:: قناة الثقلین ::: الامام الصادق و المذاهب الاربعة ج5
الامام الصادق و المذاهب الاربعة ج5
[1]الامام الصّـادق والمـذاهب الاربعـة الجزء الخامسأسد حيــدر
شناسنامه
آيه
حديث
تقديم وبيان
تقديم
رأينا أن نخصّص هذا الجزء ـ وهو الخامس ـ لأهمّ المسائل الفقهية ونضع أمام القارئ صورة حيّة واضحة; تكشف لنا عن الخلافات الحاصلة بين الشيعة والسنّة، وبين المذاهب السنية أنفسها بل بين المنتسبين للمذهب الواحد، في موافقة رئيس المذهب ومخالفته ممّا يدلّ على حرية الرأي وعدم الالتزام باتّباع رئيس المذهب، وذلك قبل أن يفرض الحجر السياسي في وجوب اتباع أقوال أئمة المذاهب. وإنّ موضوع الكتاب يتطلب ذلك من حيث الوقوف على أهمّ ناحية يجب أن نأخذ عنها صورة واقعية في دراسة موضوعية، لإيضاح ما أحاط بها من غموض، وما اكتنفها من عقبات وهي مسألة الخلاف بين السنة والشيعة في الفقه، فقد أصبح من نتائج سوء الفهم بأن يقال: إنّ السنة والشيعة يفترقون افتراقاً كليّاً في الفقه، وإن الفقه الإسلامي هو للمذاهب الأربعة فحسب، وكلّ ذلك نتيجة لعوامل التعصّب والجهل بحقيقة الأمر وليس أضرّ على الدين من العصبية ولا أشدّ فتكاً بالعقول من سوء الفهم.
ولهذا كان أكبر همّي الوصول إلى دراسة فقه المذاهب لتوضيح مدى الخلاف بين المذاهب السنية وبين مذهب الشيعة، وكلّما حاولت الاختصار في الدراسة التأريخية حول التعرّف على شخصيات أئمة المذاهب والوقوف على عوامل انتشار مذاهبهم دون غيرها أجد الموضوع يتّسع أمامي، والحاجة تدعو إلى مزيد من البيان، وقد تركت ورائي أشياء كثيرة لم أتعرّض لها، ورميت كثيراً منها في سلّة المهملات، لعدم الاهتمام بها وطلباً للاختصار، ولأصل إلى الغاية المطلوبة.
وعندما أخذت في إعداد مسودات هذا الجزء، وتقديمها للطبع وصلتني أنباء كتاب حياة الإمام الصادق، لمؤلّفه الاُستاذ محمّد أبو زهرة، العالم المصري الشهير، وصاحب المؤلّفات القيّمة، والدراسات الواسعة، وبالأخص فيما يتعلّق بموضوع المذاهب الأربعة، فقد ألّف ونشر حول هذا الموضوع، وإنّي أكبره واُقدّر له أتعابه وجهوده.
وقد قرأت كتابه عن الإمام الصادق ـ بعد مدة من صدوره ـ قراءة إمعان وتدبّر، لا قراءة سطحية تبعد بالقارئ عن هدف المؤلّف وأغراضه، وقد وقفت فيه على اُمور لا يمكن أن أتخطاها بدون أن اُبدي عليها ملاحظاتي.
وحيث كان موضوع الاُستاذ أبو زهرة يتّصل اتصالاً مباشراً في موضوع هذا الكتاب، فلذلك أدخلت تلك الملاحظات في هذا الجزء.
والذي تجدر الإشارة إليه هو أنّي لم أذكر هنا كلّ ما يلزم مناقشته، وإبداء الملاحظة عليه، فهو أكثر من أن يحويه جزء، بل نعتبر ذلك مختصراً بالنسبة لما يستلزمه البحث فيما نختلف فيه أو نتفق عليه كما سيقف القراء على ذلك قريباً إن شاء الله بعد أن نستمر في تمهيدنا للبحث بما يسلتزم الموضوع، كما هو نهجنا في جميع الأجزاء، ومن الله أسأل العون وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل.
تمهيد
إنّ البحث عن المذاهب ودراسة الظروف والملابسات التي أحاطت بها يجب أن تدرس دراسة تأريخية بعيدة عن التعصّب والتحيّز، لأنّ التحيز لجهة والتعصب على اُخرى يغيّر صور الحوادث، ويشوّه الحقيقة، وهذا هو الظلم الأدبي كما يقولون. وإذا كان دافع البحث هو حبّ الحقيقة فلا بدّ أن يكون بصدق وموضوعية بعيداً عن التأثر بعوامل اُخرى، وبذلك يكون الباحث قد نال شرف خدمة الحقّ واتباعه.
ولا بدّ لنا أن نلمس خطورة البحث وأهميّته، ولهذا يلزمنا أن نتجرّد عمّا يخالف الحقيقة، بل يجب أن نخوضه بروح صادقة، ونيّة خالصة لمعالجة هذا الموضوع الذي له دخل في واقع المسلمين في الحاضر والماضي، وأنّ
الحوادث المؤلمة التي توالت على مسرح حياتنا في جميع الأدوار، وما أدّت إليه من نتائج سيئة في المجتمع الإسلامي، وإن كانت نتيجة عوامل كثيرة متداخلة، إنّما يعود إلى التعصّب المذهبي، فهو المؤثر الأكبر والعامل القوي في تفرق المسلمين شيعاً وأحزاباً، وقد انقسموا على أنفسهم انقساماً شائناً، فكلّ يتّهم الآخر بالانحراف عن الدين، وكلّ طائفة اعتزلت الاُخرى، ترميها بما لايتّفق وروح الإسلام ونظمه.
وممّا يؤسف له أنّهم قد أسرفوا في الجدل إسرافاً أخرجهم عن ميزان العدل، فقد راحوا يلتمسون على ذلك ألواناً من الحجج يبدو فيها التكلّف ويتجلّى فيها البطلان. وقد غلب عليهم الجمود الفكري والتزموا بالتقليد في أخذ الأحكام عن أئمّة المذاهب، إذ لا يمكن في نظرهم أن يصل أحد إلى ما وصلوا إليه من العلم، فهو مقصور عليهم، والاجتهاد في الأحكام من اختصاصهم دون غيرهم.
لقد مرّت أجيال وهم يعتقدون أن ليس لأحد بعد الأئمة الأربعة أن يجتهد في الشريعة الإسلامية، والخارج عن المذاهب الأربعة ـ وهو رأي الجمهور ـ صاحب بدعة، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار.
ومن المضحكات ـ بل المبكيات ـ أن تتغلغل هذه العقيدة في الجماهير الإسلامية، حتى نجد من يسأل عن مذهب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أشافعي أم مالكي؟ وغفلة العوام من غفلة الخواص. هكذا يقول الدكتور زكي مبارك وعليه عهدة ما يقول. ونحن لا تعوزنا النصوص التاريخية على تأييد قوله، فقد وقفنا على رأي من يزعمون بأن رئيس مذهبهم كان أعلم من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في القضاء([2]).
وآخرون يقال لهم: قال رسول الله فيقولون: قال فلان. كما أنّ الكثير منهم تمسّكوا بأقوال أئمّتهم تمسّكاً جعلهم يقدّمونها على كتاب الله وسنّة رسوله([3]).
ومهما يكن من أمر فإنّ تلك الاتجاهات التي سار عليها المتعصّبون بعيدة عن روح الإسلام ومفاهيمه، فهي اُمور ارتجالية، غذتها الأنانية وتولّت بثّها دعاية التضليل تقويضاً لصرح تماسك الاُمة، الذي يقف حائلاً دون كلّ خطر يهدّد المجتمع الإسلامي في الداخل والخارج.
نعم ليس من روح الإسلام ومفاهيمه، تحامل طائفة على اُخرى واتّهامها بالزندقة، والخروج عن الإسلام، لمجرّد الخلاف في الرأي. فالشافعي يكفر الحنبلي، والحنبلي يكفر الشافعي، وهكذا بدون التفات إلى واقع الأمر، وما ينجم من وراء ذلك من خطر على الاُمة الإسلامية.
وإنّ تلك المساجلات الجدلية حول المذاهب، قد خرجت عن النطاق العلمي إلى الاُمور التافهة من الهزل والمجون، ومن أظرف ما جرى بين الحنفية والشافعية قول الحنفية لهم: ما جسر إمامكم أن يخرج إلى الوجود حتى مات إمامنا. ويجيبهم الشافعية: بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا([4]).
وذلك أنّ الشافعي ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة سنة (150هـ) وقيل في اليوم الذي مات فيه. وقد بقي الشافعي في بطن اُمه أربع سنين أوأقل([5]).
وكذلك جرت مساجلات شعرية هي أقرب إلى المساجلات الأدبية فلا حاجة لذكرها. وقد بلغ الأمر حدّاً مؤسفاً من تكفير طائفة لاُخرى، وإباحة دماء أبنائها، كما أثبت ذلك وقوع تلك الحوادث الدامية، في الشام، وخراسان والري وغيرها.
ونحن عندما نقف على بعض الأقوال كقول المظفر الطوسي الشافعي: لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الحنابلة الجزية([6]) وقول محمّد بن موسى الحنفي: لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية([7]) فإننا نجد اتّساع الخرق، ووقوع ما لا تحمد عقباه من الخروج عن الموازين العلمية إلى الاُمور الانفعالية التي لا صلة لها بالإسلام ونظمه.
وكذلك نستوحي معلومات أكثر فأكثر عندما نصغي إلى النداء بدمشق وغيرها من كان على دين ابن تيمية، حلّ ماله ودمه([8]) وقد أفتى بعضهم بتكفير من يسمي ابن تيمية بشيخ الإسلام([9]) وابن تيمية هذا هو شيخ الحنابلة وقد لقّبوه بشيخ الإسلام، ومعنى هذا النداء بأنّ كلّ حنبلي كافر. وبجانب هذا نجد الشيخ أبا حاتم، يرى ويفتي: بأنّه من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم([10]).
وهكذا أدّى النشاط المذهبي إلى هذه الاُمور التي فجّرت المآسي المؤلمة في المجتمع الإسلامي، من تفكك وتباعد، ووجود مشاكل يصعب حلّها إلاّ عن طريق التروّي والتنبّه لأثر البعد عن روح الاُخوة والسقوط في وهدة التعصّب.
واستمرّت عجلة الزمن تدور والأمر يشتد، وظهر ذلك الانقسام في صفوف الاُمة بوضوح، وتعاقبت على المسلمين أدوار سوداء ذهبت بكثير من الأرواح والأموال، وملأت النفوس حقداً، والقلوب غيظاً.
وأسرفت الطوائف في الخصومة كما بالغوا في اتّخاذ وسائل الانتصار لمذاهبهم من افتراء في القول وكذب في النقل، ووضع أحاديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بما يؤيّد المذهب، ويشدّ عضد أنصاره، من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بشّر برئيس المذهب الذي يتّبعونه قبل ولادته، ووضع آخرون منامات مبشرة، وهي في الاعتبار عندهم كاليقظة من وجوب الأخذ بها، وكلا الأمرين لا يصح منه شيء، لأنّها ادعاءات وهمية يقصدون بها تقويم شخصية إمامهم، من وفور علم، وعلوّ منزلة وشرف بيت، حتى قال بعض الحنفية: إنّ أهل الكوفة كلّهم موال لأبي حنيفة([11]). أي أنّهم كانوا عبيداً فأعتقهم، مع العلم بأنّ أبا حنيفة كان فارسي الأصل.
وبهذه الزوائد ملأوا صفحات كتب المناقب، كما وصفوهم ببطولات لا يعترف التاريخ بها، وأحاطوا شخصياتهم بهالة من آيات المديح والإطراء، بما يضفي عليهم لباس قدسية رفعتهم عن مقام البشرية، وصوّرتهم بمنتهى درجة من الكمال تبلغ بهم العصمة، وإن لم يصرّحوا بها.
ومهما يكن من أمر; فإنّ تلك الأقوال الناتجة عن مؤثرات سياسية أو اجتماعية عقيمة الإنتاج إذ هي مبالغات وغلوّ أوجدهما النشاط المذهبي، عندما عظم الخلاف بين أتباع أئمّة المذاهب ودبّ التقليد في صدورهم دبيب النمل وهم لا يشعرون، وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم([12]).
وقد مرّت الإشارة إلى الظروف القاسية التي مرّت بالمسلمين من جرّاء ذلك الخلاف، الناشئ من الاختلاف بين معتنقي المذاهب فأصبحوا أعداء متباعدين، بعد أن كانوا إخوة متحابين، وأدّى الأمر إلى القتل والنهب وحرق الأسواق، وتخريب المساجد وهدم الدور، ولا ندخل هنا في تفاصيل تلك الحوادث المؤلمة، ونكتفي بما أشرنا إليه في الأجزاء السابقة.
والآن وقد لخصنا باختصار أثر ذلك الانقسام الذي حلّ بالمسلمين ، يجدر بنا أن نولي وجوهنا شطر المسلمين من أتباع مذهب أهل البيت ـ وهم الشيعةـ لنرى ما نالهم من أثر ذلك الانقسام وما أدّى إليه ذلك التدخل من أعداء الدين، الذين يبثّون العداء ويثيرون الأحقاد لإيقاع الفتنة ويخوضون تلك المعارك بوجه مقنّع. فلا بدّ أن ننظر إليهم من زاوية الواقع لا زاوية الخيال التي فتحها المغرضون من أعداء الاُمة، ورسموا للشيعة صوراً غريبة، وحاكوا لهم تهماً وهمية، ونسبوا لهم عقائد مفتعلة، وآراء بعيدة عن واقع الأمر، ورشقوهم بسهام نقد من هنا وهناك حتى آل الأمر إلى إبعادهم عن حظيرة الإسلام زوراً وبهتاناً.
ولا ذنب لهم إلاّ عدم مسايرتهم لحكام الجور، وتمسكهم بالانتصار لآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أهل الحقّ المضيع، وهذا أمر واقع قد يكون إنكاره من المكابرة والتعنّت.
