّ من جذوره واُصوله والذي تمثّل فيحفظة القرآن ومفسّريه ـ كانت الدعوة إلىالاعتصام بالقرآن من أهم الواجبات آنذاك،ولقد قام الإمام زين العابدين (عليهالسلام) بجهد وافر في هذا المجال. قال (عليه السلام): «عليك بالقرآن، فإنّالله خلق الجنّة بيده لبنة من ذهب ولبنة منفضة، وجعل ملاطها المسك وترابها الزعفرانوحصاها اللؤلؤ، وجعل درجاتها على قدر آياتالقرآن، فمن قرأ منها قال له: إقرأ وارق،ومن دخل الجنّة لم يكن في الجنّة أعلى درجةمنه، ما خلا النبيّين والصدّيقين»(3). وكانيقول: «لو مات من بين المشرق والمغرب مااستوحشت بعد أن يكون القرآن معي»(4). كما كان يسعى في تمجيد القرآن عملياًوبأشكال مختلفة، وكان أحسنالناس صوتاًبالقرآن(5)، كما كان يرشد الاُمّة من خلالتفسيره للقرآن
(1) كانت عملية منع الحديث ـ تدويناًورواية ـ قد بدأت بعد وفاة الرسول (صلّىالله عليه وآله) مباشرة. (2) المحاسن: 221 ح133. (3) تفسير البرهان: 3 / 156. (4) بحار الأنوار: 46 / 107. (5) المصدر السابق: 70، ب5، ح45.الكريم(1). وبذل الإمام (عليه السلام) جهوداً جبّارةًلتثبيت قواعد التوحيد الإلهي وتشييدأركانه عبر الاستدلال على ذلك بما يوافقالفطرة والعقل السليمين، والردّ علىالأفكار المنحرفة التي غذّاها الحكّام ـمثل فكرة الجبر الإلهي ـ بهدف التمكّن منالسلطة والسيطرة التامة على مصير الناسوالهيمنة على الأفكار بعد السيطرة علىالأفواه والأجسام، وقد ذكرنا أنّ الإمام(عليه السلام) قال لابن زياد الذي أراد أنينسب قتل عليّ بن الحسين إلى الله: «إنّالله يتوفّى الأنفسَ حينموتها»، فالإمامتحدّى الحاكم في مجلسه حين ردّ علىالانحراف العقائدي بتلك الصراحة، وبيّنالفرق بين التوفّي للأنفس واسترجاعها ـالذي نسبه القرآن إلى الله تعالى حين حلولالأجل والموت حتف الأنف ـ وبين القتل الذيهو إزهاق الروح من قبل القاتل قبل حلولالموت المذكور. وفي جوابه (عليه السلام) عن سؤال: أبقدريصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟ قال (عليهالسلام): «إنّ القدر والعمل بمنزلة الروحوالجسد... ولله فيه العون لعبادهالصالحين»، ثمّ قال (عليه السلام): «ألا منأجور الناس من رأى جوره عدلاً، وعدلالمهتدي جوراً»(2). وهكذا تصدّى الإمام (عليه السلام) لعقيدةالتشبيه والتجسيم(3)،وفكرة الإرجاء(4). وعلى صعيد الإمامة والولاية أعلن الإمام(عليه السلام) عن إمامته بنفسه بكلّ وضوحوصراحة ومن دون أيّة تقيّة أو سريّة، وقدتعدّدت الأحاديث
(1) الاحتجاج: 312 ـ 319. (2) التوحيد للصدوق: 366. (3) كشف الغمة: 2 / 89. (4) جهاد الإمام السجاد: 107.المصرّحة بهذا الإعلان، منها قوله (عليهالسلام): «نحن أئمّة المسلمين، وحجج اللهعلى العالمين، وسادة المؤمنين وقادةالغرّ المحجّلين وموالي المؤمنين، ونحنأمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهلالسماء... ولولا ما في الأرض منّا لساختبأهلها، ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدممن حجّة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائبمستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة منحجّة لله فيها، ولو لا ذلك لم يعبد الله»(1). وقال أبو المنهال نصر بن أوس الطائي: قاللي عليّ بن الحسين (عليه السلام): «إلى مَنيذهب الناس؟» قال: قلت: يذهبون ها هنا وهاهنا، قال: «قل لهميجيئون إليّ»(2). وقال له أبو خالد الكابلي: يا مولاي،أخبرني كم يكون الأئمّة بعدك؟ قال:«ثمانية لأنّ الأئمّة بعد رسول الله (صلّىالله عليه وآله) اثنا عشر إماماً، عددالأسباط، ثلاثة من الماضين، وأنا الرابع،وثمانية من ولدي...»(3). والإنحراف الذي حصل عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لم ينحصر في إقصائهم عنالحكم والولاية فقط، بل انتهى إلى الجهلبأحكام الشريعة التي كان الأئمّة همالمرجع الواقعي والصحيح للتعرّف عليها. فالإمام ليس وليّاً للأمر وحاكماً علىالبلاد والعباد فحسب، وإنّما هو مصدر يرجعاليه لفهم الشريعة وتبيين أحكامها،باعتبار معرفته التامة بالشريعة الخاتمةوارتباطه الوثيق بمصادرها الحقيقيّة. وكما أقصى الحكّام أئمّة أهل البيت (عليهمالسلام) عن الحكم والولاية; حاولوا كذلكنفي مرجعيتهم الدينية والعلميّة وإبعادالناس عنهم، لذلك اهتمّ الأئمّة
(1) أمالي الصدوق: 112، الاحتجاج: 317. (2) تأريخ دمشق: الحديث 21. (3) كفاية الأثر: 236 ـ 237.وأتباعهم بإرشاد الناس إلى هذا المعينالصافي للشريعة الإسلامية كي ينهلوا منه،وكان اهتمام الإمام السجاد (عليه السلام)بليغاً بهذا الأمر حتى قال (عليه السلام)لرجل شاجره في مسألة شرعية فقهية: «يا هذا،لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيلفي رحالنا، أيكون أحدٌ أعلم بالسنّةمنّا»(1). وقال (عليه السلام): «إنّ دين الله لايُصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلةوالمقاييس الفاسدة، لا يُصاب إلاّبالتسليم، فمن سلّم لنا سَلِم، ومن اقتدىبنا هُدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأيهلك، ومن وجد في نفسه ـ ممّا نقوله أو نقضيبه ـ حَرَجاً كفر بالّذي أنزل السبعالمثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم»(2).
2 ـ الجهاد الاجتماعي والعملي:
إنّ أهّم أهداف القادة الإلهيّين هوإصلاح المجتمع البشريّ بتربيته علىالتعاليم الالهية، ولا بدّ للمصلح أن يمرّبمراحل من العمل الجادّ والمضني في هذاالطريق الشائك، فعليه: 1 ـ أن يربّي جيلاً من المؤمنين علىالتعاليم الحقّة التي جاء بها الدينوالأخلاق القيّمة التي ينبغي التخلّقبها، لكي يكونوا له أعواناً على الخير. 2 ـ أن يدخل المجتمع بكلّ ثقله، ويحضر بينالناس، ويواجه الظالمين والطغاةبتعاليمه، ويبلغهم رسالات الله. 3 ـ أن يقاوم الفساد الذي يبثّه الظالمونفي المجتمع بهدف شلّقواه، وتفريغه منالمعنويات، وإبعاده عن فطرته السليمةالمعتمدة علىالحقّ والخير.
(1) نزهة الناظر: 45. (2) إكمال الدين: 324، الباب 31، الحديث 9.كان للإمام (عليه السلام) نشاط واسع في كلّهذه المجالات، بحيث يعدّـ بحقٍّ ـ في صدرقائمة المصلحين الالهيين بالرغم من تميّزعصره بتحكّم طغاة بني اُمية على الاُمّةوعلى مقدّراتها وجسم الخلافة الإسلاميةالتي تقتل من يعارضها وتهدر دمه تحت عنوانالخروج على الإسلام. ويمكن الحديث عن أوجه نشاطه (عليه السلام)العملي في الجانب الإجتماعي على عدّة أوجهمنها:
أ ـ الأخلاق والتربية (على مستوى الاُمّةوأتباع أهل البيت (عليهم السلام)):
ضرب الإمام زين العابدين (عليه السلام)أروع الأمثلة في تجسيد الخلق المحمديالعظيم في التزاماته الخاصة وفي سيرته معالناس، بل مع كلّ ما حوله من الموجودات. فكانت تتبلور فيه شخصية القائد الإسلاميالمحنّك الذي جمع بين القابلية العلميةالراقية، والشرف السامق، والقدرة على جذبالقلوب وامتلاكها، ومواجهة المشاكلوالوقوف لصدّها بكلّ صبر وأناة وهدوء. فالصبر الذي تحلّى به وتجلّى لنا من خلالما تحمّله في مأساة كربلاء أكبر شاهد علىعظمة صبره. ومثابرته ومداومته على العمل الإسلاميبارزة للعيان، وهذا الفصل يمثّل جزءاً مننشاطه السياسي والإجتماعي الجادّ. وحديث مواساته للإخوان والفقراءوالمساكين والأرامل والأيتام بالبذلوالعطاء والإنفاق ممّا اشتهر عند الخاصّوالعامّ. وحُنوّه وحنانه على العبيد وعلى الأقاربوالأباعد بل على أعدائه وخصومه ممّا سارتبه الركبان.وأخبار عبادته وخوفه من الله جلّ جلالهوإعلانه ذلك في كلّ مناسبة ملأت الصحف حتىخصّ بلقب «زين العابدين» و «سيّدالساجدين». وسنتحدّث عن بعض ذلك فيما بعدبإذنه تعالى، كما أنّنا أشرنا إلى جانببسيط جدّاً من ذلك سابقاً.