وتكشف النظرة السريعة والعجلى الى معالم تاريخ الشيعة عن أسرار موجات العداء وتيارات النقمة عليهم، وقد التقت في قيام هذه الموجات والتيارات قوى عديدة تمثّلت فيها السلطة الزمنية والقضائية والحزبية والاجتماعية ولا أصف مَن لبس لبوس الفقه و تزيّا بزي العلم بالسلطة الدينية، فحاشى الإسلام وسلطته الروحية أن تطلق يوماً على من يناصر ظلماً أو يغضّ عن جور أو يسهم في انتهاك حرمة أحد، وإنّما هم قوم عملوا في الفقه فباعوا دينهم بدنياهم. وقد تقدّم معنا بعض مواقفهم في تعضيد دور الحكّام، تكشف هذه النظرة عن ثبات نهج الشيعة ودوام مواقفهم، وهذا النهج والموقف هما سبيل اتباع محمد(صلى الله عليه وآله)والتمسك برسالة السماء. ويبدو أن الكثيرين يهملون حقائق التاريخ ويسيئون الى صفات التعقّل والوعي سواء كانوا حكّاماً أو متعاطين للعلم والثقافة. فمن مرتكب لذات الجرائم التي ارتكبها الاُمويون والعباسيون بحقّ الشيعة، ومن معرض عن الحقّ مستسلم لبواعث التفرقة والعداء ولا يشينه أن يكون مع الظلمة، فأين روح العصر الحديث والوعي الموضوعي ومسؤولية القلم والتزام الكلمة؟ ولا اُريد أن أدخل في تفصيل ما نال أتباع آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من بلاء نتيجة للتعصّب الأعمى والطائفية الرعناء، فلنقتصر على بعض ما يهمّنا عرضهالآن.بين الواقع والخيال
وليس من الغريب أن يتنكر الإنسان لما يعرف من الحقائق فيبرزها بصورة غير صورتها، إذ من السهل جداً أن يغمض الإنسان عينيه عن واقع الاُمور ومحاسن الأشياء، فيذمّ حيث لا موجب للذمّ، ويمدح حيث لا موقع للمدح، وما ذلك إلاّ لتعصّب شائن وتحامل بغيض يبتلى به كثير من الناس.
وبهذا فقد أساءوا لأنفسهم بصورة خاصة، ولمجتمعهم بصورة عامة، وراحوا يلتمسون الحجج الواهية للضعة بمن يتعصّبون عليه ولرفعة من يتعصّبون له، وهم يجعلون أنفسهم حكام عدل، ورواد حقيقة، ولكنّهم عكسذلك.
ومنهم من غلب عليه الجمود الفكري فقلّدوا غيرهم في النقل بما يروق لهم ويوافق رغباتهم، وإن اتّضح لهم خلاف ذلك، وبهذا فلم يعطوا الأشياء ما يلزم أن تعطى حسب الواقع. وبصورة خاصة اُولئك الكتّاب الذين يكتبون
عن تاريخ الشيعة، فنرى أكثرهم يتخبّط في بيداء التهجم، ويسير في طرق ملتوية لا تؤدي به إلى الغرض المطلوب منه في أداء حقّ التاريخ، الذي هو مرآة الاُمم السالفة للأجيال القادمة، لأنّه بهذا العمل يصدأ مرآته ويذهب بمحاسنه.
ولو أنّهم درسوا تلك الفترة وما نجم عنها من آراء وأحكام تنافي روح الأخاء وروابط الإيمان و ما شاع من اتهامات دراسة مستفيضة من جميع نواحيها، وما يحيط بها من ملابسات، وفكّروا فيما يرتأون في استخلاص النتائج لإبداء الرأي الحر الذي يبعد بهم عن المؤثرات، لكان ذلك أنفع لهم وللاُمة جمعاء، ولكنّهم قد تعمّدوا التشويه والخلط، لغرض في أنفسهم وميلاً مع الأهواء.
ومن نتائج توالي الملوك الجائرين والحكام العتاة الذين ناصبوا أهل البيت العداء ونصبوا الحرب لشيعتهم، كما أنّ من نتائج دوام الشيعة على وقوفهم بوجه الطغاة هو انتشار آراء الملوك السابقين وشيوع أغراضهم ومواقفهم ضد الشيعة وتداولها عبر الأجيال دون انتباه الى ما يعنيه ذلك من تأييد لسياسات الظلم والانحراف.
ولقد اُثيرت حول الشيعة عواصف اتّهامات باطلة، مهّدت السبيل لمن يريد أن ينفث سمومه في جسم الاُمة الإسلامية، ويطعن في عقائدها، عندما التبست الحقائق التاريخية بالأكاذيب، والحوادث الواقعية بالأساطير، فاتّسع المجال أمام المتدخّلين والمندسّين في صفوف المسلمين; ليعملوا عملهم، ويضربوا ضربتهم، انتصاراً لمبادئهم، وانتقاماً لعروشهم التي دكّ الإسلام صروحها، وهدم كيانها، فانهزموا أمامه مخذولين. وقد عجزوا عن مقابلته وجهاً لوجه، فراحوا يتلصصون في الظلام، ويعملون من وراء الستار.
لقد اتّهم أتباع مذهب أهل البيت وأنصارهم بتهم كثيرة، ووصفوا بصفات متناقضة بعيدة عن الواقع، بل هي مجرّد إشاعة مغرضة، وأقوال كاذبة، وافتراءات صريحة.
وكان من أعظم تلك التّهم التي وجهت إليهم هي أنّ الشيعة يعبدون عليّاً ويؤلّهونه، أو أنّهم يعبدون الأئمة أجمع، وأنّ الأئمة عندهم أنبياء يُوحى إليهم، وأنّ لهم أحكاماً هي غير أحكام الإسلام. وأنّهم يشتمون أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ويكفرونهم جميعاً، وإنّهم وإنّهم... إلى آخر تلك الأقوال والتقوّلات التي أوحى بها الشيطان ليوقع الفتنة وينشر الفساد.
وقد رأينا فيما تقدّم أن السياسة كانت تشدّ أزر المتهجمين، وتحمي اُولئك التائهين في غوايتهم، لتنتقم من أنصار أهل البيتالذين أعلنوا انفصالهم عن الدولة التي يتحكم فيها حكّام انتحلوا إمرة المؤمنين، وادعوا الولاية على المسلمين خلافاً لما يقتضيه نظام الإسلام، وتمرّداً على مفاهيمه، وخروجاً عن حدوده وقواعده.
وقد وقفت الشيعة مواقف حاسمة وبذلوا كلّ ما في وسعهم أن يبذلوه في مقاومة كل سلطان يحكم بغير ما أنزل الله، فكان مصيرهم السجون والتشريد والقتل.
والخلاصة: أنّ عدم تعاون الشيعة مع حكّام الجور وأئمة الضلال، أدّى إلى اتخاذ شتّى الأساليب وإيجاد مختلف العوامل للقضاء عليهم حفظاً للمملكة، وصيانة لها عن المؤاخذات التي تقوم على مبادئ العدل الإسلامي.
لقد تضاعفت القوى لمحاربة الشيعة، وتوالت عليهم الحملات، لأنّ الدولة لا تسمح لمن يخالفها في الرأي أن يتمتع بحرية إبداء رأيه، وترى من الحزم القضاء عليه، وقد ذهب كثير من العلماء ضحية أفكارهم وآرائهم، ولحق الاضطهاد بكثير من الفقهاء وكان أكثرهم عرضة للقتل إذ لم يكن له أحد يحميه في قصر الملك أو الأمير، لأنّ القوم أصبحوا ونفوسهم لا تشتفي ممّن يخالفهم في معتقد أو فكر إلاّ أن تضرب عنقه([13]).
وعلى هذا النهج سار ولاة الأمر، وبهذه السياسة الخرقاء كانوا يعاملون حملة العلم وأبطال الفكر، وأعظم من هذا أنّهم نسبوا تلك الاُمور إلى الدين بدعوى أنّ في قتل هؤلاء ضمّ شمل الجماعة، وإغلاق باب الفرقة، والقضاء على البدع والضلالات، وقد اتخذوا من علماء السوء مطايا لأغراضهم فكانوا يستفتونهم في إراقة الدماء، حفظاً للدولة من مؤاخذة العامة.
فالمخالف للسلطة في نظر علماء السوء وأتباعهم زنديق ملحد كافر إلى آخر ما تتّسع له صحيفة الاتهامات، وكما يشاء ولاة الأمر وتقتضيه سياستهم، وتدعو إليه رغباتهم في قمع أيّ حركة معارضة لهم، أو أيّ إنكار على سوء عملهم.
وقد استخدموا لنشر تلك الاتهامات شيوخاً يقصّون على الناس بأساليب خدّاعة، وأحاديث جذّابة، مزجوها بمناقب وفضائل تعود لمصلحة الدولة، كمناقب العباسيين وغيرهم والبشارة بدولتهم، وفضائل بعض الشخصيات التي ناقش المفكرون أعمالهم، وحاسبوهم على سوء تصرفهم، وهذا أمر لا ترغب فيه السلطة لأنّه يشدّ أزر المخالفين لهم.
وبهذه العوامل الخدّاعة صوّروا مذهب الشيعة، ورسموا صورته بإطار الشذوذ، وأنّ اُسسه قد قامت على غير التعاليم الإسلامية. وتقدّم الكذابون بوضع أساطير قصدوا بها التقرّب لولاة الأمر، كوضع اسطورة عبدالله بن سبأ اليهودي، كما صوّرها سيف بن عمر المشهور بالكذب والزندقة والمعروف بالوضع، وتناولها الحاقدون على الشيعة، والمبغضون لأهل البيت فأحاطوها بهالة من التهويل وأبرزوها بإطار ماكر خداع، وهم يقصدون توسيع شقّة الخلاف، وإيقاد نار الفتنة.
وأصبح بمقتضى هذه الاُسطورة وغيرها من الأساطير أنّ مذهب الشيعة قامت اُسسه على التعاليم اليهودية، وأنّ مؤسسه عبدالله بن سبأ اليهودي، وهو شخصية موهومة رسمتها ريشة رسام البلاط العباسي. وما أكثر البسطاء الذين يتأثرون بالقصص الوهمية!
وقامت حول هذه الافتراءات دعايات التضليل، ونفخت أبواق الباطل وما أسهل الانخداع بهذه الأكاذيب ممّن لا يقوى على تمحيصها بفكر ثاقب وعقل راسخ.
وكانت السلطة من وراء ذلك تشدّ أزر اُولئك المخدوعين، وتتولّى نشر تلك التهم وتأييدها بكلّ حول وقوة، لتركيز فكرة خروج الشيعة عن الإسلام، وطبع عقائدهم بطابع الكفر، ليجعلوا من ذلك حصانة للدولة عن مؤاخذة المسلمين لهم وإنكارهم عليهم، ولأجل أن تصبح تلك الثورات التي قام بها الشيعة ثورات على الجماعة الإسلامية. حتى عرفوا في قاموس لغة السياسة: أنّهم اُمة هدّامة أو حزب ثوري لا يعترف بنظام الحكم القائم; ولهذا أصبح الانتماء إلى التشيّع ذنباً لا يغفر، لأنّه ينتمي إلى جماعة مخرّبة تحاول القضاء على الدولة الشرعية التي يترأسها سلطان يعمل بأمر الله وهدايته.
وكلّ ذلك ادعاء باطل وتدخّل شائن، كما بذلوا جهدهم في خلق تهم وإشاعات يحاولون من ورائها إبعاد الشيعة عن المجتمع الإسلامي.
وإنّ ذلك التدخل السياسي قد أوقع كثيراً من الكتّاب في حدود ضيّقة، وحرمهم من حرية الفكر وصواب الرأي.
ولا بدّ لنا في هذا الموضوع أن نلفت أنظار القراء الكرام إلى الدور الذي لعبه المستشرقون في كتاباتهم حول الشيعة، والتي أصبحت مصدراً يستمدّ منه كتّاب عصرنا الحاضر معلوماتهم بدون مناقشة، كأنّها هي عين الحقيقة والصواب، فلا يتطرق إليها وهن ولا يعارضها أيّ نقاش.
وصار اُولئك الكتّاب يطلقون تلك الآراء الشاذة، والأقوال التي تحمل طابع التزييف والخداع، كدليل جاءوا به من عند أنفسهم أو نتيجة بحث موضوعي قائم على حرية الرأي والمنطق الصحيح. ولو أنّهم أعطوا لعقولهم مدىً يسيراً لتكون نظرتهم مشتملة على شيء من الواقعية والتمحيص لما تلبسوا تلك الأقوال احتراماً لعقيدتهم ولأنفسهم.
ونحن إذ نقدم هنا أمثلة لما نقول ـ والألم يحزّ في نفوسنا ـ لما بلغت إليه الحالة من الانحطاط والتدهور، في أخذ آراء قوم تحترق قلوبهم بنار الحقد على المسلمين، وقد وجّهوا حملاتهم العنيفة ضدّ الإسلام ونبيّه الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، باتهامات باطلة وأقوال فارغة، وقد حفلت كتبهم بالاتهامات والشتائم، وكلّها تتصف بالافتراءات الغريبة التي تدل على تفكير سقيم([14]).
فاندفعوا بأقلامهم المسمومة، وخيالهم الواسع مستغلين فرصة الخلاف بين الطوائف، واتهام بعضهم بعضاً، فراحوا يختلقون أشياء كثيرة ويضعون خططاً للطعن في العقيدة الإسلامية من طرق مختلفة حسب الخطط المرسومة، والهدف المقصود.آراءُ المستشرقين في التشيّع
وإنّ لكثير من المستشرقين خططاً يقومون بتنفيذها عن طريق الكتابة، أو خططاً استعمارية يقوم بتنفيذها كثير من المستشرقين في البلدان الإسلامية، والمتتبع يجد ذلك فيما يكتبونه فهم يثيرون أحقاداً، ويوقظون الفتنة، وكلّ ينتصر إلى جهة، وقد اشتدّت حملتهم على الشيعة من بين الفرق الإسلامية لأسباب نوضّحها فيما بعد.
ولسنا الآن بصدد عرض ما قاموا به من النشاط في صفوف المسلمين لفتح باب الخلافات، ولكنّنا نريد أن نعطي صورة عمّا قاموا به من تزييف الحقائق والمغالطة، ليطعنوا في العقائد الإسلامية من باب أين ما أصابت فتح.