ب ـ الإصلاح والدولة:
لقد شاع عند بعض المؤرّخين أنّ الأئمّة منأبناء الحسين (عليهم السلام) قد اعتزلوابعد مذبحة كربلاء السياسة، وانصرفوا إلىالإرشاد والعبادة والإنقطاع إلى الدنيا(1). ويدلّلون على قولهم هذا بتأريخ حياةالإمام السجاد (عليه السلام) ودعوىانعزاله عن الحياة الإسلامية العامة،ويبدو أنّ سبب هذه التصوّرات الخاطئة لدىالمؤرّخين هو ما بدا لهم من عدم احتدامالأئمّة بعد الحسين (عليه السلام) على عملمسلّح ضد الوضع الحاكم مع إعطائهم الجانبالسياسي من القيادة معنىً ضيّقاً لا ينطبقإلاّ على عمل مسلّح من هذا القبيل. إنّ ما يقال من أنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) من أبناء الحسين (عليهالسلام) اعتزلوا السياسة وانقطعوا عنالدنيا فهو زعم يكذّبه وينفيه واقع حياةالأئمّة الزاخرة كلّها بالشواهد علىايجابية المشاركة الفعّالة التي كانوايمارسونها. فمن ذلك علاقات الإمام زين العابدين (عليهالسلام) بالاُمّة والزعامة الجماهيريةالواسعة النطاق والتي كان يتمتّع بها علىطول الخط(2); فإنّ هذه الزعامة لم يكن ليحصلعليها الإمام (عليه السلام) صدفةً أو علىأساس مجرّد
(1) نشأة الشيعة والتشيّع، للشهيد السيّدمحمد باقر الصدر. (2) قد أشرنا إلى حادثة استلام الإمام (عليهالسلام) للحجر بعد أن انفرج الحجيج له،راجعالانتساب إلى الرسول (صلّى الله عليهوآله) بل على أساس العطاء والدور الايجابيالذي كان يمارسه الإمام في الاُمّة بالرغممن إقصائه عن مركز الحكم; فإنّ الاُمّة لاتمنح ـ على الأغلب ـ الزعامة مجاناً، ولايمتلك الفرد قيادتها ويحتلّ قلوبها بدونعطاء سخيّ منه تستشعره الاُمّة في مختلفمجالاتها، وتستفيد منه في حلّ مشكلاتهاوالحفاظ على رسالتها. ومع أنّ مزاولات الإمام (عليه السلام)الدينية كلّها من صميم العمل السياسيوخاصّةً في عصره حيث لم يُسمع نغمُ الفصلبين السياسة والدين بعد، نجد في طيّاتحياة الإمام (عليه السلام) عيّنات واضحة منالتدخّلات السياسية الصريحة، فهو كمايبدو من النصوص الصادرة عنه تجده رجلاًمشرفاً على الساحة السياسية، يدخلمحاورات حادّة، ويتابع مجريات الأحداث،ويدلي بتصريحات خطيرة ضد الأوضاع الفاسدةالتي تعيشها الاُمّة وإليك بعض النماذجعلى ذلك: 1 ـ قال عبد الله بن الحسن بن الحسن: كانعليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب يجلسكلّ ليلة هو وعروة بن الزبير في مؤخّر مسجدالنبي (صلّى الله عليه وآله) بعد العشاءالآخرة، فكنت أجلس معهما، فتحدّثا ليلة،فذكروا جور من جار من بني اُميّة والمقاممعهم، فقال عروة لعليّ: يا عليّ إنّ مناعتزل أهل الجور والله يعلم منه سخطهلأعمالهم، فكان منهم على ميل ثم أصابتهمعقوبة الله رُجي له أن يسلم ممّا أصابهم. قال: فخرج عروة، فسكن العقيق.قال عبد الله بن الحسن: وخرجت أنا فنزلتسويقة(1). أمّا الإمام (عليه السلام) فلم يخرج، بلآثر البقاء في المدينة طوال حياته; لأنّهكان يعدّ مثل هذا الخروج فراراً من الزحفالسياسي وإخلاءً للساحة الاجتماعيةللظالمين، يجولون فيها ويصولون(2). ولعلّ اقتراح عروة بن الزبير ـ وهو منأعداء أهل البيت (عليهم السلام) (3) ـ كانتدبيراً سياسياً منه أو من قبل الحكّاملإبعاد الإمام (عليه السلام) عن الحضور فيالساحة السياسية والاجتماعية، لكنّه(عليه السلام) لم يخرج وظلّ يواصل مسيرتهالجهادية. 2 ـ قال (عليه السلام): «إنّ للحق دولة علىالعقل، وللمنكر دولة على المعروف، وللشرّدولة على الخير، وللجهل دولة على الحلم،وللجزع دولة على الصبر، وللخرق دولة علىالرفق، وللبؤس دولة على الخصب، وللشدّةدولة على الرخاء، وللرغبة دولة على الزهد،وللبيوت الخبيثة دولة على بيوتات الشرف،وللأرض السبخة دولة على الأرض العذبة،فنعوذ بالله من تلك الدول ومن الحياة فيالنقمات»(4). وإذا كانت الدولة في اللسان العربي هيالغلبة والاستيلاء ـ وهي منأبرز مقوماتالسلطة الحاكمة ـ فإنّ الإمام (عليهالسلام) يكون قد أدرج قضيةالسلطة السياسيةفي سائر القضايا الحيوية والطبيعية التييهتمّ بها ويفكّرفي إصلاحها. فمن يا ترى؟ ومن هي البيوتات الشريفةالمغلوبة في عصره (عليه السلام)؟
(1) مختصر تأريخ دمشق: 17 / 21. (2) جهاد الإمام السجاد (عليه السلام): 154. (3) لاحظ تنقيح المقال: 2 / 251. (4) تأريخ دمشق: 41/410، مختصر ابن منظور: 17 / 255.وهل التعوّذ بالله تعالى من دولة السلطانيعني أمراً غير رفض وجوده والتنديدبسلطته؟ وهل يتصوّر السياسي أن يكون لهحضور أقوى من هذا في مثل ظروف الإمام (عليهالسلام) وموقعه وضمن تخطيطه الشامل فيقيادةحركيّة الإسلام؟ وهل يصدر مثل هذا منرجل ادُّعي أنّه ابتعد عن السياسةأواعتزلها؟.
ج ـ مقاومة الفساد:
وإذا كان من أهم واجبات المصلح وخاصةًالمصلح الإلهي مقاومة الفساد ومحاربةالمفسدين في الأرض; فإنّ الإمام زينالعابدين (عليه السلام) قام بدور بارز فيأداء هذا الواجب. وقد تميّز عصره (عليه السلام) بمشاكلاجتماعية من نوع خاص، وقد تكون موجودة فيكثير من العصور، إلاّ أنّ بروزها في عصرهكان واضحاً ومكثّفاً، كما أنّ الإمام(عليه السلام) قام بمعالجتها باُسلوبهالخاصّ، ممّا أعطاها صبغة فريدة تميّزت فيجهاد الإمام (عليه السلام) وأهمها مشكلةالفقر العام ومشكلة الرقّ والعبيد. وسنعرضلهما في فصل قادم إن شاء الله تعالى.
ظواهر فذّة في حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام)
تميّزت حياة الإمام زين العابدين (عليهالسلام) بمظاهر فذّة، وهي وإن كانت متوفرةفي حياة آبائه الطاهرين وأبنائه الأئمّةالمعصومين (عليهم السلام) إلاّ أنّها برزتفي سيرته (عليه السلام) بشكل أكثر وضوحاًوأوسع دوراً، ممّا دعانا إلى تسليط الضوءعليها أشدّ من غيرها، وهي: أ ـ ظاهرة العبادة. ب ـ ظاهرة الدعاء. ج ـ ظاهرة البكاء. د ـ ظاهرة الإعتاق. فإذا سبرنا حياة الأئمّة (عليهم السلام)وجدناهم ـ كلّهم ـ يتميّزون في هذهالمظاهر على أهل زمانهم، إلاّ أنّها فيحياة الإمام زين العابدين (عليه السلام)تجلّت بقوة، حتى كان (عليه السلام) فريداًفي كلّ منها. ظاهرة العبادة في حياة الإمام (عليهالسلام): أجمع معاصروا الإمام زين العابدين (عليهالسلام) على أنّه كان من أعبد الناسوأكثرهم طاعة لله تعالى، ولم ير الناسمثله في عظيم إنابته وعبادته، وقد بهربها المتّقون والصالحون، وحسبه أنّه وحدهالذي قد لُقّب بزين العابدين وسيّدالساجدين في تأريخ الإسلام. أمّا عبادته (عليه السلام) فكانت ناشئة عنإيمانه العميق بالله تعالى وكمال معرفتهبه، وقد عبده لا طمعاً في جنّته ولا خوفاًمن ناره، وإنّما وجده أهلاً للعبادةفعبده، وشأنه في ذلك شأن جدّه أميرالمؤمنين وسيّد العارفين وإمام المتّقين،وقد أعرب (عليه السلام) عن عظيم إخلاصه فيعبادته بقوله: «إنّي أكره أن أعبد الله ولاغرض لي إلاّ ثوابه، فأكون كالعبد الطامعإن طمع عمل وإلاّ لم يعمل، وأكره أن أعبدهلخوف عذابه، فأكون كالعبد السوء إن لم يخفلم يعمل...». فانبرى إليه بعض الجالسين فقال له: فبمتعبده؟ فأجابه عن خالص إيمانه: «وأعبُدُهلما هو أهله بأياديه وإنعامه»(1). ولقد مَلأ حبّ الله تعالى قلب الإمام(عليه السلام) وسخّر عواطفه فكان مشغولاًبعبادة الله وطاعته في جميع أوقاته، وقدسُئلت جارية له عن عبادته فقالت: اُطنب أوأختصر؟ قيل لها: بل اختصري. فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً قطّ، ومافرشت له فراشاً بليل، قطّ(2). لقد قضى الإمام (عليه السلام) معظم حياتهصائماً نهاره، قائماً ليله، مشغولاًتارةً بالصلاة، واُخرى بالدعاء.
(1) حياة الإمام زين العابدين: 187 نقلاً عنتفسير الإمام الحسن العسكري. (2) الخصال: 488.
عبادة الإمام
1 ـ وضوؤه:
الوضوء هو نور وطهارة من الذنوب،والمقدمة الاولى للصلاة، وكان الإمام(عليه السلام) دوماً على طهارة، وقد تحدّثالرواة عن خشوعه لله في وضوئه، فقالوا:إنّه إذا أراد الوضوء اصفرّ لونه، فيقولله أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟فيجيبهم قائلاً: «أتدرون بين يدي مَنأقوم؟!»(1).
2 ـ صلاته:
أمّا الصلاة فمعراج المؤمن وقربان كلّتقيّ كما في الحديث الشريف، وكانت الصلاةمن أهم الرغبات النفسية للإمام (عليهالسلام) فقد اتّخذها معراجاً ترفعه إلىالله تعالى، وكانت تأخذه رعدة إذا أرادالشروع في الصلاة، فقيل له في ذلك فقال:«أتدرون بين يدي من أقوم، ومن اُناجي؟!»(2).ونعرض لبعض شؤونه في حال صلاته.
أ ـ تطيّبه للصلاة:
وكان الإمام إذا أراد الصلاة تطيّب منقارورة كان قد جعلها في مسجد صلاته(3).
وكان الإمام (عليه السلام) إذا أرادالصلاة لبس الصوف وأغلظ الثياب(1)، مبالغةمنه في إذلال نفسه أمام الخالق العظيم.
ج ـ خشوعه في صلاته:
كانت صلاته تمثّل الانقطاع التامّ إلىالله جلّ جلاله والتجرّد من عالمالمادّيات، فكان لا يحسّ بشيء من حوله، بللا يحسّ بنفسه فيما تعلّق قلبه باللهتعالى، ووصفه الرواة في حال صلاته،فقالوا: كان إذا قام إلى الصلاة غشي لونهبلون آخر، وكانت أعضاؤه ترتعد من خشيةالله، وكان يقف في صلاته موقف العبدالذليل بين يدي الملك الجليل، وكان يصلّيصلاة مودِّع يرى أنّه لا يصلّي بعدهاأبداً(2). وتحدّث الإمام الباقر (عليه السلام) عنخشوع أبيه في صلاته فقال: «كان عليّ بنالحسين إذا قام في الصلاة كأنـّه ساق شجرةلا يتحرك منه شيء إلاّ ما حركت الريحمنه»(3). ونقل أبان بن تغلب إلى الإمام الصادق(عليه السلام) صلاة جدّه الإمام السجاد(عليه السلام) فقال له: إنّي رأيت عليّ بنالحسين إذا قام في الصلاة غشي لونه بلونآخر، فقال له الإمام الصادق (عليه السلام):«والله إنّ عليّ بن الحسين كان يعرف الذييقوم بين يديه...»(4). وكان من مظاهر خشوعه في صلاته أنّه إذاسجد لا يرفع رأسه حتى
(1) بحار الأنوار: 46 / 108. (2) حياة الإمام زين العابدين (عليهالسلام): 190. (3) وسائل الشيعة: 4 / 685. (4) المصدر السابق.يرفض عرقاً(1) أو كأنّه غمس في الماء منكثرة دموعه وبكائه(2)، ونقل عن أبي حمزةالثمالي أنّه رأى الإمام قد صلّى فسقطالرداء عن أحد منكبيه فلم يسوّه فسأله أبوحمزة عن ذلك فقال له: «ويحك، أتدري بين يديمَنْ كنتُ؟ إنّ العبد لا يقبل من صلاتهإلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه»(3).
د ـ صلاة ألف ركعة:
وأجمع المترجمون للإمام (عليه السلام)أنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألفركعة(4)، وأنّه كانت له خمسمائة نخلة، فكانيصلّي عند كلّ نخلة ركعتين(5) ونظراً لكثرةصلاته; فقد كانت له ثفنات في مواضع سجودهكثفنات البعير، وكان يسقط منها في كلّسنة، فكان يجمعها في كيس، ولمّا توفّي(عليه السلام) دفنت معه(6).
هـ ـ كثرة سجوده:
إنّ أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو في حالسجوده كما في الحديث الشريف، وكان الإمام(عليه السلام) كثير السجود لله تعالىخضوعاً وتذلّلاً له، وروي: أنّه خرج مرّةًإلى الصحراء فتبعه مولىً له فوجده ساجداًعلى حجارة خشنة، فأحصى عليه ألف مرّة يقول:«لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً، لا إلهإلاّ الله تعبّداً ورقّاً، لا إله إلاّالله إيماناً وصدقاً»(7).
(1) تهذيب الأحكام: 2 / 286 ح1146. (2) بحار الأنوار: 46 / 108. (3) علل الشرائع: 88، بحار الأنوار: 46 / 61. (4) تهذيب التهذيب: 7 / 306، نور الأبصار: 136،الإتحاف بحب الأشراف: 49، ومصادر اُخرى. (5) بحار الأنوار: 46 / 61، الخصال: 487. (6) الخصال: 488. (7) وسائل الشيعة: 4 / 981.وكان يسجد سجدة الشكر، ويقول فيها مئةمرّة: «الحمد لله شكراً»، ثمّ يقول: «يا ذاالمنّ الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصيهغيره عدداً، ويا ذا الجود الذي لا ينفدأبداً، يا كريم، يا كريم» ويتضرّع بعد ذلكويذكر حاجته(1).
و ـ كثرة تسبيحه:
وكان دوماً مشغولاً بذكر الله تعالىوتسبيحه وحمده، وكان يسبّح الله بهذهالكلمات: «سبحان من أشرق نوره كلّ ظلمة،سبحان من قدّر بقوته كلّ قدرة، سبحان مناحتجب عن العباد بطرائق نفوسهم فلا شيءيحجبه، سبحان الله وبحمده»(2).
ز ـ ملازمته لصلاة الليل:
من النوافل التي كان لا يَدَعُها الإمام(عليه السلام) صلاة الليل، فكان مواظباًعليها في السفر والحضر(3) إلى أن انتقل إلىالرفيق الأعلى.