وقلّدهم في ذلك بعض الكتّاب عن دراية أو غير دراية، فمن تلك الآراء التي تحمل طابع التزييف للحقائق التاريخية، أو الجهل المزري هو ما ذهب إليه جوبينو بقوله حول تشيّع الفرس: كانت هذه النظرية عقيدة سياسية ـ وهي التشيع ـ غير متنازع فيها عند الفرس، وهي أنّ العلويين وحدهم يملكون حقّ حمل التاج، وذلك بصفتهم المزدوجة لكونهم وارثي آل ساسان من جهة اُمّهم بيبي شهر بانو ابنة يزدجرد آخر ملوك الفرس، والأئمة رؤساء هذا الدين حقّاً. ثم يأتي من بعده بارون فيؤيّد هذه النظرية بإيضاح السبب الذي استمال الفرس إلى التشيّع معتمداً على ما قاله جوبينو في هذا الصدد فيقول بارون: إني أعتقد أن جوبينو قد أصاب فيما قاله: أنّ نظرية الحقّ الإلهي وحصرها في البيت الساساني كان لهما تأثير عظيم في تاريخ الفرس في العصور التي تلتها ـ إلى أن يقول ـ: ومن جهة اُخرى فإنّ الحسين وهو أصغر ولد فاطمة بنت النبي وعلي ابن عمّه قد قالوا: إنّه تزوج من شهر بانو ابنة يزدجرد الثالث آخر ملوك آل ساسان([15]).
هذا هو منطق المستشرق جوبينو وهذه عقليته، إذ يجعل التشيع فارسياً بحتاً وإنّ تشيع الفرس كان منهم تعصّباً لا تديناً; لأنّهم أصهار آل علي(عليه السلام)فالذي دفعهم لمناصرة آل علي ـ في نظره ـ هو علقة المصاهرة; لأنّ الحسين(عليه السلام) قد تزوج إحدى بنات يزدجرد اللاتي جيء بهن سبايا في أيام خلافة عمر بن الخطاب، وكنّ ثلاث بنات، فاشتراهن الإمام علي(عليه السلام)، ودفع واحدة لعبدالله بن عمر فأولدها سالماً، ودفع الثانية إلى محمّد بن أبي بكر فأولدها القاسم، ودفع الثالثة لابنه الحسين(عليه السلام)فأولدها زين العابدين(عليه السلام)([16]).
فعلي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) والقاسم وسالم هم أبناء خالة، لأنهم أولاد بنات يزدجرد.
فدليل هذا المستشرق على ارتباط التشيّع بالفرس ومناصرة أبناء فارس لأهل البيت إنّما كان للمصاهرة، كما يذهب جوبينو وغيره، وهذا من خطل الرأي وسقم التفكير.
ويقول ولهوسن: إنّ العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر ممّا نبعت من الفارسية مستدلاً باُسطورة ابن سبأ الخرافية([17]). وما أكثر من يصدق بالأساطير ويخضع للخرافات.
ويقول دوزي وغيره من المستشرقين: إنّ أصل التشيع فارسي. مستدلّين بالمصاهرة المذكورة، وإنّ الفرس تدين بالملك وبالوراثة في البيت المالك، والشيعة تقول بوجوب طاعة الإمام([18]).
ويقول نيبرج في مقدمة كتاب الانتصار للخياط: وكانت الشيعة محلّ امتزاج الثنوية بالإسلام خاصة... إلخ ([19]).
إلى كثير من تلك الأقوال المفتعلة والآراء الشاذة المنافية للحقائق من جعل التشيع فارسياً بحتاً، وغرضهم في ذلك هو أن تصبح عقيدة الشيعة ذات صلة بعقائد الفرس القديمة، وبهذا فهم يطعنون في العقيدة الإسلامية في الصميم كما أنّهم قد جعلوا إسلام أبناء فارس إسلاماً عنصرياً لا إسلاماً حقيقياً منبعثاً عن عقيدة راسخة.
هذا هو منطقهم الخاطئ، وهذه هي آراؤهم الشاذة، وأقوالهم الكاذبة وهم لا يلامون على ما جنوه، لأنّهم خصوم الإسلام، وهل يرتجى الخير من خصم يحترق قلبه بنار الغيظ وقد آن لهم أن يشفوا غيظهم، وينفثوا سمومهم بين المجتمع الإسلامي. فلا لوم عليهم، ولكن اللّوم كلّ اللّوم على كتّاب يدّعون الحميّة على الإسلام وأهله، فيقرّون في بحوثهم تلك الآراء، ويثبّتون تلك الطعون وكأنّها مكرمة جاءوا بها للاُمة; حتى بلغ الانحراف والشذوذ ببعضهم أنّه نسب إلى أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وخريجي مدرسته بأنّهم قد أخذوا بآراء ابن سبأ اليهودي وتأثروا بتعاليمه([20]).
وهذا من أعظم الجنايات وأقبح الاُمور، ولكن هذا القائل قد بلغ حدّاً في مناصرة الباطل جعلنا نتهاون في أمره، فألقيناه في سلّة المهملات غير مأسوف عليه، لأنّ الانشغال بكلّ ما بدر من أعداء الإسلام يفوق الطاقة، ولذا فهو من مهمّات المسلمين جميعاً.
ونجد أحمد أمين في بحوثه ـ وبالأخص في فجر الإسلام([21]) ـ قد أخذ بهذه الآراء وأقرّها كأنّها مصدر وثيق لا يتطرّق إليه وهن، ولا يداخله أيّ نقاش.
وكذلك الدكتور حسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام السياسي([22])، والشيخ محمّد أبو زهو في كتابه الحديث والمحدثون([23])، ومصطفى الشكعة([24])وغيرهم، فالجميع قد ساروا على هذا الخط الذي رسمه أمثال هؤلاء المستشرقين بدوافع واحدة وأغراض معيّنة لا تبعد عن محاولة الإساءة للإسلام وتشويه عقائده بدون رجوع إلى الوثائق التاريخية التي تفنّد هذه المزاعم، ولا يتّسع المجال إلى عرض أقوال هؤلاء الكتّاب المقلدين، وللمثال نضع في هذا المورد قول أحد الكتّاب المعاصرين وهو الاُستاذ مصطفى الشكعة إذ يقول: والمنطق في ذلك أنّ الفرس يعتقدون أنّهم انسباء الحسين، لأنّه تزوج جهان شاه سلافة ابنة يزدجرد بعد أن وقعت أسيرة في أيدي المسلمين، ولقد أنجبت سلافة علياً زين العابدين، وإذن فهم أخوال علي، ويمكن الربط بين تحمسهم لابن ابنتهم وبين تشيّعهم. فتشيّعهم والحال كذلك لا يمكن أن يقال أنّه تشيّع عقيدة خالصة، بل هو أقرب إلى تشيّع العصبية منه إلى تشيّع العقيدة، وتشيع العصبية يساوي تشيع السياسة، ففكرة التشيع من ناحية الفرس على الأقل فكرة سياسية خالصة، بل إنّ بعض الفرس قد أعلن انتصاره لعلي زين العابدين لما يربط بين الفرس وبين بيت الحسين مننسب([25]).التشيّع والفرس
هذا هو منطق الاُستاذ الشكعة، يتعاطاه بدون انتباه إلى الأخطاء التي أحاطت به فأخرجته عن جادة الصواب.
لقد أبدى الاُستاذ رأيه وكأنّه هو السابق إليه إذ لم يذكر الذين سبقوه بهذه الأخطاء، وكأنّه يقصد بذلك أن ينفي عنه التقليد لغيره فبرز بهذه المكرمة المبتكرة، لينال الثناء على عظيم فكرته، ورجاحة عقليّته.
وكان اللازم عليه وعلى غيره ممّن اعتمدوا على آراء المستشرقين ألا يقفوا عند الحدود الضيقة، التي وقف بها اُولئك المتعصبون، لأنّ العلم يأبى الانقياد والأخذ دون دليل.
وكان الأجدر بهم وهم رسل الثقافة، وحملة أمانة التاريخ بأن يفكروا في صحة تلك الأقوال وصواب تلك الآراء، ونحن نطالب الأساتذة ومنهم الدكتور حسن إبراهيم والاُستاذ الشكعة وغيرهم بأن يسائلوا أنفسهم عن صحة رأي جوبينو وبارون وغيرهم في الاُمور التالية:
1 ـ لِمَ ناصر الفرس ابن أختهم زين العابدين؟ ولم يناصروا ابن اُختهم سالماً، الذي كان هو وأبوه من أنصار الدولة الاُموية، وكانت لعبد الله بن عمر اليد الطولى في انتصار جيش أهل الشام على جيش أهل المدينة يوم الحرة فقد كان يخذّل الناس، ويدعو إلى الوفاء ببيعة يزيد ولماذا لم يدخلوا في الحزب الاُموي تعصّباً لصهرهم ابن عمر، وابن أختهم سالم ولماذا لم ينتصروا لأبي بكر وهم أصهاره؟
2 ـ إنّ انتشار المذهب الحنفي في بلاد فارس أكثر من غيره من المذاهب الإسلامية، وإنّ العلماء الذين نشروه وخدموه بمؤلّفاتهم أكثرهم كان من أبناءفارس.
فهل كان ذلك أمراً واقعياً؟ أم أنّهم تعصّبوا له لأنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي كان من بلاد فارس فاعتناقهم لمذهبه تعصّباً له لأنّه ابنهم.
3 ـ هل أن إسلام رجال الحديث من العلماء الذين هم من أبناء فارس كالبخاري والحاكم والبيهقي وغيرهم، كان واقعياً أم تعصّباً لجهة، أم تقليداً لآبائهم واتباعاً لقومهم؟
ولعلّهم يقولون إنّ إسلام العصبية كان خاصاً بمن يتشيّع، فهذا شيء لا نعرفه ولا نجيب عمّا لا نعرف ممّا يخرج عن قواعد التحقيق ونواميس الواقع.
4 ـ هل كان تشيّع بلاد فارس بالصورة التي هو عليها الآن في القرون الأولى أم القرون المتأخرة؟ ومن هم الذين نشروا التشيّع هناك؟
ولو أنّ هؤلاء الكتّاب كانوا يهدفون إلى الحقيقة لاستقاموا في أبحاثهم، ونهجوا نهج المؤرخ الذي يحاول اظهار الواقع وجلاء الغامض، ولظهر لهم هناك أنّ انتشار التشيع في إيران كان في القرن السابع الهجري وأنّ الذين تولّوا نشره في الزمن الأول هم الفاتحون من كبار المسلمين ودعاة أهل البيت(عليهم السلام)وكانت البلاد تختلف باتجاهاتها ونزعاتها.
وباختصار أنّ تلك الآراء الشاذة والأقوال التي لا تستند إلى وثائق تاريخية كان الباعث لها حقد اُولئك القوم الذين تغلي قلوبهم بنار الغيظ على الإسلام. وإن كانت هناك فئة تتصف بالاتزان ومراعاة الحقيقة فهم قليلون بالنسبة للكثرة التي يتصف بها اُولئك الحاقدون، من المستشرقين والزنادقة المتدخلين في صفوف المسلمين.
وخلاصة القول: انّ الانحراف الذي وقع فيه بعض كتّاب العصر الحاضر يرجع إلى أسباب كثيرة اهمّها: عدم رعاية الأبحاث العلمية واعطاء الموضوع حقّه من النظر والتفكير، والوقوف على مدى تأثير الوقائع في الآراء، وأنّهم قد أهملوا جانب العدل والاستقامة، وركنوا إلى اُمور وهمية. وبعبارة أوضح أنّهم يكتبون بوحي العاطفة والتعصّب الأعمى، فجمدوا على ما يكتبه سلف عاش في عصور التطاحن والتناحر. هذا من جهة، ومن جهة اُخرى فإن تذوقهم لقراءة ما يكتبه اُولئك الحاقدون من المستشرقين جعلهم لم يلتفتوا لما اشتملت عليه كتبهم من التناقض ومخالفة الحقّ، ولو تنبّهوا لذلك لما جعلوا شيئاً منها محوراً لأبحاثهم، ولم يستندوا إلى تلك الأقوال وكأنّها صادرة من منبع صدق لا يتطرق إليه أيّ شكّ ولا يداخله أيّ احتمال.
ولهذا فقد أهملوا دراسة العوامل التي انتشر بها المذهب الشيعي في بلاد فارس في فترات متعاقبة وأدوار مختلفة.
ولو درسوا ذلك لما ظلموا اُمة تدين بالإسلام عن عقيدة خالصة ونيّة صادقة، ولهم مواقف مشهودة، فجعلوا إسلامها تعصّباً ـ لا تديناً ـ، كلّ ذلك ممّا يهدف إليه المرجفون والذين يحاربون الإسلام من طريق الطعن في العقيدة.الشيعة والمستشرقون
وإذا ألقينا نظرة سريعة على أسباب تحامل المستشرقين على الشيعة بالأخص وجدنا أنّها حاصلة من مؤثرات متداخلة أهمّها امتناع الشيعة عن ملامستهم ومواكلتهم ممّا بعث في نفوسهم حقداً مضاعفاً، وقد اشتملت مؤلفات الأوربيين الذين عاشوا بين ظهراني الشيعة على بيان ذلك، ونكتفي بما ذكره البعض منهم.
قال الدكتور بولاك ـ الذي قضى أعواماً طويلة في فارس متقلّداً منصب الطبيب الخاص للشاه ناصر الدين.
إذا قدم اُوربي مصادفة وعلى غير انتظار في بداية تناول الطعام يقع الفارسي في الحيرة والارتباك، ويسقط في يده، لأنّ الآداب تمنعه من أن يأمر زائره بالانصراف، وإذا سمح له بالدخول تحرج; لأن ما يلمسه الكافر من طعام تلحقه النجاسة، والفضلات التي تبقى من طعام الاُوربيين يأبى أن يتناوله الخدم ويتركونها للكلاب.
ثمّ يقول: يلزم الاُوربي أن لا يغفل أن يعدّ لنفسه إناء يشرب منه، فليس من أحد يعيره شيئاً، فعقيدة الفرس أنّ كلّ إناء يتنجس إذا ما استخدمه الكافر([26]).
وكذلك قال فولني في كتابه رحلة في سوريا ومصر وقرر في مشاهداته هذه الاُمور التي تحزّ في نفوسهم.
وجاء في مشاهدة آخرين من السائحين شبيهة بهذه المشاهدات في الحجاز من النخاولة وغير الحجاز من البلدان الإسلامية.
وبهذا وجّه المستشرقون حملتهم الشعواء على الشيعة وزادوا على ما شاهدوه: بأنّ هذه النزعة تشمل غير الكفار.
يقول أجناس جولدزيهير: إنّ هذه النزعة المتعصّبة عند الشيعيين الصادقين في تشيّعهم لم تقتصر على الكفار بل شملت المسلمين من مختلف النحل والمذاهب، وكتب الشيعة تفيض بالدلالة على هذا البغض والتحامل([27]).
وهنا نلمس أثر ذلك الانفعال الحاصل من ردّ الفعل في نفوس هؤلاء المستشرقين لعدم ملامسة الشيعة لهم، وتجنّبهم عن مواكلتهم، ممّا حملهم على افتعال هذه الاُمور تشفياً منهم.