ح ـ دعاؤه بعد صلاة الليل:
وكان (عليه السلام) إذا فرغ من صلاة الليلدعا بهذا الدعاء الشريف، وهو من غرر أدعيةأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وإليك بعضمقاطعه: «اللهمّ يا ذا الملك المتأبد بالخلودوالسلطان، الممتنع بغير جنود ولا أعوان،والعزّ الباقي على مرّ الدهور وخواليالأعوام(4) ومواضي الأزمان والأيام، عزّسلطانك عزاً لا حدّ له بأوّلية ولا منتهىله بآخرية، واستعلى ملكك علوّاً سقطتالأشياء دون بلوغ أمده(5) ولا
(1) وسائل الشيعة: 4 / 1079. (2) دعوات القطب الراوندي: 34. (3) عن صفة الصفوة: 2 / 53 وكشف الغمة: 2 / 263. (4) خوالي الأعوام: مواضيها. (5) أمده: غايته.يبلغ أدنى ما استأثرت من ذلك أقصى نَعتالناعتين، ضلّت فيك الصفات وتفسّخت(1) دونكالنعوت، وحارت في كبريائك لطائف الأوهام،كذلك أنت الله الأوّل في أوّليّتك، وعلىذلك أنت دائمٌ لا تزول، وأنا العبد الضعيفعملاً الجسيم أملاً، خرجت من يدي أسبابالوصلات(2) إلاّ ما وصله رحمتك، وتقطّعتعنّي عصم(3) الآمال إلاّ ما أنا معتصم به منعفوك، قلّ عندي ما أعتد به من طاعتك، وكثرعليّ ما أبوء(4) به من معصيتك، ولن يضيقعليك عفوٌ عن عبدك، وإن أساء فاعف عنّي...». «اللهمّ إنّي أعوذ بك من نار تغلّظت بهاعلى مَن عصاك، وتوعّدت بها على من صدف(5) عنرضاك، ومن نار نورها ظلمة، وهيّنها أليم،وبعيدها قريب، ومن نار يأكل بعضها بعضٌ،ويصول(6) بعضُها على بعض، ومن نار تذر(7)العظام رميماً(8)، وتسقي أهلها حميماً(9)،ومن نار لا تبقي على مَن تضرّع اليها، ولاترحم من استعطفها، ولا تقدر على التخفيفعمّن خشع لها واستسلم اليها، تلق سكانهابأحرّ ما لديها من أليم النكال(10) وشديدالوبال(11)...»(12).
(1) تفسخت: أي تقطّعت وتمزّقت وبطلت، فإنّكفوق نعت الناعتين. (2) الوصلات: وُصلة ـ بالضم ـ وهي ما يتوصلبه إلى المطلوب، يعني أنّه قد فاتتنيالأسباب التي يتوصل بها إلى السعاداتالاُخروية إلاّ السبب الذي هو رحمتك فانهلا يفوت من أحد، لأنّها وسعت كلّ شيء. (3) عِصَم: جمع عصمة، وهي الوقاية والحفظ. (4) ما أبوء: أقرّ وأرجع. (5) صدف: خرج وأعرض. (6) يصول: من الصولة بمعنى الحملة. (7) تذر: تترك. (8) رميماً: بالياً. (9) حميماً: ماء شديد الحرارة. (10) النكال: العقوبة. (11) الوبال: الوخامة وسوء العاقبة. (12) الصحيفة الكاملة السجادية: الدعاء 32.وذبل الإمام (عليه السلام) من كثرةالعبادة وأجهدته أيّ إجهاد، وقد بلغبهالضعف أنّ الريح كانت تميله يميناًوشمالاً بمنزلة السنبلة(1) التيتميلهاالريح. وقال ابنه عبد الله: كان أبي يصلّي بالليلفإذا فرغ يزحف إلى فراشه(2). وأشفق عليه أهله ومحبّوه من كثرة ما بانعليه من الضعف والجهد من كثرة عبادته،فكلّموه في ذلك لكنّه (عليه السلام) أصرّعلى شدّة تعبّده حتى يلحق بآبائه، قال لهأحد أبنائه: يا أبت كم هذا الدؤوب (يعنيالصلاة)؟ فأجابه الإمام (عليه السلام):«أتَحَبّبُ إلى ربّي»(3). وقال جابر بن عبدالله الأنصاري للإمام(عليه السلام): ياابن رسول الله! أما علمتأنّ الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمنأحبّكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم،فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟ فأجابهالإمام (عليه السلام): «يا صاحب رسول الله،أما علمت أنّ جدي رسول الله (صلّى اللهعليه وآله) قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبهوما تأخّر، فلم يَدَع الإجتهاد له، وتعبّدـ بأبي واُمي ـ حتى انتفخ ساقه وورم قدمه،وقد قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال (صلّى اللهعليه وآله): أفلا أكون عبداً شكوراً؟». فقال له جابر: ياابن رسول الله، البُقْياعلى نفسك، فإنّك من اُسرة بهم يستدفعالبلاء، وبهم يستكشف الأدواء، وبهمتُستمطر السماء...» فأجابه الإمام (عليهالسلام): «لا أزال على منهاج أَبَوَيَّمتأسِّياً بهما حتى ألقاهما...»(4).
(1) الإرشاد: 272، روضة الواعظين: 1 / 237. (2) بحار الأنوار: 46 / 99. (3) المصدر السابق: 46 / 99. (4) مناقب آل أبي طالب: 4/161، 162.
3 ـ صومه:
وقضى الإمام معظم أيام حياته صائماً، وقدقالت جاريته حينما سئلت عن عبادته: «ماقدّمتُ له طعاماً في نهار قطّ» وقد أحبَّالصومَ وحثَّ عليه إذ قال (عليه السلام):«إنّ الله تعالى وكّل ملائكةبالصائمين»(1)، وكان (عليه السلام) لا يفطرإلاّ في يوم العيدين وغيرهما ممّا كان لهعذر. وكان له شأن خاص في شهر رمضان، أنّه لميترك نوعاً من أنواع البِرّ والخير إلاّأتى به، وكان لا يتكلم إلاّ بالتسبيحوالإستغفار والتكبير، وإذا أفطر قال:«اللّهم إن شئت أن تفعل فعلت»(2). وكان (عليه السلام) يستقبل شهر رمضان بشوقورغبة لانّه ربيع الأبرار، وكان يدعو لدىدخول شهر الله تعالى بدعاء نقتطف منه بعضالفقرات، قال (عليه السلام): «الحمد لله الذي هدانا لحمده وجعلنا منأهله; لنكون لإحسانه من الشاكرين،وليجزينا على ذلك جزاء المحسنين. والحمد لله الذي حبانا بدينه، واختصّنابملّته، وسَبَّلَنا(3) في سُبُلِ إحسانه،لنسلكها بمنّه إلى رضوانه... والحمد للهالذي جعل من تلك السبل شهره شهر رمضان شهرالصيام وشهر الإسلام وشهر الطهور وشهرالتمحيص وشهر القيام... اللّهم صلّ على محمد وآله، وألهمنا معرفةفضله، وإجلال حرمته، والتحفّظ ممّا حظرتفيه، وأعِنّا على صيامه بكفّ الجوارح عنمعاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتى لانُصغي بأسماعنا إلى لغو، ولا نسرعبأبصارنا إلى لهو، وحتى لا نبسط أيديناإلى محظور، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور،وحتى لا تعي بطوننا إلاّ ما أحلَلْت، ولاتنطق ألسنتنا
(1) دعوات الراوندي: 4. (2) فروع الكافي: 4 / 88. (3) سبّلنا: أدخلنا.إلاّ بما مثّلت، ولا نتكلّف إلاّ ما يدنيمن ثوابك، ولا نتعاطى إلاّ الذي يقي منعقابك، ثم خلّص ذلك كلّه من رئاء المرائينوسُمعة المسمعين، لا نُشرك فيه أحداًدونك، ولا نبتغي فيه مراداً سواك... اللهمّ اشحنه(1) بعبادتنا إيّاك، وزيّنأوقاتنا بطاعتنا لك، وأعنّا في نهاره علىصيامه، وفي ليله على الصلاة والتضرع اليكوالخشوع لك والذلّة بين يديك حتى لا يشهدنهاره علينا بغفلة ولا ليله بتفريط. اللهمّ واجعلنا في سائر الشهور والأيامكذلك ما عمّرتنا...»(2). وكان الإمام زين العابدين (عليه السلام)في كلّ يوم من أيام شهر رمضان يأمر بذبحشاة وطبخها... فإذا نضجت يقول: «هاتواالقصاع» ويأمر بأن يُفرَّق على الفقراءوالأرامل والأيتام حتى يأتي على آخرالقدور ولا يبقي شيئاً لإفطاره، وكان يفطرعلى خبز وتمر(3). ومن مَبَرّات الإمام (عليه السلام) في شهررمضان المبارك كثرة عتقه وتحرير أرقّائهمن رقّ العبودية، على أنهم كانوا يعيشونفي ظلاله محترمين، فكان يعاملهم كأبنائه،وكان (عليه السلام) لا يعاقب أمةً ولاعبداً إذا اقترفا ذنباً، وإنّما كان يسجّلاليوم الذي أذنبوا فيه، فإذا كان آخر شهررمضان جمعهم وأظهر الكتاب الذي سجّل فيهذنوبهم، ويقول: «ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا عليّ بنالحسين! إنّ ربّك قد أحصى عليك كلّ ماعملتَ، كما أحصيت علينا ما عملناه، ولديهكتاب ينطق بالحقّ لا يغادر صغيرة ولاكبيرة ممّا أتيت إلاّ أحصاها، وتجد كلّ ماعملت لديه حاضراً، كما وجدنا كلّ ما عملنالديك حاضراً،