وهم عندما يعودون من رحلاتهم يصورون الشيعة بصور مشوّهة، ويحكمون عليهم بأحكام جائرة، ولعجزهم عن الإلمام بتاريخ الشيعة ليكتبوا وفقاً لما يتطلّبه منهاج البحث التاريخي، دوّنوا في كتبهم ما هو بعيد عن جوهر التشيّع، وجرّدوا المبدأ من جميع مفاهيمه الدينية واُسسه الأخلاقية، فوصفوا معتنقيه بكلمات نابية، إذ فسحوا المجال لخيالهم، وانقادوا وراء شعور الحقد.
وعوضاً عن أن يتأمّلوا بنظرات مستنيرة ليدخلوا باب الأبحاث التاريخية، راحوا يصورون بدون تثبت، ويتخبطون في مجالات البحث بصورة تدلّنا على الغرض الذي كتبوا من أجله ونستشف الدافع الذي دفعهم لذلك، وقد جمعوا عدة طعون غذّاها الحقد وأملاها الخيال وسجّلوها في قائمة المؤاخذات على الدين الإسلامي، ليرموا المسلمين بها عن كثب.
يضاف إلى ذلك أنّهم استمدوا أكثر معلوماتهم من كتب اُناس عاشوا في عصر اشتد فيه الصراع بين الطوائف وتلاطمت فيه أمواج الفتنة، فكان أتباع مذهب أهل البيت،أشدّهم عناء، وأعظمهم محنة، لتدخل السلطة حين بذلت جهدها في القضاء على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ومن يناصره.
فكانت التهم تكال جزافاً، والحرب بين الشيعة وبين السلطة ونفوذها ـ من أعوان ومؤيدين ـ سجالاً، حتى حكموا عليهم بالكفر والخروج عن الدين، واتهموهم بالشرك وأنّهم يعبدون الأئمة، وأنّ التشيع حزب سياسي.. إلخ. فأخذ المستشرقون وغيرهم ممن يكيدون للشيعة تلك التهم فأزادوها وأبرزوها للعالم بأسلوب ماكر خدّاع، طلباً لاتّساع رقعة الخلاف وإيقاد نارالفتنة.
والمتتبّع لما يكتبونه يجد لهم كثيراً من الآراء الشاذة، فمثلاً أنّهم يقولون: إنّ أصل التصوف في الإسلام مأخوذ من أصل مجوسي([28]).
وإذا طالبتهم بالدليل قالوا: إنّ عدداً كبيراً من المجوس ظلّوا على مجوسيتهم في شمال إيران بعد الفتح الإسلامي، وإنّ كثيراً من كبار مشايخ الصوفية ظهروا من إيران.
وبهذا القياس العقيم والاستنتاج الغريب حكموا على أنّ المتصوفة مجوس، وهم يحاولون أنّ يطعنوا الإسلام، بتجريده من الروحيات وجعله ديناً جامداً لاصلة له بالروحيات والحبّ الإلهي.
وعلى أيّ حال: فإنّ عواصف الاتهامات التي اُثيرت حول الشيعة كانت من وحي الخيال، سداها الهوى ولحمتها الحقد، وإنّ قليلاً من التأمل في حوادث التاريخ ووقائع الزمن واختلاف الظروف يكفي ـ بطيبعة الحال ـ للكشف عن الواقع وجلاء الغامض.
ولا أبعد عن الواقع إن قلت: إنّ مهمة المؤرخ عن الشيعة هي أعسر من مهمة من يؤرخ لغيرها من طوائف المسلمين، لوجود عواصف الاتهام وزوابع الافتراء. والسبب الأساسي لذلك هو انفصال الشيعة عن الدولة، ومعارضتهم للحكم القائم على الظلم، طبقاً لنهج أهل البيت(عليهم السلام) الذي ساروا عليه.
والواجب يقضي على كلّ مؤرخ وباحث أن لا يغفل هذه النقطة الأساسية التي لها أثرها في توجيه المجتمع، لتحقيق ما وراءها من هدف، فالاستسلام لكلّ قول، والأخذ بكلّ رأي دون تمحيص جناية على التاريخ وتمرد على الواقع.
وممّا لا جدال فيه وما يلزمنا الاعتراف به: أنّ كلاً من الدولتين الاُموية والعباسية، قد تنكرتا لأهل البيت(عليهم السلام)، وأصبح من عرف بالولاء لهم هدفاً للنقمة، إذ الولاء لآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو مفهوم تلك السياسة خطر يهدد كيان الدولة، وذلك ذنب لا يغفر.
وكم اُريقت بذلك من الشيعة دماء، وهُدمت دور، ونُهبت أموال واُزهقت نفوس، واهتزت مشانق. ومُلئت سجون؟!
وكان أسهل شيء على من يخشى سطوة الدولة أو يتّهم بالانحراف عنها، أن يتظاهر بالعداء لأهل البيت(عليهم السلام)وذمّ شيعتهم، ويظهر ذلك في نظم أو نثر أو تأليف كتاب، أو وضع حديث أو خلق حكاية تحطّ من كرامة الشيعة; وقد أصبح ذلك طريقاً لكسب المغنم، وحصول الجوائز أيضاً.
ومن أظرف الأشياء ما قاله المرزباني: إنّ رجلاً دخل على الرشيد فقال: لقد هجوت الرافضة ـ ويقصد بهم الشيعة ـ طبعاً.
قال الرشيد: هات. فأنشد:رغماً وشماً وزيتوناً ومظلمة *** من أن تنالوا من الشيخين طغيانا
فقال الرشيد: فسره لي. قال: لا، ولكن أنت وجيشك أجهد من أن تدري ما أقول.
قال الرشيد: والله ما أدري ما هو. وأجازه بعد ذلك([29]).
ومنها: أنّ رجلاً بالكوفة اسمه علي، اشتكى إلى الحجاج بن يوسف ظلامته من أهله، فسأله عن ذلك، فأجابه: إنّهم ظلموني فسمّوني علياً([30]).
لأنّ التسمية باسم علي تستوجب الاتهام وقطع الصلة، وهكذا ممّا يطول به الحديث، والتاريخ حافل بالأعمال الإرهابية التي اتخذها الحكّام في توجيه الطاقات الاجتماعية، لبناء مجتمع يخضع لإرادتهم وتكييف الجماعات لبغض أهل البيت(عليهم السلام)، وكان الدور الاُموي يلقّن أبناءه بغض علي(عليه السلام)ويوجبون شتمه علناً، فكان في المملكة الاُموية سبعون ألف منبر يُشتم عليها علي بن أبي طالب(عليه السلام)([31]). وكان المحدّثون والقصّاص يختمون مجالسهم بشتمعلي(عليه السلام).
قال جنادة بن عمرو بن الجنيد: أتيت من حوران إلى دمشق، لأخذ عطائي فصليت الجمعة، ثم خرجت من باب الدرج، فإذا عليه شيخ يقال له أبو شيبة يقصّ على الناس، فرغّب فرغبنا، وخوّف فبكينا، فلما أنقضى حديثه، قال: أختموا مجلسنا بلعن أبي تراب. فالتفت إلى من على يميني فقلت له: فمن أبوتراب؟
فقال: علي بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله، وزوج ابنته وأول الناس إسلاماً، وأبو الحسن والحسين.
فقلت: ما أصاب هذا القاصّ؟ فقمت إليه وكان ذا وفرة فأخذت وفرته بيدي، وجعلت ألطم وجهه، فصاح واجتمع أعوان المسجد، فجعلوا ردائي في رقبتي، وساقوني إلى هشام بن عبدالملك، وأبو شيبة يقدمني ويصيح: يا أمير المؤمنين، قاصك وقاص آبائك وأجدادك، أتى إليه اليوم أمر عظيم.
قال هشام: من فعل بك هذا؟
فقال: هذا. ـ وأشار إلى جنادة.
ولما سألني هشام أخبرته بالخبر.
فقال هشام: بئس ما صنع، ثم عقد لي على السند، وقال لجلسائه: مثل هذا لا يجاورني ها هنا فيفسد عليَّ البلد فباعدته إلى السند([32]).
وصفوة القول إنّ الاُمويين كانوا يبذلون جهودهم في توجيه المجتمع لإخفاء مآثر علي(عليه السلام)، فلا يسمح لأحد أن يروي عنه أو يتحدث بحديثه، حتى صار المحدثون يكنون عنه(عليه السلام) بأبي زينب([33]).
أمّا من يروي حديثاً في فضله أو فضل أهل بيته، فمصيره إلى التعذيب، ونهايته إلى الموت، وعلى العكس فإنّ من يضع رواية في ذمّه ـ وهو المبرأ ـ فذاك هو المقرّب وله ما يحب من صلتهم ورفدهم.
وقد أعلن ولاتهم على المنابر ـ بشكل رسمي ـ إلزام الناس شتم علي(عليه السلام)والبراءة منه، وأثاروا الشكوك والريب حول أتباعه وأنصاره، وكانوا يتخذون من تكنية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)له بأبي تراب ذريعة لتنقيصه، وقد لقي المسلمون في ذلك أذى وتنكيلاً.
وباختصار، فإنّ ما نال الشيعة من وطأة الظلم بأنواعه، إنّما كان لأجل انتصارهم لأهل البيت وانفصالهم عن دولة الظلمة، وإعلانهم الغضب على تلك الأعمال التي ارتكبها اُولئك الحكّام، وقد رفع الشيعة لواء المعارضة على ممر العصور والأدوار، وقدّموا التضحيات المجيدة، وهذه حقيقة يجب أن يسير الباحثون على ضوئها في البحث عن تاريخ الشيعة.
ويلزم أن يقدروا أثر تدخلالسلطات في تغيير الحقائق وتصوير الحوادث، لأنّه النول الذي حيكت عليه التّهم الكاذبة، والتي كان سداها الهوى ولحمتها الحقد، بل هو القانون الذي يستمد منه علماء السوء أحكامهم الجائرة في حقّ الشيعة.
نعم إنّ ذلك التّدخل هو مصدر الصعوبات والمشاكل التي تقف أمام رواد الحقيقة الذين يحاولون الوصول إلى الأمر الواقع، عندما تنطلق أقلامهم من قيود الطائفية الرعناء، وتتحرر أفكارهم من أساطير الأوهام وخرافات الماضي.
ونحن نشتدّ باللائمة على رجال الفكر وأعلام الأدب، وحاملي شهادات الدراسات العالية، إذ لم يتحملوا صعوبة البحث ومشقة التنقيب عندما حاولوا معالجة مواضيع لها علاقة في الشيعة، إمّا حول تاريخهم أو آرائهم أو فقههم أو غير ذلك; فإنّا وجدنا الكثير منهم قد خلطوا في كثير من الاُمور فزادوها تعقيداً وأصدروا أحكامهم بدون تحقيق علمي أو ضبط تاريخي، وهذا نقص يؤاخذون عليه. وعلى سبيل المثال نضع بين يدي القرّاء ما يلي:الدكتور شلبي والشيعة
قال الدكتور أحمد شلبي اُستاذ الدراسات الإسلامية بجامعات أندنوسيا: المصادر الرئيسية للشريعة الإسلامية هي القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، إلى أن يقول: ولكن الشيعة يعتقدون في أئمتهم أنّ الله يؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم وتنزل عليهم الملائكة، وتأتيهم بالأخبار، وإذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله إياه، وهم من أجل هذا لا يحتاجون إلى الرأي والقياس، فكلّما جد أمر ليس في القرآن ولا في أحاديث الرسول إجابة صريحة عنه ، تلقى الإمام من الله الرد على هذا السؤال، كما كانت الحالة مع الرسول تماماً، ومن أجل هذا يبطل استعمال القياس والرأي.
وبناء على اختلاف الاُسس التي تؤخذ منها الشريعة وسبب المصدر الجديد الذي اعتمده الشيعة أصبح لهم فقه خاص بهم يختلف ويتفق مع فقه السنة، وفيما يلي أمثلة لفقه الشيعة مقتبسة من الترجمة العبقرية للعلامة غلام حليم بن قطب الدين الهندي:
الطهارة: طهارة الخمر.
لا يحتمون طهارة مكان الصلاة ما دامت النجاسة لا تعلق بالثوب.
الصلاة: يجيزون الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غيرعذر.
لا يجيزون القصر لصلاة المسافر إلاّ إذا كان مسافراً إلى مكة والمدينة أو الكوفة أو كربلاء.
تختلف عدد التكبيرات على الميت تبعاً لمكانته.
الصوم: صوم اليوم الثامن عشر من ذي القعدة سنّة مؤكدة.
لا يبحثون عن هلال رمضان، ولا عن هلال شوال ودائماً يبدأون رمضان قبل أهل السنة بيوم أو يومين، ورمضان عندهم كامل دائماً.
لا تجب الزكاة في أموال التجارة.
النكاح: يجوز نكاح المتعة.
لا يقع الطلاق إلاّ بشاهدين كالزواج.
الميراث: يقدمون القرابة على العصبة.
يقدمون البنت على الولد في الميراث لا يورثون الجد عند وجود ابن الابن.
الأذان: يزيدون فيه عبارة: حي على خير العمل([34]).
هذا ما يقوله الدكتور الشلبي: ولنمرّ أوّلاً مرّ الكرام على ما قاله حول اعتقاد الشيعة بالأئمة(عليهم السلام) من أنّهم تنزل عليهم الملائكة وتأتيهم بالأخبار وأنّ حالهم حال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،فالحديث حول هذا يطول وهذه التهمة من محدثات عصور التطاحن والتناحر. وليست هذه الفرية على الشيعة ممّا يصح السكوت عنها، ولكن ضيق المجال يدعونا إلى الإعراض عن المناقشة هنا كما يدعونا ذلك إلى ترك التعرّض لما ذكره في مسألة القياس ورأي الشيعة فيه. وقد مرّ في الجزء الثاني من هذا الكتاب بحث حول رأي الشيعة في القياس.
وامّا ما نسبه إلى الشيعة من الفروع الفقهية التي جعلها انموذجاً ومثالاً فهي خلط وخبط وتزوير وجهل وتعصّب، وسيقف القراء على حقيقة ذلك في بحث الفقه المقارن.
ومن أعجب الأشياء قوله: إنّ الشيعة لا يجيزون قصر الصلاة للمسافر إلاّ إذا كان مسافراً إلى مكة، والمدينة، أو الكوفة وكربلاء، وهذا قول بعيد عن الصواب تماماً، فإنّهم يوجبون القصر في الصلاة اجماعاً، ويقولون بالتخيير بين القصر والإتمام في هذه الأماكن الأربعة والقصر عندهم أفضل([35]).