(1) أي: املأه بعبادتنا إيّاك. (2) الصحيفة الكاملة السجادية: الدعاء 44. (3) بحار الأنوار: 46 / 72.فاعف واصفح، كما ترجو من المليك العفو،وكما تحبّ أن يعفو المليك عنك، فاعف عنّاتجده عَفُوّاً، وبك رحيماً ولك غفوراً،ولا يظلم ربّك أحداً... كما لديك كتاب ينطقبالحقّ علينا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرةممّا أتيناه إلاّ أحصاها، فاذكر يا عليّبن الحسين ذلّ مقامك بين يدي ربّك الحَكَمالعدل الذي لا يظلم مثقال حبّة من خردل،ويأتي بها يوم القيامة، وكفى بالله حسيباًوشهيداً، فاعف واصفح يعف عنك المليكويصفح، فإنّه يقول: (وليعفوا وليصفحوا ألاتحبون أن يغفر الله لكم) (1). وكان يلقّنهم بتلك الكلمات التي تمثّلانقطاعه التامّ إلى الله تعالى واعتصامهبه، وهو واقف يبكي من خشيته تعالى ويقول: «ربِّ إنّك أمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا،وقد عفونا عمّن ظلمنا كما أمرت فاعف عنّافإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين،وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا،وقد أتيناك سُؤّالاً ومساكين، وقدأنَخْنا بفنائك وببابك نطلب نائلكومعروفك وعطاءك فامنن بذلك علينا، ولاتخيّبنا فإنّك أولى بذلك منّا ومنالمأمورين، إلهي كَرُمتَ فأكرِمني، إذكنت من سُؤّالك وجُدْتَ بالمعروف فأخلطنيبأهل نوالك يا كريم...». ثم يُقبِلُ عليهم بوجهه الشريف وقد تبلّلمن دموع عينيه قائلاً لهم بعطف وحنان: «قدعفوت عنكم، فهل عفوتم عنّي؟ وممّا كانمنّي من سوء ملكة، فإنّي مليك سوء لئيمظالم، مملوك لمليك كريم جواد عادل محسنمتفضّل...» وينبري العبيد قائلين له: قدعفونا عنك يا سيّدنا، فيقول لهم: «قولوا:اللهمّ اعف عن عليّ بن الحسين كما عفاعنّا، فاعتقه من النار كما أعتق رقابنا منالرق». فيقولون ذلك، ويقول بعدهم: «اللهمّ آمينربّ العالمين، اذهبوا فقد عفوت عنكم،وأعتقت رقابكم رجاءً للعفو عنّي وعتقرقبتي» فإذا كان يوم عيد الفطر
(1) سورة النور (24): 22.أجازهم جائزة سنيّة تغنيهم عمّا في أيديالناس(1).
4 ـ دعاؤه:
أ ـ دعاؤه في الأسحار:
وكان الإمام (عليه السلام) يناجي ربّهويدعوه بتضرّع وإخلاص في سحر كلّ ليلة منليالي شهر رمضان بالدعاء الجليل الذي عرفبدعاء أبي حمزة الثمالي; لأنّه هو الذيرواه عنه، وهو من غرر أدعية أهل البيت(عليهم السلام) وهو يمثّل مدى إنابتهوانقطاعه إلى الله تعالى كما أنّ فيه منالمواعظ ما يوجب صرف النفس عن غرورهاوشهواتها، كما يمتاز بجمال الاُسلوبوروعة البيان وبلاغة العرض، وفيه منالتذلّل والخشوع والخضوع أمام الله تعالىما لا يمكن صدوره إلاّ عن إمام معصوم. وقد احتلّ هذا الدعاء مكانة مهمّة في نفوسالأخيار والصلحاء من المسلمين، إذ واظبواعلى الدعاء به، وممّا قاله الإمام (عليهالسلام) في دعائه: «إلهي، لا تؤدّبني بعقوبتك، ولا تمكر بيفي حيلتك، من أين لي الخير يا ربّ ولا يوجدإلاّ من عندك؟ ومن أين لي النجاة ولاتستطاع إلاّ بك؟ لا الذي أحسن استغنى عنعونك ورحمتك، ولا الذي أساء واجترأ عليكولم يرضك خرج عن قدرتك... بك عرفتك وأنت دللتني عليك ودعوتني اليك،ولو لا أنت لم أدر ما أنت. الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني وإن كنتُبطيئاً حين يدعوني، والحمد لله الذي أسألهفيعطيني وإن كنت بخيلاً حين يستقرضني... أدعوك يا سيدي بلسان قد أخرسه ذنبه، ربّاُناجيك بقلب قد أوبقه جرمه، أدعوك يا ربّراهباً راغباً راجياً خائفاً، إذا رأيتمولاي ذنوبي فزعتُ، وإذا رأيت كرمك طمعت...
(1) بحار الأنوار: 46 / 103 ـ 105.يا واسع المغفرة، يا باسط اليدينبالرحمة، فوعزّتك يا سيّدي لو نهرتني مابرحتُ(1) من بابك ولا كففت عن تملّقك(2) لماانتهى إليّ من المعرفة بجودك وكرمك... اللهمّ إنّي كلّما قلت قد تهيّأت وتعبّأتوقمت للصلاة بين يديك وناجيتك ألقيت عليّنعاساً إذا أنا صلّيت وسلبتني مناجاتك إذاأنا ناجيت، ما لي كلّما قلتُ قد صلُحتسريرتي(3) وقرب من مجالس التوابين مجلسيعرضت لي بلية أزالت قدمي وحالت بيني وبينخدمتك. سيدي لعلّك عن بابك طردتني، وعنخدمتك نحيتني، أو لعلّك رأيتني مستخفّاًبحقّك فأقصيتني، أو لعلّك فقدتني من مجالسالعلماء فخذلتني، أو لعلّك رأيتني فيالغافلين فمن رحمتك آيستني، أو لعلّكرأيتني آلف مجالس البطّالين فبيني وبينهمخلّيتني، أو لعلّك لم تحبّ أن تسمع دعائيفباعدتني، أو لعلّك بجرمي وجريرتيكافيتني، أو لعلّك بقلّة حيائي منكجازيتني... إلهي، لو قرنتني بالأصفاد ومنعتني سيبك(4)من بين الأشهاد ودللت على فضايحي عيونالعباد وأمرت بي إلى النار وحلت بيني وبينالأبرار; ما قطعتُ رجائي منك، وما صرفتتأميلي للعفو عنك، ولا خرج حبّك من قلبي... ارحم في هذه الدنيا غربتي، وعند الموتكربتي، وفي القبر وحدتي، وفي اللحد وحشتي،وإذا نُشرتُ للحساب بين يديك ذلّ موقفي،واغفر لي ما خفي على الآدميّين من عملي،وأدم لي مابه سترتني، وارحمني صريعاً علىالفراش، تقلّبني أيدي أحبّتي، وتفَضَّلعليّ ممدوداً على المغتسل يقلّبُني صالحجيرتي، وتحنّنْ عليّ محمولاً قد تناولالأقرباء أطراف جنازتي، وجُد عليّمنقولاً قد نزلتُ بك وحيداً في حفرتي،وارحم في ذلك البيت
(1) بَرحَ المكان ومنه: زال عنه. (2) تملقك: التودّد اليك. (3) سريرتي: نيّتي. (4) السَيْب: العطاء.الجديد غربتي، حتى لا أستأنس بغيرك...»(1). وكان الإمام (عليه السلام) يتأثّر إذاانطوت أيام شهر رمضان; لأنّه عيد أولياءالله تعالى، وكان يودّعه بدعاء جليل نقتطفمنه ما يلي: «السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيدأوليائه. السلام عليك يا أكرم مصحوب من الأوقات،ويا خير شهر في الأيام والساعات. السلام عليك من شهر قربت فيه الآمال،ونشرت فيه الأعمال. السلام عليك من قرين جلّ قدره موجوداً،وأفْجع فقده مفقوداً، ومرجوٍّ آلم فراقه. السلام عليك من أليف آنس مقبلاً فسرّ،وأوحش منقضياً فمضّ(2). السلام عليك من مجاور رقّت فيه القلوب،وقلّت فيه الذنوب. السلام عليك من ناصر أعان على الشيطان. السلام عليك وعلى ليلة القدر التي هي خيرمن ألف شهر. السلام عليك ما كان أحرصنا بالأمس عليك،وأشدّ شوقنا غداً إليك. اللهمّ اسلخنا بانسلاخ هذا الشهر(3) منخطايانا، وأخرجنا بخروجه من سيئاتنا،واجعلنا من أسعد أهله به، وأجزلهم قسماًفيه، وأوفرهم حظّاً منه...»(4).
5 ـ حجّه (عليه السلام):
وكان يحثّ على الحج والعمرة بقوله: حجّواواعتمروا تصح أجسادكم، وتتّسع أرزاقكم،ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناسومؤونة عيالكم»(5).
(1) راجع: مفاتيح الجنان «الدعاء المعروفبدعاء أبي حمزة الثمالي». (2) مضّ: آلَم. (3) انسلخ الشهر: مضى. (4) راجع: الصحيفة السجادية «الدعاء فيوداع شهر رمضان». (5) وسائل الشيعة: 8 / 5.وقال (عليه السلام): «الحاج مغفور له،وموجوب له الجنّة، ومستأنف به العمل،ومحفوظ في أهله وماله»(1). وقال (عليه السلام): «الساعي بين الصفاوالمروة تشفع له الملائكة»(2). وكان (عليه السلام) يدعو إلى تكريمالحجّاج إذا قدموا من بيت الله الحرامويقول: «استبشروا بالحجّاج إذا قدمواوصافِحوهم، وعظّموهم تشاركوهم في الأجرقبل أن تخالطهم الذنوب»(3). وحجّ (عليه السلام) غير مرّة ماشياً كما حجأبوه وعمّه الحسن (عليهم السلام)، وحج علىناقته عشرين حجّة وكان يرفق بها كثيراً. وقال ابراهيم بن عليّ: حججتُ مع عليّ بنالحسين فتلكّأتْ ناقته فأشار اليهابالقضيب، ثم ردّ يده، وقال: «آه منالقصاص...»(4). وكان الإمام (عليه السلام) إذا أراد السفرإلى بيت الله الحرام احتفّ به القرّاءوالعلماء; لأنّهم كانوا يتزوّدون منهالعلوم والمعارف والحكم والآداب، وقالسعيد بن المسيب: إنّ القرّاء كانوا لايخرجون إلى مكّة حتى يخرج عليّ بن الحسين،فخرج وخرجنا معه ألف راكب(5). واذا انتهى الإمام إلى إحدى المواقيتالتي يحرم منها; يأخذ بعمل سننالإحرام،وإذا أراد التلبية عند عقد الإحرام اصفرّلونه واضطربولم يستطع أن يلبّي، فاذا قيلله: ما لك لا تلبّي؟ قال: «أخشى أن أقول:لبيك،
(1) فروع الكافي: 4/252. (2) من لا يحضره الفقيه: 2 / 208 ح 2168. (3) بحار الأنوار: 99/386 مع اختلاف في اللفظ. (4) الفصول المهمة: 189. (5) حياة الإمام زين العابدين: 227.فيقال لي: لا لبيك». وإذا لبّى غشي عليه من كثرة خوفه من اللهتعالى، ويسقط من راحلته، ولا يزال يعتريههذا الحال حتى يقضي حجّه(1). وكان الإمام (عليه السلام) إذا أدّىمناسكه في البيت الحرام; أقبل على الصلاةتحت ميزاب الرحمة. ورآه طاووس اليماني فيذلك المكان قائماً وهو يدعو الله ويبكي منخشية الله، فلمّا فرغ من صلاته قال لهطاووس: رأيتك على حالة من الخشوع ولك ثلاثةاُمور، أرجو أن تؤمنك من الخوف، أحدها:أنّك ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)،الثاني: شفاعة جدّك، الثالث: رحمة الله. فأجابه الإمام (عليه السلام) قائلاً: «ياطاووس، أمّا أ نّي ابن رسول الله (صلّىالله عليه وآله) فلا يؤمنني وقد سمعت اللهتعالى يقول: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولايتساءلون) (2)، وأمّا شفاعة جدّي فلاتؤمنني; لانّ الله تعالى يقول: (ولا يشفعونإلاّ لمن ارتضى) (3) وأمّا رحمة الله فاللهيقول: (إنّ رحمة الله قريب من المحسنين) (4)ولا أعلم أنّي محسن»(5). وقال طاووس: رأيت عليّ بن الحسين يطوف منالعشاء إلى السحر ويتعبّد، فإذا لم يرَأحداً رمق السماء بطرفه وقال: «الهي، غارتنجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابكمفتّحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمنيوتريني وجه جدي محمد (صلّى الله عليه وآله)في عرصات القيامة» ثم بكى وقال: «أماوعزّتك وجلالك ما أردتُ بمعصيتي مخالفتك،وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ، ولابنكالك جاهل، ولا لعقوبتك
(1) نهاية الإرب: 21 / 326. (2) المؤمنون (23): 101. (3) الأنبياء (21): 28. (4) الأعراف (7): 56. (5) بحار الأنوار: 46 / 101.متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني علىذلك سترك المرخى به عليّ، فأنا الآن منعذابك من يستنقذني، وبحبل من اعتصم إنقطعت حبلك عنّي...». ثم خرّ إلى الأرضساجداً، فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته فيحجري، فوقعتْ قطرات من دموعي على خدّهالشريف فاستوى جالساً، وقال بصوت خافت:«من هذا الذي أشغلني عن ذكر ربي؟». فأجابه طاووس بخضوع وإجلال: أنا طاووسياابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزعونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصونجانون؟ أبوك الحسين بن عليّ واُمّك فاطمةالزهراء وجدّك رسول الله. فأجابه الإمام (عليه السلام): «هيهاتهيهات يا طاووس، دع عنك حديث أبي واُميوجدّي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسنولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمنعصاه ولو كان سيّداً قرشياً، أما سمعتقوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساببينهم يومئذ ولا يتساءلون)؟ والله لاينفعك غداً إلاّ ما تقدّمه من عمل صالح»(1).