وأما قوله باستحباب صوم اليوم الثامن عشر من ذي القعدة فهذا بهتان، يعجز عن إثباته إذ لا يوجد قائل بهذا أبداً إلاّ الاُستاذ الشلبي.
وأما طهارة الخمر فهو كذب ولا أثر لذلك، بل إنّ الشيعة تشدّدوا في نجاسة الخمر، وقالوا بنجاسة كل مسكر مائع بالإصالة وان صار جامداً بالعرض، وأمّا ما ذكر من نكاح المتعة والجمع بين الظهرين وحضور شاهدين في الطلاق فهذه أبحاث علمية وللمسلمين في ذلك خلاف يأتي فيما بعد إن شاء الله.
والذي نودّ أن نشير إليه هو أنّ الدكتور لم يكلّف نفسه عناء البحث ولم يعط من وقته للتنقيب. وإن قال إنّ الوقت ثمين، فيجب أن تكون الكرامة أثمن من الوقت، وأنّ ظهور النقص لعدم اطلاعه أو كذبه هو حطّ في كرامته، إذ لا يوثق بنقله وهو موجّه جيل ومعلّم فئة ورئيس جامعة، وربّما له عذر النقل من مصدر وهو غير معذور بصفته عالماً موجّهاً فيلزمه البحث والتدقيق.
هذه صورة من صور التجني على الحقائق والخروج عن القواعد العلمية، وسيجد القرّاء زيادة بيان في الدراسات الفقهية الآتية، وفيها ما يفنّد هذه المزاعم والمفتريات، والخلط والخبط في الاُمور الواضحة. ممّا يدلنا بوضوح على عظيم التأثر بدعايات التضليل، المسيطرة على أذهان الكثيرين من المتنورين في البلاد الإسلامية.مناقشة أخطاء المؤلّفين
ومن المفيد في هذا المجال توضيح ما ذهب إليه بعض المؤلفين في حقيقة هي أجلى من رائعة النهار، وذلك أنه مزج بين المذهب الشيعي والمذهب الشافعي اشتباهاً، أو جهلاً بالموضوع وهو الحاج خليفة([36]).
قال: والكتب المؤلّفة على مذهب الإمامية الذين ينسبون إلى مذهب ابن إدريس، أعني الشافعي(رحمه الله) كثيرة منها: شرائع الإسلام، والذكرى، والقواعد، والنهاية...
ويقول تحت عنوان الكتب المؤلفة على مذهب الإمامية: البيان، والذكرى وشرائع الأحكام، وحاشيته، والقواعد، والنهاية.
ومن أقوالهم الباطلة: عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة، ووجوب الغسل بعد غسل الميت، ووجوبه لصوم المستحاضة، وكراهية الطهارة بماء أسخن في غسل الميت، ووجوب المسح على القدمين، وعدم لزوم الاستيعاب في التيمم وكفاية مسح الجبهة. وقال معلّقاً: ويطلقون ابن إدريس على الشافعي.
وقال عند ذكر تفسير الشيخ الطوسي فقيه الشيعة: هو أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي فقيه الشيعة الشافعي، كان ينتمي إلى مذهب الشافعي المتوفى سنة (460 هـ) سمّاه مجمع البيان لعلوم القرآن([37]).
ونحن هنا أمام حقيقة يلزم أن نجلو عنها غشاوة الأوهام، ولا أراني بحاجة إلى التعليق على وقوع مثل هذا الخلط بأكثر من أن أقول: أنّ الذي أوقع هذا المؤلف بشبكة المؤاخذة: هو اغماض عينيه عن الطريق الموصل إلى الحقيقة ليسلم من ذلك.
والذي يؤاخذ عليه الاُمور التالية:
1 ـ قوله: كتب الإمامية المنتسبين إلى محمّد بن إدريس الشافعي.
2 ـ قوله: يطلقون ابن إدريس على الشافعي.
3 ـ قوله: عند ذكر تفسير الشيخ الطوسي، هو أبو جعفر محمّد بن الحسن
الطوسي ، فقيه الشيعة الشافعي، كان ينتمي إلى مذهب الشافعي المتوفى سنة(460 هـ) سماه مجمع البيان لعلوم القرآن.
ولنتعرض لإيضاح هذه الاُمور التي وقع فيها المؤلف بشبكة المؤاخذة هنا عن دراية أو غير دراية.
* * *
1 ـ إنّ الفرق بين المذهب الشيعي والمذهب الشافعي لا يحتاج إلى زيادة بيان، فلكلّ مذهب مقوماته ومنابعه، وهذه النسبة غير صحيحة فالإمامية لا يأخذون بمذهب الشافعي، ولئن التقت أقوالهما في بعض الموارد فلا يدل ذلك على وجود هذه الملازمة، فمذهب الشيعة هو أقدم نشأة من مذهب الشافعي، بل أقدم المذاهب كلّها. وهو يستقي تعاليمه من ينبوع أهلالبيت(عليهم السلام)الذين هم عدل القرآن، وورثة صاحب الرسالة، وباب الاجتهاد عندهم مفتوح على مصراعيه، وعند غيرهم موصد لا ينفذ منه قول، ولا يسمح لأحد أنيلجه.
وإنّ مذهب الشيعة هو كسائر المذاهب الإسلامية بعضها مع بعض في نقطة الاتفاق والافتراق، فربّما تتفق جميعها على قول وربّما تختلف، فالقول بانتساب الشيعة إلى الشافعي خطأ بيّن، وجهل صريح.
ولنقف على مبعث هذا الخلط وأسبابه وهو ما صرّح به في القول الثاني: من أنّ الشيعة يطلقون اسم ابن إدريس على الشافعي.
هذا هو مبعث الخلط ومثار التشكيك، وذلك أنّ الحاج خليفة صاحب كشف الظنون وقف على نقل الشيعة لأقوال محمّد بن أحمد بن إدريس العجلي الحلي([38])، عالم الشيعة وفقيههم، والمبرز في علمه وفضله; وهو مؤلّف كتاب السرائر في فقه الإمامية ومختصر تبيان الشيخ الطوسي فظنّ صاحب كشف الظنون أنّ المقصود بمحمّد بن إدريس هو الشافعي([39]).
والإمامية إذ يستشهدون بأقوال محمّد بن أحمد بن إدريس الحلي المتوفى سنة (598 هـ) فإنّهم يطلقون عليه ابن إدريس ويقصدون به شيخ فقهاء الحلة في عصره محمّد بن أحمد بن إدريس صاحب كتاب السرائر.
وبهذا الإطلاق اشتبه الأمر على صاحب كشف الظنون وليس ذلك بغريب، إذ الاُمور لم تكن مبنية على دراسة واستنطاق للحوادث وتتبع يوصل إلى النتيجة، فحكم الحاج خليفة بهذا الحكم بدون تحقيق علمي وضبط تاريخي ظلماً للعدالة وتمرداً على الموازين.
مع إنّا لم نجد أحداً استشهد بقول الشافعي فأطلق عليه ابن إدريس وإنّما يقولون: قال الشافعي.
ولكنّ المؤلف اعتمد على أوهن الظنون، وخيّل له أنّ إطلاق لفظ ابن إدريس إنّما المقصود به الشافعي، وهذا اصطلاح لا يعرفه أحد بل هو من وحي الخيال.
2 ـ قوله إنّ الشيخ الطوسي كان ينتمي إلى مذهب الشافعي وإن له تفسيراً سماه مجمع البيان لعلوم القرآن.
وهذا خطأ من جهتين:
1 ـ إنّ الشيخ أبا جعفر محمّد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة وصاحب كتابي التهذيب والاستبصار، اللذين هما من أهم المصادر عند الإمامية للحديث، وكونه شافعياً خطأ يتفرع إمّا عن اشتباهه الأوّل أو لأنّه وجد ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي([40]).
وهذا لا حجة فيه; لأنّ الشافعية قد ترجموا لكثير من العلماء وليسوا من أتباع مذهب الشافعي، بل منهم من هو رئيس مذهب برأسه كأحمد بن حنبل إمام الحنابلة، وإسحاق بن راهويه المروزي، وعلي بن إسماعيل أبي الحسن الأشعري وغيرهم([41]).
إذن فليس من الصحيح أن يعدّ منهم كل من ترجم له في طبقات المذهب. فإنّا نجد جميع كتّاب الطبقات يعدون رجالاً ليسوا من اتباع ذلك، كما أنّ الحنابلة ترجموا للشافعي وغيره وهكذا.
ومن جهة ثانية إن الشيخ الطوسي كان غزير العلم واسع الاطّلاع وله احاطة بفقه جميع المذاهب. ويدل على ذلك كتابه القيم في الفقه الإسلامي أسماه الخلاف، ذكر فيه فقه الشيعة مقارنة مع فقه جميع المذاهب، وكان الشيخ الطوسي له كرسي أيام المقتدر يلقي عليه الدروس ويحضره جمع من علماء الشافعية وغيرهم، وله ببغداد مكتبة عامرة ولكنّها اُحرقت عندما اشتدّ المتعصبون عليه وهاجر إلى النجف.
2 ـ قوله أن له تفسيراً سماه([42]) مجمع البيان لعلوم القرآن، وهذا خطأ فإنّ مؤلف مجمع البيان: هو الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل المعروف بالطبرسي المتوفى سنة (548 هـ) أحد علماء الإسلام وفقهاء الإمامية له عدّة مؤلفات.
وقبل أن نتحوّل من هذا الموضوع الذي أوجزنا فيه القول لا بدّ لنا من أن ننبّه القراء الكرام بأنّ نسبة كثيرة من الاُمور إلى الشيعة تقع على هذا النمط وبهذه الصورة، لأنّ الدراسة حول ما يتعلق بهم هي دراسة سطحية تفتقر الى الدقة والتحقيق، فينبغي لكلّ باحث أن يعطي الموضوع حقّه، لأنّ التساهل في الاُمور يوقع في الخطأ.
ولهذا فإنّ خطأ صاحب كشف الظنون كان منشأه عدم إحاطته بالموضوع، وتساهله في النقل، وقد أخطأ هو وأوقع غيره في الخطأ من كتّاب عصرنا الحاضر، ومنهم: المحامي صبحي محمصاني فاستقى معلوماته من هذا الينبوع.
إذ يقول: أمّا في فروع الفقه فمذهب الشيعة لا يختلف كثيراً عن مذهب الشافعي، حتى أنّ بعضهم يعتبرونه مذهباً خامساً إلى جانب المذاهب السنية الأربعة. ومن مسائل الخلاف في الفروع: جواز المتعة، أو الزواج المؤقت، وبعض مسائل الإرث وغيرها([43]).
ويقول تحت عنوان الشيعة الإمامية: وأدلة التشريع في هذا المذهب هي القرآن الكريم ثم السنة التي تعود بإسنادها إلى أهل البيت ـ بيت النبي(عليهم السلام) ـ وتسمّى بالأخبار، ثم الإجماع المشتمل على قول الإمام المعصوم. أما القياس فهو مقبول عند البعض فقط.
وهذا المذهب لا يختلف كثيراً عن المذهب الشافعي في فروع الفقه. وهو يسمّى أحياناً بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر الصادق، وقد تقرر تدريسه مؤخراً في جامعة الأزهر إلى جانب المذاهب([44]).
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ما جناه كتاب الفرق والمؤلفون في موضوعها من آثار، واجترحوه من سيئات، فجنوا على الاُمة فيما اقترفوه وما افتعلوه، من احداث عقائد لا يوجد من يعتنقها، وأقوال لا يعرف قائلها، فألحقوها بطوائف من الاُمة، وسجّلوها ضمن سجل الواقع ظلماً للحقّ، وتمرّداً على الحقيقة، فنمت مع الأجيال وتطورت مع الزمن، وأصبحت كأنها حقيقة ملموسة وهي خيال لا واقع لها.
فلنلق نظرة سريعة على ما كتبوه ونسر معهم قليلاً لنقف على حقيقة الأمر.مع كتّاب الفرق
لا اُريد أن أتحدّث هنا عن الفرق وتعدادها، ولا اُريد أن أتعرّض للحديث الوارد في ذلك من حيث الثبوت أو النفي كلاً أو بعضاً، ولا نريد أن نتسائل عن المراد بالفرقة المشار إليها في حديث الافتراق، هل يكون ذلك في العقائد أو في الآراء، مع التسليم لصحة الحديث وعدم مناقشته.
وهل استطاع كتّاب الفرق أن يحصروا العدد المطلوب وهو ثلاث وسبعون فرقة؟ كما هو منطوق الحديث، أم أنّ هناك زيادة أو نقصاناً؟
ولكنّا نريد هنا أن نتسائل عن كتّاب الفرق الذين دوّنوا في هذا الموضوع وقد أصبحت كتبهم مصدراً لمن يريد أن يتحدّث عن الفرق وعقائدها!!
فهل فسروا مراد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الوارد عنه في افتراق اُمته إلى ثلاث وسبعين فرقة، والناجية واحدة فقط؟ وهل حكموا على ما ذهبوا إليه بحجة ظاهرة ليسلموا من المؤاخذة وعظيم الحساب.
ونسأل أيضاً هل تجرّد اُولئك الكتّاب عن العصبية الرعناء، فكتبوا للواقع من حيث هو، بدون تحيّز وتحامل لتبدو الحقيقة واضحة كما هي؟أهم المصادر
ولعلّ أهمّ المصادر التي يرجع إليها في تعيين الفرق وتعدادها هي:
1 ـ الفَرق بين الفِرق: لأبي منصور عبدالقاهر بن طاهر البغدادي الشافعي المتوفى سنة (429 هـ) له مؤلفات كثيرة، أهمّها كتاب الفَرق بين الفِرق، طبع في مصر سنة (1367 هـ 1948 م) وترجم المستشرق هالكن جزءاً منه إلى اللغة الإنجليزية.
2 ـ كتاب الملل والنحل لمحمّد بن عبدالكريم الشهرستاني الشافعي المتوفى سنة( 548 هـ) طبع عدة مرات آخرها سنة (1368 هـ 1948 م) في القاهرة.
3 ـ كتاب التبصير: لأبي المظفر شاهفور بن طاهر بن محمّد الاسفرائيني الشافعي المتوفى سنة (471 هـ).
4 ـ الفصل: لأبي محمّد علي بن أحمد بن حزم الظاهري المتوفى سنة (456هـ) مطبوع بهامش الملل والنحل في الطبعة الاُولى.
* * *
هذه هي أقدم الكتب التي دوّنت في الفرق، وأصبحت مصادر يرجع إليها في البحث عن الفرق وعقائدها، والطوائف وآرائها.
وهنا نتساءل أيضاً: هل كان أصحابها ممّن يوثق بنقلهم تلك الأقوال وعدّهم لتلك الفرق؟
وهل جرّدوا أنفسهم عن رداء العصبية العمياء؟ ورفعوا عن عيونهم غشاوتها السوداء؟
وهل نقلوا تلك الآراء عن مصدر يوثق به؟ ولعلّنا نكتفي بالإجابة عن هذه الأسئلة بما نقدّمه هنا من آراء بعض العلماء في ذلك.
1 ـ قال الرازي في مناظرته مع أهل ما وراء النهر في المسألة العاشرة عند ذكره لكتاب الملل والنحل للشهرستاني: إنّه كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه، إلاّ أنّه غير معتمد عليه، لأنّه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى بالفَرق بين الفِرق من تصانيف الاُستاذ أبي منصور البغدادي، وهذا الاُستاذ كان شديد التعصّب على المخالفين، ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه الصحيح. ثم إنّ الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب، فلهذا السبب وقع فيه الخلل في نقل هذه المذاهب([45]).
هذا ما يتعلّق بذكر هذين الكتابين ولا حاجة إلى نقل النصوص على ما فيهما من التعصّب، فإنّ نظرة واحدة من منصف يجد صحة ما نقول، فإنّهما نسبا للشيعة بالأخص أقوالاً وابتكرا آراء ليست لها من الواقع نصيب، ولا تمت إلى اعتقاداتهم بصلة، إذ لم ينقلوا تلك الآراء من مصدر موثوق.
2 ـ ولا أبعد بالقارئ الكريم في أعطاء صورة عن هؤلاء جميعاً والتعرف عليهم، ولنقدم له ما يقوله العلامة الشيخ محمّد شلتوت شيخ الجامع الأزهر في العصر الحاضر فهو يصفهم بقوله:
لقد كان أكثر الكاتبين عن الفرق الإسلامية متأثرين بروح التعصّب الممقوت، فكانت كتاباتهم ممّا تورث نيران العداوة والبغضاء بين أبناء الملة الواحدة، وكان كلّ كاتب لا ينظر إلى من خالفه إلاّ من زاوية واحدة، هي تسخيف رأيه، وتسفيه عقيدته بأسلوب شرّهُ أكثر من نفعه، ولهذا كان من أراد الإنصاف لا يكون رأيه عن فرقة من الفرق، إلاّ من مصادرها الخاصة، ليكون هذا أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الخطأ([46]).
ويقول: ولكن عصور التعصّب المذهبي حملت للمسلمين تراثاً بغيضاً من التراشق بالتّهم والترامي بالفسوق والضلال، فتبادل الفقهاء ـ أصحاب الفروع ـ نوعاً من التهم، وتبادل المتكلمون ـ أصحاب العقائد ـ مثل ذلك، وتلقف المخدوعون من الخلف هذه التهم، وملأوا بها كتبهم في الاعتداد بها حتى جعلوها ما يقبل من الآراء أو يرفض...([47]).
3 ـ ويقول الكوثري في مقدمة الفَرق بين الفِرق بعد مدحه لأبي طاهر البغدادي: والمؤلف شديد الصولة على المخالفين كما هو شأن حراس العقيدة، والحراسة غير التاريخ المجرّد لكن تعويله في عزو الآراء إلى الفرق على كتب الخصوم يوقع في أخطاء، ولو اقتصر في العزو إلى ما وجده في كتب أهل الفرق أنفسهم لكان أحوط وأقوم حجة، لأنّ الخصم قد يعزو إلى خصمه ما لم يفه به من الآراء ممّا يعد لازم قولهم، في حين أنّه ليس يلازم قولهم لزوماً بيناً فلا يصح إلزامهم به ولا سيّـما عند تصريحهم بالتبري من ذلك اللازم([48]).
هذا ما يقوله الكوثري مع تساهله مع المؤلف ومدحه واطرائه له، ولست أدري ما معنى قوله: والحراسة غير التاريخ المجرّد؟
وقد ظهر لنا أنّ أكثر كتّاب الفرق كانوا يستمدّون معلوماتهم من كتاب أبي منصور البغدادي، وقد عرفنا مقدار تعصبه وتحامله، ونقله الأقوال على غير الوجه الصحيح كما يقول الفخر الرازي([49]).
وأمّا الشهرستاني مؤلّف كتاب الملل والنحل والذي استمدّ معلوماته من كتاب أبي منصور، فقد طعنوا في اعتقاده ونسبوه إلى الإلحاد، وأنّه متخبط في اعتقاده يميل إلى أهل الزيغ والإلحاد، ويناصر مذاهب الفلاسفة ويذبّ عنهم ومن كان هذا حاله يجب أن يتريث في قبول قوله وصحة نقله([50]).
وأمّا كتاب التبصير: فهو وكتاب الفَرق بين الفِرق توأمان، بل هما شيء واحد إلاّ الاختلاف في التسمية وبعض الزوائد والتقولات، لأنّ صاحب كتاب التبصير هو تلميذ أبي منصور وصهره.
وأما ابن حزم فهو فارس الحلبة، وبطل المعركة، فقد تقوّل وافتعل وتهجّم على جميع المسلمين، ونسب لكثير منهم أقوالاً مكذوبة، وآراء مفتعلة، وكان يتحامل على الشيعة بصورة خاصة، وينسب إليهم أقوالاً لا قائل لها، ويلحق بهم فرقاً لا وجود لها، كلّ ذلك تعصّباً منه، لأنّه كان اُمويّ النزعة ومعروفاً بموالاته لبني اُمية.
قال ابن حيان: وكان ابن حزم مما يزيد في سبابه تشيعه لاُمراء بني اُمية، ماضيهم وباقيهم، واعتقاده بصحة إمامتهم، حتى نسب إلى النصب. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وزعم ابن حزم إنّه إمام الأئمة يضع ويرفع، ويحكم ويشرّع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيراً للقلوب عنهم([51]).
وقال أبو العباس بن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين([52]).
وقال ابن العماد: وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت منه القلوب([53]).
وقال السبكي في الطبقات عند ذكره لكتاب الملل والنحل للشهرستاني: ومصنف ابن حزم أبسط منه إلاّ أنه مبدد ليس له نظام، ثم فيه من الحطّ على أئمة السنة، ونسبة الأشاعرة إلى ما هم بريئون منه، ثم ابن حزم نفسه لا يدري علم الكلام حق الدراية على طريق أهله([54]).
من هذا يظهر أنّ الخطة التي سار عليها كتّاب الفِرق لم تكن خطة تحقيق واستناد إلى مصادر موثوق بها بل هي تخمين وظنون وأساليب خداعة.
وقد انخدع الكثيرون بتلك الأساليب فجعلوها ميزاناً للنقد، ومقياساً للشخصيات، ودليلاً يوصل إلى معرفة أجيال مضت، وقرون خلت، وربطوا بين الحاضر والماضي، وقاسوا الاُمة بالفرد تقليداً ومحاكاة لأولئك المتعصّبين، من دون إعطاء العقل حرية النظر في تمييز الاُمور، وهذا هو من أسباب الخلاف.
يقول الشيخ محمّد أبو زهرة:ومن أسباب الخلاف تقليد السابقين ومحاكاتهم، من غير أن ينظر المقلد نظرة عقلية مجردة، وأنّ نزعة التقليد متغلغلة في نفوس الناس. توجههم وهم لا يشعرون، وأنّ سلطان الأفكار التي اكتسبت قداسة بمرور الأجيال تسيطر على القلوب، فتدفع العقول إلى وضع براهين لبيان حسنها وقبح غيرها، ومن الطبيعي أن يدفع ذلك إلى الاختلاف والمجادلة غير المنتجة، لأنّ كل شخص يناقش وهو مصفد بقيود الأسلاف من حيث لا يشعرون.
وإنّه ينشأ عن التقليد التعصّب، فإنّ قدسية الآراء التي يقلدها الشخص تدفعه إلى التعصّب لها، وحيث كان التعصّب الشديد كان الاختلاف الشديد([55]).
وإنّ قليلاً من التأمل فيما كتبه هؤلاء المؤلفون وغيرهم حول الفرق وفرق الشيعة بالأخص يلقي أضواء على خلطهم وافتعالهم حتى بلغ بأحدهم الجهل فقال: إنّ فِرق الشيعة تبلغ ثلاثمائة فرقة. وهو قول بلا دليل وخبط يدل على الجهل المخيم على تلك العقول التي سيطر عليها الهوى فحجبها عن النظر إلى الواقع.
وكيف كان فإنّ موضوع الفِرق وتعدّدها، ومصدر ذلك وصحته هو موضوع مضطرب وشائك، ولا يستطيع الكاتب أن يجزم بصحة ما نقله كتاب الفرق عن أهل المقالات والآراء; لأنّ اُولئك الكتاب قد تطرّفوا إلى أبعد حدّ، وتقبلوا كلّ نسبة بدون تثبّت وتأمّل.
وقد رأينا كيف كان تعصبهم على من يخالف آراءهم، فينقلون عنه على غير الوجه الصحيح.
ومن المقرر: أنّه لا يصح قول مخالف ما لم يؤيد ثبوته من غير طريقه.
وليس باستطاعة اُولئك الكتاب أن يثبتوا شيئاً من الآراء التي نسبوها إلى الشيعة; فكوّنوا منها فرقاً تجاوزت الحدّ المعقول من الحصر.
وقد بلغ الأمر إلى استعمال الخيال بما يغذّي العاطفة فاخترعوا فرقاً وابتكروا آراء تزيّدوا فيها من الأوهام، وصقلوها بالأسلوب اللطيف حتى أخرجوا ذلك وكأنّه حقيقة لا نقاش فيها !!
ويتّضح لنا بعد التأمل بأنّ الدوافع التي أدّت بهؤلاء الكتّاب وغيرهم إلى أن يعملوا ضمن المخطط الذي ارتأوه لأنفسهم في تعداد الفرق والتزيد فيها مع الخلط والخبط إنّما هي العصبية العمياء أو الجهل بالواقع.
ومن الوهن أن نقف أمام نقلهم موقف التسليم والتصديق; لأنّ ذلك يؤدّي إلى العجز عن الوصول إلى الحقيقة التي يتطلبها كلّ منصف، وليس من الإنصاف أن يتضح لنا شيء خلاف واقعه فنقرّه.
خذ مثلاً بأنّ بعضهم قد نسب إلى الشيعة بأنّهم يجيزون الشهادة زوراً على من خالفهم في المذهب أو العقيدة مع إنّا لم نجد أثراً لهذا الزعم، ولا قائل به من الشيعة، ونحن في اُمور الفقه نُفترض في المخالف الصدق فنعمل على التحرّي حتى نجد أدلة ردّه.
وبعد التتبع والبحث وجدنا أنّ هذا ناشئ من الجهل أو التعصّب. وبيانذلك:
إنّهم وجدوا بأن الخطابية يجيزون الشهادة على من خالفهم، فاستنتج هؤلاء بأنّ الخطابية فرقة أدخلوها في قائمة فرق الشيعة، وهذا القول لهم، فهو إذن لجميع الشيعة.
هذا بالإعراض عن مناقشتهم حول الأسباب الّتي دعت إلى إلحاق هذه الفرقة بفرق الشيعة مع أنّهم يعلمون ويعلم كلّ أحد وبإجماع المؤرخين أنّ هذه الفرقة نشأت في مدة قصيرة في أيام الإمام الصادق(عليه السلام) فأعلن براءته منها، وأمر شيعته في محاربتها، وقد قضى عليها بذلك، فمحيت من صفحة الوجود.
إذن فمن هم الخطابية الذين ينسب إليهم هذا القول؟
والجواب: بأنّ الخطابية الذين يذهبون لهذا الرأي هم فرقة من المجسّمة، والذين ينتمون إلى الحنابلة، ولنترك تعريفهم وبيان ذلك إلى أحد علماء السنة المبرزين; وهو أبو نصر عبدالوهاب بن تقي الدين السبكي([56]) قال:
وقد بلغ الحال بالخطابية وهم المجسّمة في زماننا هذا، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة، لا سيّما القائم عليهم بكلّ ما يسوؤه في نفسه وما له، وبلغني أنّ كبيرهم استفتي في شافعي أيشهد عليه بالكذب؟
فقال: ألست تعتقد أنّ دمه حلال ؟!.
قال: نعم.
قال فما دون ذلك دون دمه، فاشهد وادفع فساده عن المسلمين.
قال السبكي: فهذه عقيدتهم، يرون أنّهم المسلمون، وأنهم أهل السنة، ولو عدوا عدداً لما بلغ علماؤهم ولا عالم فيهم على الحقيقة مبلغاً يعتبر، ويكفرون غالباً علماء الاُمة، ثم يعزون إلى الإمام أحمد بن حنبل وهو منهم بريء .
وبهذا يتّضح أن الفرقة الخطابية الاُولى التي نشأت لأغراض سياسية وعقائدية ضد الإسلام عامة، وضد أهل البيت بصورة خاصة، قد اتفقت بالتسمية مع المجمسة من الحنابلة، فإطلاق هذا الاسم يشمل الطرفين ولكن من أين لنا الحصول على من يقف موقف المنصف المتثبت، فيعطي الموضوع حقّه ولا تأخذه في الحقّ لومة لائم، فيميز بين الصحيح والفاسد والحقّ والباطل.
وقد قلت سابقاً: إنّ اتهام الشيعة بكثير من الأشياء لما لم تكن مبنية على أساس وثيق أو قاعدة بيّنة، كثر الخلط والخبط، والكذب، والافتعال فأخذ السليم بالسقيم، والبريء بالمتهم، وعلى سبيل المثال ذكرت هناك الاشتباه الحاصل من التسمية فمثلاً: إنّ اسم الجعفرية أصبح علماً لأتباع الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام). ولكن توجد هناك فرقتان للمعتزلة بهذا الاسم([57]) ولهما أقوال وآراء فخلطوا أقوال الجميع ونسبوا ذلك إلى الشيعة لأنّهم يعرفون بالجعفرية.