دعاؤه في يوم عرفة:
وكان الإمام (عليه السلام) في عرفات يقومبالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم،وكان يدعو بدعاء جليل وهو من غرر أدعيةأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وفيما يليبعض المقتطفات منه: «الحمد لله ربّ العالمين، اللهمّ لكالحمد بديع السماوات والأرض(2) ذا الجلالوالإكرام، ربّ الأرباب، وإله كلّ مألوه،وخالق كلّ مخلوق، ووارث كلّ شيء ليس كمثله
(1) مناقب آل أبي طالب: 4 / 163، 164، وبحارالأنوار: 46 / 81. (2) بديع السماوات والأرض: مخترعها لا عنمثال سابق، أو أنّ السماوات والأرض بديعة،أي عديمة النظير.شيء، ولا يعزب(1) عنه علم شيء، وهو بكلّ شيءمحيط، وهو على كلّ شيء رقيب. أنت الله لا اله إلاّ أنت الأحد المتوحّدالفرد، وأنت الله لا اله إلاّ أنت الكريمالمتكرّم العظيم المتعظّم الكبيرالمتكبّر، وأنت الله لا اله إلاّ أنتالعليّ المتعال الشديد المحال(2). أنت الذي قصرت الأوهام عن ذاتيتك، وعجزتالأفهام عن كيفيتك، ولم تدرك الأبصار موضعأينيّتك، أنت الذي لا تُحدّ فتكونمحدوداً، ولم تمثل فتكون موجوداً، ولم تلدفتكون مولوداً. لك الحمد حمداً يدوم بدوامك، ولك الحمدحمداً خالداً بنعمتك، ولك الحمد حمداًيوازي صنعك، ولك الحمد حمداً يزيد علىرضاك، ولك الحمد حمداً مع حمد كلّ حامد. ربّ صلّ على محمد وآله صلاةً زاكيةً لاتكون صلاةٌ أزكى منها، وصلّ عليه صلاةًناميةً لا تكون صلاةٌ أنمى منها، وصلّعليه صلاةً راضيةً لا تكون صلاةٌ فوقها...ربِّ صلِّ على أطائب أهل بيته الذيناخترتهم لأمرك، وجعلتهم خزنة علمك وحفظةدينك، وخلفاءَك في أرضك، وحججك على عبادك،وطهّرتهم من الرجس والدنس تطهيراًبإرادتك، وجعلتهم الوسيلة إليك والمسلكإلى جنّتك. اللهمّ إنّك أيّدت دينك في كلّ أوان بإمامأقمته علماً لعبادك ومناراً في بلادك، بعدأن وَصَلْت حبله بحبلك، وجعلته الذريعةإلى رضوانك، وافترضت طاعته، وحذّرتمعصيته، وأمرت بامتثال أوامره والانتهاءعند نهيه، وألاّ يتقدّمه متقدّم ولايتأخّر عنه متأخّر، فهو عصمة اللائذين،وكهف المؤمنين، وعروة المتمسّكين، وبهاءُالعالمين. وانزع من قلبي حبّ دنيا دنية تنهى عمّاعندك، وتصدّ عن ابتغاء الوسيلة إليك،وتذهل عن التقرّب منك، وزيّن لي التفرّدبمناجاتك بالليل والنهار، وهب لي عصمةتدنيني من خشيتك، وتقطعني عن ركوب محارمك،وتفكّني من أسر العظائم، وهب لي التطهيرمن
(1) لا يعزب: لا يغيب. (2) المحال: الأخذ.دنس العصيان، وأذْهِب عنّي درن الخطايا،وسربلني(1) بسربال عافيتك. ولا تكلني إلى حولي وقوّتي دون حولكوقوّتك، ولا تخزني يوم تبعثني للقائك، ولاتفضحني بين يدي أوليائك، ولا تنسني ذكرك،ولا تُذهب عنّي شكرك... واجعل رغبتي إليكفوق رغبة الراغبين، وحمدي إيّاك فوق حمدالحامدين، ولا تخذلني عند فاقتي إليك. اجعل هيبتي في وعيدك، وحذري من إعذاركوإنذارك، ورهبتي عند تلاوة آياتك، واعمرليلي بإيقاظي فيه لعبادتك، وتفرّديبالتهجّد لك، وتجرّدي بسكوني إليك وإنزالحوائجي بك ومنازلتي إيّاك(2) في فكاك رقبتيمن نارك، وإجارتي ممّا فيه أهلها منعذابك، ولا تذرني في طغياني عامهاً(3) ولافي غمرتي(4) ساهياً حتى حين، ولا تجعلنيعظةً لمن اتّعظ، ولا نكالاً لمن اعتبر،ولا فتنةً لمن نظر، ولا تمكر بي فيمن تمكربه، ولا تستبدل بي غيري... واجعل قلبيواثقاً بما عندك، وهمّي مستغرقاً لما هولك، واستعملني بما تستعمل به خالصتك،وأشرب قلبي عند ذهول العقول طاعتك... وصنوجهي عن الطلب إلى أحد من العالمين،وذبّني عن التماس ما عند الفاسقين ولاتجعلني للظالمين ظهيراً ولا لهم على محوكتابك يداً ونصيراً...»(5). دعاؤه يوم عيد الأضحىكان الإمام زين العابدين (عليه السلام)يستقبل يوم عيد الأضحى بالابتهال إلى اللهوالتضرّع إليه، طالباً منه أن يتفضّل عليهبقبول مناسكه وسائر طاعاته
(1) سربلني: قمّصني، والسربال: القميص. (2) منازلتي ايّاك: أي مراجعتي. (3) عامهاً: العَمَه في البصيرة كالعمى فيالبصر. (4) ولا في غمرتي: أي إغمائي وغفلتي، ناظراًإلى قوله سبحانه: (فذرهم في غمرتهم حتّىحين). المؤمنون (23): 54. (5) الصحيفة الكاملة السجادية: الدعاء 47.وعباداته، وأن يمنحه المغفرة والرضوان،ومن دعائه في هذا اليوم المبارك: «اللهمّ هذا يوم مبارك ميمون والمسلمونفيه مجتمعون. اللهمّ إليك تعمّدت بحاجتي، وبك أنزلتُاليوم فقري وفاقتي ومسكنتي، وإنّيبمغفرتك ورحمتك أوثق منّي بعملي،ولمغفرتك ورحمتك أوسع من ذنوبي، فصلّ علىمحمد وآل محمد، وتولّ قضاء كلّ حاجة هي ليبقدرتك عليها، وبتيسير ذلك عليك، وبفقريإليك، وغناك عنّي، فإنّي لم أُصِبْ خيراًقطُّ إلاّ منك، ولم يصرف عنّي سوءاً قط أحدغيرك، ولا أرجو لأمر آخرتي ودنياي سواك. اللهمّ فصلّ على محمد وآل محمد، ولا تخيّباليوم ذلك من رجائي، يا من لا يُحفيهسائل(1) ولا ينقصه نائل، فإنّي لم آتك ثقةًمنّي بعمل صالح قدّمته، ولا شفاعة مخلوقرجوته إلاّ شفاعة محمد وأهل بيته صلواتكعليه وعليهم وسلامك، أتيتك مقرّاً بالجرموالإساءة إلى نفسي، أتيتك أرجو عظيم عفوكالذي عفوت به عن الخاطئين ثمّ لم يمنعك طولعكوفهم(2) على عظيم الجرم أن عدت(3) عليهمبالرحمة والمغفرة. اللهمّ إنّ هذا المقام(4) لخلفائك(5)وأصفيائك ومواضع اُمنائك(6) في الدرجةالرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها(7)وأنت المقدّر لذلك، لا يغالب أمرك، ولايُجاوز
(1) لا يحفيه سائل: أي لا يستقصيه فيالسؤال، إذ كلما سأله شيئاً فما بقي عندهفهو أكثر منه بكثير، بل لا نسبة بينهما،لنهاية أحدهما ولا نهاية الآخر. (2) عكوفهم: إقامتهم ومواظبتهم. (3) أن عُدْتَ: أي عن أن عدت، وحذف مثلهقياسي، و «أن» مصدرية يعني العود. (4) إنّ هذا المقام: أي مقام صلاة الجمعة أوالعيد. (5) لخلفائك: أي الأئمة المعصومين (عليهمالسلام)، يعني هم المستحقّون لذلك، وأنيكون أزمّته بأيديهم، فامّا يجعلونهلأنفسهم كما في زمن حضورهم وبلد شهادتهموأمنهم من الضرر، أو يأذنون لمن يرونهأهلاً له عموماً أو خصوصاً، كما في زمنغيبتهم أو تقيّتهم، وفي غير بلد حضورهم. (6) ومواضع اُمنائك: نصب عطف على «هذاالمقام«، و «لخلفائك» متعلق بهذا«المقام»، أو خبر له. (7) قد ابتزوها: الابتزاز والبزّ: السلبوالنزع وأخذ الشيء بجفاء وقهر، والعائدللدرجة أو للمواضع أو للمقام باعتباراكتساب تأنيث الدرجة.المحتوم من تدبيرك، كيف شئت وأنّىشئت...»(1). ظاهرة الدعاء والمناجاة في حياة الإمام(عليه السلام): قال تعالى: (قل ما يعبؤا بكم ربّي لولادعاؤكم فقد كذّبتم فسوف يكون لزاماً) (2). قال السيد ابن طاووس رضوان الله تعالىعليه في مقام بيان ما تفيده الآيةالمباركة: فلم يجعل لهم لولا الدعاءمحلاًّ ولا مقاماً فقد صار مفهوم ذلك أنّمحل الإنسان ومنزلته عند الله جلّ جلالهعلى قدر دعائه وقيمته بقدر اهتمامهبمناجاته وندائه(3). وفي ضوء هذه الحقيقة القرآنية نجد أنّالإمام زين العابدين (عليه السلام) كانيدعو الله تعالى ويناجيه في كلّ آن وعلىكلّ حال، مجسّداً فقره المطلق إلى اللهجلّ جلاله، وهو ما يستبطن قدر الإمامومكانته باعتبار أنّ المقام عند اللهتعالى على قدر دعائه ومناجاته أو على قدرإدراكه لفاقته وحاجته إلى الله عزوجلّ،والعمل بما يقتضيه هذا الإدراك من انقطاعتامّ إلى الله تعالى والإعراض عن كلّ ماسواه. ونقتطف هنا بعض النصوص الشريفة من أدعيةومناجات الإمام (عليه السلام) التي تبيّنذروة حالات اليقين والغنى التي يمكن أنيصلها الإنسان إذا رسّخ في عقله وقلبهحقيقة (أن لا مؤثّر في الوجود إلاّ اللهتعالى) فلا يتعلّق قلبه بغيره سبحانه، ولايرجو شيئاً من سواه تعالى، ولا يحبّ شيئاًغيره ويعمر
(1) الدعاء: 48 من الصحيفة الكاملةالسجاديّة. (2) الفرقان (25): 77. (3) فلاح السائل للسيد ابن طاووس: 26، طبعةمكتب الإعلام الإسلامي للحوزة العلمية فيقم المقدسة.أوقاته كلّها بذكره تعالى والعمل بطاعته: قال (عليه السلام): «اللهمّ صلّ على محمّدوآله، واجعل سلامة قلوبنا في ذكر عظمتك،وفراغ أبداننا في شكر نعمتك، وانطلاقألسنتنا في وصف منّتك، اللهمّ صلّ علىمحمّد وآله، واجعلنا من دعاتك الداعينإليك، وهداتك الدالّين عليك، ومن خاصّتكالخاصّين لديك يا أرحم الرحمين»(1). إنّه الانقطاع التامّ والكامل فكراًوذكراً وسلوكاً وخُلقاً لله جلّ جلاله. وقال (عليه السلام) مناجياً الله جلّجلاله: «كيف أرجو غيرك والخير كله بيدك؟!وكيف اُؤمّل سواك والخلق والأمر لك؟!أأقطع رجائي منك وقد أوليتني ما لم أسألهمن فضلك أم تفقرني إلى مثلي وأنا اعتصمبحبلك؟! يا من سعد برحمته القاصدون، ولميشق بنقمته المستغفرون، كيف أنساك ولم تزلذاكري؟! وكيف ألهو عنك وأنت مراقبي؟!»(2). لقد انقطع (عليه السلام) إلى الله عزوجلّكأعظم ما يكون الإنقطاع، فلم يأمل في جميعاُموره غيره معتقداً بأنّ الأمل بما في يدغيره سراب. وناجى ربّه عزوجل بقوله (عليه السلام):«إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك(3)،وأعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك، وشغلنيعن ذكر محامدك ترادف(4) عوائدك(5)، وأعيانيعن نشر عوارفك توالي أياديك. إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءلفي جنب إكرامك إيّاي ثنائي ونشري(6).