وكذلك قولهم في المقنعية أتباع المقنع الخراساني المقتول سنة (163 هـ) بأنّها فرقة من الشيعة، مع عدم الصلة بين الشيعة وبين المقنع، ولكن الاشتباه نشأ من التسمية، وذلك أن اسم المقنع هو هشام بن الحكم، ومن المعروف أنّ هشام بن الحكم هو اسم رجل من كبار تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) ومن العلماء والمتكلمين، فاتفق اسم المقنع مع اسم هشام، فنسبت آراء المقنع إلى هشامبن الحكم بدون تمييز وتمحيص.
وكذلك نسبوا إلى هشام فرقة تعرف بالهشامية، وهم أصحاب هشام بن عمر الفوطي، وهو من المعتزلة وكان معاصراً إلى هشام، وكانت له آراء وأقوال، فخلطوا بين الاسمين عن عمد أو غير عمد.
ولا يسعنا بهذه العجالة أن نلمّ بأطراف هذا الموضوع من حيث أهميته، فإنّه موضوع مهم، وقد تلاعبت به رجال استمالهم الهوى فحادوا عن طريق الواقع، وخلطوا بين الآراء وخبطوا خبط عشواء، إذ لم يقفوا موقف المؤرخ الواقعي الذي يستنطق الحوادث، ويقابل ويقارن، ويقارب ويوازن، ويدرس الدوافع التي أدت إلى إيجاد كثير من تلك الاُمور التي سجّلت على ما فيها من نقض ومخالفات للحقيقة.
والناظر فيما سجّله كتّاب الفرق حول الآراء والمعتقدات، وبالأخصّ ما نسب إلى الشيعة يقطع بأنّ سيرة هؤلاء الكتّاب هي واحدة في النقل، بل هي أقرب إلى التقليد والتلقين، إذ لم نجد منهم من يعالج الموضوع معالجة علمية، ليخرج في نتيجة مرضية.
وهكذا بقي موضوع الفرق بدون أن يحظى بإنصاف المؤرخين وعناية المحقّقين، الذين يهمّهم اظهار الحقيقة، حتى جاء دور المستشرقين فزادوا في الطين بلّة، وأضافوا الموضوع تعقيداً بأخطائهم، وانّ أخطاء المستشرقين قد أوقعت كثيراً من الكتّاب بأفظع الاخطاء، لما كانت تندى به اقلامهم من تعابير أو تصوير كلها لا تلتئم مع الحقيقة.
إذ من الواضح أنّ الاستشراق يرجع كلّه في نشأته الاُولى إلى التبشير بالدين النصراني، وأنّ معظم المستشرقين كانوا من الرهبان، لأنّ المؤسسات التي اُسّست للتبشير في النصرانية هي المصدر لهؤلاء المستشرقين، وهم آلة للحصول على السيطرة، والقضاء على الإسلام،. فهم يحرّفون النصوص ويغيرون الصور.
ومن المؤسف له أنّ أكثر كتابنا اليوم يطلّون على التاريخ الإسلامي أو تاريخ الفرق بالأخص من الزاوية التي فتحها الغرب بواسطة المستشرقين، وناهيك بما وراء ذلك من صور وألوان مخالفة للحقيقة.
وبهذا أصبح الإطار العام للأحداث هو غير الإطار الذي يجب أن توضعفيه.
وحيث كان موضوع البحث عن الفرق يحتاج إلى دقّة وتأمّل في سير الحوادث والتطور، وهو إلى الآن لم ينل ـ بمزيد الأسف ـ دراسة عادلة، وخوضاً دقيقاً وتمحيصاً. فنحن نأمل أن ينال هذا الموضوع دراسة دقيقة، لإخراج الزوائد، وإيضاح ما اُبهم، وبيان ما اشتبه بعضه ببعض، في توجيه أشعة التاريخ الصحيح، على تلك النسب وتدقيق لتلك الأقوال، من حيث صحة أصلها ودقّة روايتها، وكونها في ذاتها قابلة للتصديق، وكذلك من حيث المستوى العقلي والخلقي والعقائدي لكتابها، مع البحث عن الدوافع التي تحوط بها.
وبعد هذا يمكن الحكم على كثير من تلك الاُمور بأنّها حقيقة، أو أنّها أكاذيب لا واقع لها، بل هي أحاديث سمر وأقوال مجون.
وهناك يظهر زيف تلك الأخطاء الشائعة، والأساطير المشهورة، التي احتلت مكاناً من التاريخ، وهي ظالمة له فترغم حينذاك على التخلي عن ذلك الإطار الذي برزت فيه مدة من الزمن.
فيكون ذلك انتصاراً للعلم وخدمة للحقّ وكبتاً للنفوس المريضة التي تضرب على وتر العصبية العمياء وتترنح لنغمات الطائفية الرعناء.
قاتل الله الطائفية التي طالت لياليها السود، وامتدّ ظلّها الحالك، فجنت على الإسلام جناية لا تغفر، ونحن نتطلع إلى اليوم الذي يتقلص فيه نفوذ سلطان الطائفية، ويزول ظلّها المخيف، فتحرر العقول من أوهام موروثة، وخرافات ممقوتة، وما أحوجنا إلى التفاهم في الوقت الذي يقف الإسلام فيه موقف الصراع مع اُولئك، الذين يحاولون أن يتغلبوا على عقول أبنائه، ليجردوهم من عقائدهم، ويسخّروهم لأغراض سياسية أو غير سياسية!
إنّ الواجب يقضي علينا أن نتنبه لهذا الخطر، وأن نسدل اليوم دون حوادث الماضي حجاباً كثيفاً، ونسعى قلباً وقالباً، ليتناسى المسلمون ما شعب وحدتهم في الدهر الغابر، فالخلاف مهما كان وكانت الدواعي إليه، قد انقضى عصره، وأنّ أهل بيت واحد يرون الخطر يتهددهم من كلّ مكان، لأحرياء بأن يتناسوا ما بينهم من اختلافات طفيفة، ويهبّوا يداً واحدة للقضاء على من يريد بهم السوء، ويستغل ما شجر بينهم، ليذلهم ويجعلهم مطيّة لمطامعه وأغراضه.
وإنّ تلك العوامل المتداخلة في تفرق المسلمين شيعاً وأحزاباً، وكان من وراء ذلك حوادث مؤلمة، قد ملأت صفحات من الكتب فغيرت مجرى التاريخ، وأوقعت كثيراً من النكبات والكوارث كان أهمّها وأشدّها أثراً هو التعصّب للمذاهب، والخلاف في الرأي، ويصحب ذلك وجود الفرصة المناسبة لخصوم الإسلام الذين نظروا إليه نظرة معادية، فنظموا له حملات الانتقام في ظل ذلك الصراع الفكري والعقائدي، لتفرقة الصف وقطع عُرى الاُخوة.
ونحن المسلمون بحاجة ماسة إلى أن نبني علاقاتنا على اُسس الإيمان بالله وما جاء به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن نزيح عن طريقنا تلك العقبات التي أوجدتها الطائفية الرعناء، فإنّ الإسلام يمرّ اليوم بمرحلة هي من أعظم المراحل التي يجتازها في تاريخه.
الإمام الصادق(عليه السلام)تاريخ محنه ومشاكله
المنصور والإمام الصادق (عليه السلام)
للدولة العباسية حلم تسعى لتحقيقه، دعماً لنفوذها، وصيانة لسلطانها، وهو إسباغ أبراد القدسية عليها، وإبرازها بشكل يقضي على المعارضين لسياستهم المعوجة، والمخالفة لنواميس الشرع وتعاليمه.
وقد لجأوا الى ادّعاء لون من الإمامة يتغذّى على صفة شاحبة ولون باهت، واقتربوا من الكيسانية التي واجهها الأئمة بالتفنيد، وتصدّوا بجعل حججهم داحضة، والتي كان من نتائجها عدول الكثيرين وعودتهم الى الحقّ كما حدث للشاعر إسماعيل بن محمد الحميري، وقال العباسيون أنّ أبا هاشم بن محمد ابن الحنفية الذي قالت الكيسانية بإمامته بعد أبيه، أوصى الى علي بن عبدالله ابن العباس بن عبدالمطلب، وعلي بن عبدالله أوصى الى ابنه محمد بن علي، وإنّ محمداً أوصى الى ابنه إبراهيم الملّقب بالإمام، وإنّ إبراهيم أوصى الى أخيه أبي العباس السفّاح. وقد مات أبو هاشم عند علي بن عبدالله، وكانت هذه الدعوة التي جعلتهم من بين الكيسانية بحسب هذه العلقة التي يسعون من ورائها الى ادعاء الإمامة بأيّ سند كان، مع أنّ الكيسانية كلّها لا إمام لها وإنّما ينتظرون الموتى([58]).
وانتهى سعيهم الى الراوندية الخرمدينية الذين قالوا بالغلوّ والتناسخ، وأخذوا بالشطط والشذوذ، على أنّ العباسيين تكتّموا على هذه الدعوى ولم يَدْعوا الناس إليها إلاّ بطريقة سرية تتماشى سوية مع الإفصاح عن وجود إبراهيم رأساً لهم وإماماً.
أما عند المجامع العامة والمواطن التي تحرك فيه الناس انتقاماً لأهل بيت النبوة فكانوا يدارون المشاعر ولا يجرأون على القول بإمامتهم هذه التي لا يعرفها الناس إلاّ من خلال جهد الأئمة في علاج الكيسانية وأوهامهم التي تبعثها العاطفة المكبوتة فتؤثر في السلوك والمواقف ثم ما تلبث أن تثوب الى الواقع بتصدي أئمة أهل البيت لتطويعها وتخفيف غمرة الانفعال عنها، وتسكين موجة التأثر تأسّياً وتألّماً لما أصاب آل بيت النبوة من أهوال وفجائع، فاعتاض الناس بالخيال والأوهام وراحوا ينسجون على منوال العاطفة أحوالاً من النعيم وأوضاعاً من الجنة في الجبال العالية.
وعلى أيّ حال كان العباسيون يريدون بذلك أن ينظر الناس إليهم كخلفاء للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)واُمناء على شريعته، وأنّهم ظل الله في أرضه، ورعاة عباده، مع عدم الصفات المؤهّلة لهم إذ لم يبرزوا بالشكل الذي يحقق ذلك.
وكان المنصور هو أول من جاهر بالخطة وباشر بالتنفيذ، وقد أعلن ذلك على المنبر يوم عرفة بقوله:
أيّها الناس إنّما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم فتحني... إلخ([59]).
وخاطب أهل خراسان بقوله: ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصاراً، فأحيا الله شرفنا وعزّنا بكم، وأظهر حقّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقرّ الحقّ في قراره، وأظهر الله مناره، وأعزّ أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدلله ربّ العالمين([60]).
وهذه اللهجة كانت لهجة خادعة ومغالطة يحاول أن يسيطر بها على عقول اُولئك البسطاء، ليخنق فكرة المعارضة التي تؤدي بسلطانه إلى الانهيار، وليستغل تلك الاستعدادات التي فينفوسهم لمناصرة الخلافة الحقّة ويربط بين شعورهم وبينه، فإنّ هدف الثوار في تلك النهضة التي أطاحت بالحكم الاُموي، هو إقامة دولة تحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وكانت الهتافات للدعوة إلى الرضا من آل محمّد، وظلّ العباسيون في غمار الثورة يحتفظون بادعائهم للإمامة، كما أخفوا نواياهم التي بدأ المنصور بإظهارها بالتدريج ويعلن عنها، كما في كلامه لأهل خراسان.
يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منا وإنّ ولد أبي طالب تركناهم، والذي لا إله إلاّ هو فلم نعرض لهم بقليل ولا بكثير، إلى أن يقول: فلمّا استقرّت الاُمور على قرارها من فضل الله وحكمه العدل، وثبوا علينا حسداً منهم، وبغياً لهم بما فضلنا الله عليهم وأكرمنا من خلافته ميراثنا من رسول الله([61]).
وبهذا وغيره فقد تمكّن من وضع طابع الدولة الشرعي صورياً، ليكسب لنفسه ولأحفاده من بعده حقّ وراثة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ استدراج البسطاء بأساليب التمويه والخداع من السهولة بمكان، ولكن من العسير عليه أن يخدع ذوي الأفكار الواسعة، والعقائد الراسخة. لذلك كان يحسب لهم ألف حساب.
إنّه يريد أن يتربّع على دست الحكم، ويصبح خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين، وبهذا يلزمه العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وأن ينصح للمسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإمرة المسلمين ليست شيئاً هيّناً يستطيع كلّ من ولي أمر المسلمين أن يتلقب بها، وإنّما هي تصور الأعباء الثقال، والعناء المتصل، والجهد الذي ليس فوقه جهد في إقرار العدل ورفع الظلم، وإنصاف الضعفاء من الأقوياء، وتحقيق المساواة بين الناس والقيام فيهم بأمر الحزم كلّ الحزم حتى لا يطمع إلى ما لا ينبغي أن يبلغه، وفوق هذا كلّه إنصاف الناس من نفسه كإنصاف بعضهم من بعض.
والمنصور لا يتصّف بشيء من ذلك فهو ظالم في حكمه، جائر على رعيته، قد أستأثر بأموال الاُمة وجعل بيت المال ملكاً له دون المسلمين، وكانت سيرته لا ترتبط مع تعاليم الإسلام ومفاهيمه، وقد تعرّضنا فيما سبق عن سوء سيرته وقبيح أعماله، كما وقد مرّت الإشارة إلى قبضه على زعماء الطالبيين، وقتل جماعة منهم، وسجن آخرين ماتوا كلّهم في السجن نتيجة للتعذيب الوحشي، والمعاملة القاسية التي سار عليها لتثبيت دعائم ملكه.
ولم يبق أمام عينه إلاّ الإمام الصادق(عليه السلام) وهو زعيم العلويين وسيد أهل البيت في عصره، وقد اشتهر ذكره وأقبلت الاُمة على الأخذ منه، وكانت مدرسته يقصدها طلاب العلم ورجال الحديث على اختلاف نزعاتهم وكان ذكره حديث الأندية، وكلّ ذلك يشق على المنصور وترتعد فرائصه كلّما ذكر عنده جعفر بن محمّد بخير.