(1) الدعاء الخامس من الصحيفة الكاملة. (2) مناجاة الراجين. (3) طَولك: فضلك. (4) ترادُف: تتابع. (5) عوائدك: جمع عائدة وهي المعروفوالمنفعة. (6) نشري: يعني هنا بسط الحديث بالمدح.جلّلتني(1) نعمك من أنوار الإيمان حللاً،وضربت عليّ لطائف برّك من العزّ كللاً(2)،وقلّدتني مننك قلائد لا تحلّ، وطوّقتنيأطواقاً لا تفلّ(3)، فآلاؤك جمّة ضعف لسانيعن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عنادراكها فضلاً عن استقصائها، فكيف ليبتحصيل الشكر وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر؟!فكلّما قلت: لك الحمد وجب عليّ لذلك أنأقول: لك الحمد...»(4). وهكذا يعلّمنا الإمام (عليه السلام) كيفنشكر الله تعالى على ما أولانا من جزيلالنعم، وأنّ الانسان مهما بالغ في شكرهفإنّه عاجز وقاصر عن أداء الشكر. وقال (عليه السلام): «اللهمّ احملنا في سفننجاتك، ومتّعنا بلذيذ مناجاتك، وأوردناحياض حبّك، وأذقنا حلاوة ودّك وقربك،واجعل جهادنا فيك، وهمّنا في طاعتك، وأخلصنيّاتنا في معاملتك، فإنّا بك ولك ولاوسيلة لنا إليك إلاّ أنت...»(5). وهكذا طلب (عليه السلام) من الله تعالى أنيخلص نيّته في معاملته ويبلغه أعزّ أمانيهوهي ابتغاء رضوانه جلّ جلاله. وقال (عليه السلام): «... إلهي فَاسْلُك بناسُبُلَ الوصول إليك، وسيّرنا في أقربالطرق للوفود عليك، قرّب علينا البعيد،وسهّل علينا العسير الشديد، وألحقنابعبادك الذين هم بالبدار(6) إليك يسارعون،وبابك على الدوام يطرقون، وإيّاك في الليلوالنهار يعبدون،
(1) جَلّلتني: غطّتني، وغمرتني. (2) كللاً: كلل جمع الكُلّة وهي بيت أو خيمةرقيقة تُضرب للمبيت تمنع من الذبابوالبَعوض وإنّما ذلك لأرباب النعمة. (3) لا تُفلّ: لا تثلم. (4) مناجاة الشاكرين. (5) مناجاة المطيعين. (6) البدار: السباق.وهم من هيبتك مشفقون، الذين صفّيت لهمالمشارب، وبلّغتهم الرغائب، وأنجحت لهمالمطالب، وقضيت لهم من فضلك المآرب(1)،وملأت لهم ضمائرهم من حبّك، وروّيتهم منصافي شربك، فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا،ومنك أقصى مقاصدهم حصّلوا. فأنت لا غيرك مرادي، ولك لا لسواك سهريوسهادي، ولقاؤك قرّة عيني، ووصلك مُنىنفسي، وإليك شوقي، وفي محبّتك ولهي(2)،وإلى هواك صبابتي(3)، ورضاك بغيتي، ورؤيتكحاجتي، وجوارك طلبي، وقربك غاية سؤلي، وفيمناجاتك رَوحي(4) وراحتي، وعندك دواءعلّتي، وشفاء غلّتي(5)، وبرد لوعتي(6)، وكشفكربتي(7)...»(8). وهكذا انقطع (عليه السلام) إلى الله جلّجلاله، وتعلّقت به روحه وعواطفه، فلم يبصرغيره، ولا يجد شافياً لغلّتهِ سواه. وقال (عليه السلام): «إلهي كسري لا يجبرهإلاّ لطفك وحنانك، وفقري لا يغنيه إلاّعطفك وإحسانك، وروعتي لا يسكِّنُها إلاّأمانك، وذلّتي لا يعزّها إلاّ سلطانك،واُمنيّتي لا يبلّغنيها إلاّ فضلك،وخلّتي(9) لا يسدّها إلاّ طولك، وحاجتي لايقضيها غيرك، وكربي لا يفرّجه سوى رحمتك،وضرّي لا يكشفه غير رأفتك، وغلّتي لايبرّدها إلاّ وصلك، ولوعتي لا يطفيها إلاّلقاؤك، وشوقي إليك لا يُبله إلاّ النظرإلى وجهك، وقراري لا يقرّ دون دنوّيمنك»(10).
(1) المآرب: جمع مأرب ومأربة أي الحاجة. (2) ولهي: تحيّري من شدّة الوجد. (3) صبابتي: شوقي. (4) الرَوح: الفرح والراحة. (5) غلّتي: عطشي الشديد. (6) لوعتي: حرقة حزني وهواي ووجدي. (7) كرْبتي: همّي وغمي. (8) مناجاة المريدين. (9) خلّتي: حاجتي وفقري. (10) مناجاة المفتقرين.لقد أبدى الإمام (عليه السلام) فقرهوفاقته إلى الله سبحانه، وقد هام (عليهالسلام) بحبّ سيّده ومولاه خالق الكونوواهب الحياة، فعقد جميع آماله عليه ورجاهفي قضاء جميع اُموره كأعظم ما يكون الرجاء.
تجلّيات العرفان الإلهي:
وقال (عليه السلام): «إلهي ما ألذّ خواطرالإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلىالمسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب،وما أطيب طعم حبّك، وما أعذب شرب قربك!فأعذنا من طردك وإبعادك، واجعلنا من أخصّعارفيك وأصلح عبادك وأصدق طائعيك وأخلصعبّادك»(1). حقاً إنّ الإمام زين العابدين (عليهالسلام) سيّد الموحّدين وزعيم العارفينبالله، ولم تكن عبادته تقليداً، وإنّماكانت ناشئة عن كمال معرفته بالله تعالى،وقد أعرب في النص المذكور عن كمال بغيتهألا وهو الإخلاص في عبادته سبحانه وتعالى. وقال (عليه السلام): «إلهي فألهمنا ذكرك فيالخلاء(2) والملاء(3) والليل والنّهاروالإعلان والإسرار، وفي السرّاءوالضرّاء، وآنِسنا بالذكر الخفيّ،واستعملنا بالعمل الزكيّ والسعي المرضىّ. أنت المُسبّح في كلّ مكان، والمعبود فيكلّ زمان، والموجود في كلّ أوان، والمدعوّبكلّ لسان، والمعظّم في كلّ جنان(4)،وأستغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك، ومن كلّ
(1) مناجاة العارفين. (2) الخلاء: المكان الفارغ الذي ليس فيهأحد. (3) الملاء: اجتماع الناس. (4) جَنان: القلب.