وكم فكر المنصور في القضاء عليه وإلحاقه بقائمة الشهداء من أهلالبيت(عليهم السلام)، فلم يجد طريقاً لذلك، لأنّه يخشى عاقبة الأمر، فالإمام الصادق(عليه السلام) كان يزداد على مرور الأيام تمكّناً في القلوب، وشهرة في الشعوب، تجبى إليه الأموال، وتشدّ لمدرسته الرحال، وتهوي إليه الأفئدة، ولم يعرف عنه أنّه دعا إلى ثورة دموية، أو نازع في سلطان علناً ليكون ذلك من المبررات للوقعية فيه، وقد اتخذ المنصور شتّى الحيل في اتهامه فلم يستطع لذلك سبيلا([62])، لأنّه يرى أنّ دعوة الإمام الصادق(عليه السلام) وهي الدعوة الإصلاحية من أهمّ المشاكل التي تقف أمام تحقيق أهدافه، من انتحال السلطان الشرعي، وأنّ كل ما يفعله بإرادة الله وإذنه كما تقدّم، فهو بتلك الإيحاءات يحاول أن يوجه الناس إلى الاعتقاد بصحة خلافته وأن الخروج عليه خروج على إمام المسلمين، وقد اتخذ شتى الأساليب في تنمية هذه الروح، ليسلم من المؤاخذة على ما يرتكبه من الفتك برجال الاُمة، فهو يوجّه الناس بأقواله ليجعلهم يؤمنون بصحة أعماله، لأنّها تصدر بمشيئة الله كما يزعم هو.
وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يهدم ما يبنيه المنصور ويكذب ما يدّعيه، فقد كان يعبّر عنه بالطاغية ولم يخاطبه بأمير المؤمنين قط، وما ورد في مساجلاته معه عند مقابلته بأنه خاطبه بهذا اللفظ، فإنّما هو من تعبير الرواة ولهجتهم، وتأتي في النصوص المنقولة ممّا يجب الانتباه إليه.
كيف تتحقق أهداف المنصور ولم يكسب رضا أعظم شخصية إسلامية، وأكبر زعيم ديني، وهو الإمام الصادق(عليه السلام)؟الذي كان نسيجاً وحده في الاستقامة والحرص على هداية الاُمة، ولم يعرف الناس عنه إلاّ أنّه داعية إلى الله مجاهد في نصرة الدين، محافظ على وحدة المسلمين في التمسك بتعاليم الإسلام ونبذ الحزازات وترك الخرافات.
وكان هو بنفسه(عليه السلام) يصل من قطعه ويعفو عمّن ظلمه، ولا يرى في النهار إلاّ صائماً وفي الليل إلاّ قائماً، وكان من العلماء العباد الذين يخشون الله. كما حدّث عنه تلميذه مالك([63]).
فكانت شخصيته(عليه السلام) تزداد تمكّناً في القلوب وشهرة في جميع الأقطار الإسلامية وسارت الركبان بذكره، وقصده كبار الفقهاء ورجال الحديث من مختلف الأقطار، على اختلاف نزعاتهم يسألونه عن مختلف المسائل وشتّى العلوم.
والشيء الذي نريد أن نقوله هنا هو أنّ المنصور كان يعدّ الإمام الصادق(عليه السلام)منافساً خطيراً، أعياه أمره إذ لم يتمكّن من القضاء عليه، كما لم يتمكن من تحصيل تأييده، فيحقق هدفه، بل الأمر بالعكس.
فلقد كان رأي الإمام الصادق في الدولة العباسية كرأيه في الدولة الاُموية، من حيث الظلم للرعية، والاستبداد في الحكم، والابتعاد عن الإسلام. وقد نهى عن المؤازرة للدولة الجديدة، كما نهى عن المؤازرة للدولة المنقرضة وصرّح بذلك في عدة مواطن.
فمثلاً سئل(عليه السلام) عن البناء لهم وكراية النهر فأجاب: ما اُحب أن أعقد لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، ولا مدة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار، حتى يحكم الله بين العباد([64])
كما نهى عن معاونتهم حتى في بناء المساجد، لأنّه(عليه السلام) يرى أنّ أموالهم مغصوبة، لا يحقّ لهم التصرّف فيها بأيّ نوع كان، والمعاونة لهم في ذلك تشجيع لهم، ومضاعفة لبلاء الاُمة في تركيز عروش الظالمين.
وأعلن غضبه على الفقهاء الذين يسيرون في ركب الدولة وحذّر الناس منهم، لأنّ شرّهم أعظم بكثير من غيرهم، عندما يخونون أمانة العلم ورسالة الإسلام. فكان يقول(عليه السلام): الفقهاء اُمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطينفاتهموهم([65])
وكان(عليه السلام) ينهى عن الترافع إلى القضاة ولا يرى نفوذ حكمهم ويعتبر الترافع إليهم محرّماً، لأنّهم يحكمون بغير ما أنزل الله، بل كان يؤنب من يجتمع به من القضاة، ويبين له سوء هذا العمل، ويحذره من العذاب وعلى سبيل المثال نذكر القصة التالية:
قال سعيد بن أبي الخضيب البجلي: كنت مع ابن أبي ليلى القاضي مزاملة حتى جئنا إلى المدينة، فبينما نحن في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ دخل جعفر بن محمّد، فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه.
فقال: وما نصنع عنده؟
فقلت: نسأله ونحدثه.
فقال: قم. فقمنا إليه فسألني ـ جعفر ـ عن أهلي، ثم قال: من هذا معك؟فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين.
فقال: أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟! قال: نعم.
قال: تأخذ مال هذا وتعطيه هذا; وتفرق بين المرء وزوجه، لا تخاف في ذلك أحداً؟!..
ثم قال: فما تقول إذا جيء بأرض من فضة وسماء من فضة ثم أخذ رسول الله بيدك فأوقفك بين يدي ربك فقال: يا ربي هذا قضى بغير ما قضيت.
قال سعيد: فاصفر وجه ابن أبي ليلى مثل الزعفران([66]).
وهذه الاُمور ـ وكثير من أمثالها ـ تبعث في نفس المنصور أثراً يجعله يشتدّ في امتحان الإمام والفتك به; إذ ليس من الهيّن عليه رد ما يدّعيه من الاستقلال بالإمامة، وأنّه خليفة الله في الأرض ووارث نبيّه، وخازن مال الله، ثم يبدو ما يكذب هذه الدعوى، من شخصية لها مكانتها في المجتمع.
ولا يبعد عن تفكيرنا ما أحدثه التأثر في نفس المنصور من شهرة الإمام الصادق(عليه السلام)واتساع مدرسته من أشياء مختلفة في المجتمع الإسلامي أهمّها محاولة ربط العلم بعجلة الدولة، وتحديد الفتوى، وحمل الناس على الأخذ بما تقرّه الدولة وترتضيه، ولا نريد هنا أن نتجاوز الموضوع بتفصيل ذلك وبيانه بعد أن مرّت الإشارة إليه.
ولكنّنا يجب أن نتصور مدى المشكلة التي واجهها الإمام الصادق(عليه السلام) في عصره، وما تحمّله من خصمه الألدّ، الذي قبض على زمام الحكم، وقضى على كلّ معارض، وفتك بكلّ من يتهمه بالمعارضة له، من دون توقف وتريث، فلا رحمة ولا عدل.
ولقد بذل كلّ جهده واستعمل حيله في القضاء على الإمام الصادق ولكن جهوده باءت بالفشل.
وقد أشرنا في الأجزاء السابقة الى محاولات المنصور اختلاق الأعذار للقضاء على الإمام الصادق، وكيف كان الإمام الصادق يحرص على أن لا يبدر منه ما يتذرّع به المنصور، وهي روايات في مصادرها تحتاج الى تحقيق في بعض العبارات التي تروى على لسان الصادق، لأنّها على غير المعهود عنه(عليه السلام)، فهو يتحاشى اتهام المنصور ويخاطبه بعبارة بليغة لا تثير غضبه، كما لا تطمعه فيه أو يلجأ الى الاعتصام بالله كما حدث عندما استدعاه المنصور في المرة الثالثة بالربذة برواية إبراهيم بن جبلّة عن مخرم الكندي، قال أبو جعفر المنصور: من يعذرني من جعفر هذا... يابن جبلّة، قُم إليه فضع في عنقه ثباتة ثم ائتني به سحباً. قال إبراهيم: فخرجت حتى أتيت منزله فلم أصبه فطلبته في مسجد أبيذر فوجدته في باب المسجد، قال: فاستحييت أن أفعل ما اُمرت فأخذت بكمّه فقلت له: أجب أمير المؤمنين، فقال(عليه السلام): إنّا لله وإنا إليه راجعون، دعني حتى اُصلي ركعتين.
بقي الإمام الصادق(عليه السلام) أيام المنصور تحت رقابة شديدة، وأخباره تصل إلى المنصور في كلّ وقت، ولكن لم يجد وسيلة تبرر له أن يفتك بالإمام، لأنّه يخشى العاقبة لما يعلمه من تعلّق الناس بشخصية الإمام، فكان المنصور على أحرّ من الجمر، إذ يرى أنّ سلطانه مهدد، وملكه زائل إن طال الوقت واستمر الزمن. وأراد أن يقرب ما يرومه، وذلك في فرض الإقامة على الإمام في الكوفة ليكون قريباً منه، وعسى أن تصدر منه بادرة فينقضّ عليه.
ولما قدم الإمام(عليه السلام) الكوفة التفّ الناس حوله وازدحم رجال العلم عليه وكان محل تقدير جميع الطبقات، ممّا جعل المنصور يحذر منه أشد الحذر، لأنّ الناس التفوا حول الإمام(عليه السلام) وافتتنوا به على حدّ تعبير المنصور الدوانيقي، كما حدث بذلك أبو حنيفة قال: بعث إليَّ المنصور وقال لي: إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيء له مسائل شداداً، فلخصت أربعين مسألة وبعثت بها إلى المنصور، ثم أبرد إليَّ ـ أي أرسل إليَّ بالبريد ـ فوافيته على سريره وجعفر بن محمّد عن يمينه، فتداخلني من جعفر هيبة لم أجدها من المنصور فأجلسني، ثم التفت إليه قائلاً: يا أبا عبدالله هذا أبو حنيفة.
فقال(عليه السلام): نعم أعرفه.
ثم قال المنصور: سله عما بدا لك يا أبا حنيفة، فجعلت أسأله ويجيب الإجابة الحسنة حتى أجاب عن أربعين مسألة. فرأيته أعلم الناس باختلاف الفقهاء فبذلك أحكم أنه أفقه من رأيت([67]).
وخاب أمل المنصور وأصبح أبو حنيفة يعلن للملأ، ويحكم بأن أفقه الاُمة جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) كما كان يرى أنّه إمام الحقّ ويتكتّم بذلك.
سأله رجل يوماً فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في رجل وقف ماله للإمام فمن يكون المستحق؟
فأجابه أبو حنيفة: المستحق هو جعفر الصادق لأنّه هو إمام الحق([68]).
قال هذا بعد أن تأكّد من الرجل في كتمان ما قاله، وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى القضاء على أبي حنيفة بحجة امتناعه عن القضاء.
ولا استبعد أنّ قصة القائد الذي دعا الإمام الصادق إلى المائدة وأحضر عليها الشراب كان بوحي من المنصور ليحطّ من كرامة الإمام(عليه السلام).
قال هارون بن الجهم: كنّا مع أبي عبدالله(عليه السلام) بالحيرة حين أقدمه المنصور، فختن بعض القواد ابناً له وصنع طعاماً ودعا الناس، وكان أبو عبدالله فيمن دعي، فاستسقى رجل ماءً فأتي بقدح فيه شراب لهم، فلما أن صار القدح بيد الرجل قام أبو عبدالله عن المائدة. وقال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر.
وفي رواية اُخرى: ملعون ملعون من جلس طائعاً على مائدة يشرب عليها الخمر([69])
وناهيك بما أحدثته هذه القضية من أثر في الاجتماع، عندما يطلق أبو عبدالله هذه العبارة معبّراً بها عن غضبه، واستهانت كرامة ذلك القائد حفظاً لكرامة الإسلام، فمن يا ترى يسمع هذه الكلمة من الصادق، وينظر إلى تأثّره، ويبقى على تلك المائدة.
فلذلك نهج الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يرسّخ أحكام القرآن ويرعى بذور الإيمان. أمّا الذين باعوا دينهم بدنياهم وارتضوا أن يكونوا أتباعاً لحكّام الجور والفجور فلهم أن يروا في موقف الإمام ما يناسب مصالحهم ويحميها لتبقى بطونهم ملأى بكلّ عفن، وعقولهم سكرى بالضلال والانحراف.
وبالاختصار فإنّ وجود الإمام الصادق(عليه السلام) في الكوفة كان أعظم على المنصور من كلّ شيء، فعدل عن حكمه بالإقامة الجبرية على الإمام وأرجعه إلى المدينة، وهكذا عدّة مرّات.
وكان(عليه السلام) يلجأ إلى الله في مهماته ويسأله دفع شرّ خصمه ومكره.
قال رزام بن قيس الكاتب مولى خالد العشري: أرسلني المنصور إلى جعفربن محمّد بن علي بن الحسين(عليه السلام)، فلما أقبلت عليه والمنصور بالحيرة وعلونا النجف نزل جعفر عن راحلته، فأسبغ الوضوء فصلى ركعتين، ثم رفع يديه فدنوت منه فإذا هو يقول: اللّهم بك أستفتح وبك أستنجد وبمحمّد عبدك ورسولك أتوسل، اللهم سهّل حزونته وذلّل لي صعوبته، وأعطني من الخير أكثر ما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. ثم ركب راحلته، فلما وقف بباب المنصور وأعلم بمكانه فتحت الأبواب، ورفعت الستور، فلما قرب من المنصور قام إليه فتلقاه وأخذ بيده، وماشاه حتى انتهى به إلى مجلسه، ثم أقبل عليه يسأله عن حاله... إلخ([70]). وأنجاه الله من شرّه وتغيّر المنصور عمّا عزم عليه كلّ يلقى فيها الإمام، من أسرار سيرة الإمام الروحية.
وحدث الربيع بأنّ المنصور أمر بإحضار جعفر بن محمّد مراراً وقال والله لأقتلنّه، فلما لم ير بداً من إحضاره، ولما دنا الإمام الصادق من الباب قام يحرّك شفتيه. وكان يدعو ([71])...
وقد مرّ تفصيل هذه الحوادث وبيانها في الجزء الثاني والإشارة إليها في الجزء الرابع من هذا الكتاب، وأنّ المنصور أحضره بين يديه للفتك به والقضاء عليه مراراً.
وعلى كلّ حال: فإنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قد واجه محناً وتحمّل مصاعب، في سبيل الدعوة إلى الخير وتهذيب النفوس، بنشر التعاليم الإسلامية الكفيلة بتنوير العقل الإنساني، وإرشاده إلى أقوم سبل الخير والسعادة، فكان المنار الذي اهتدت به القافلة الضالة، فيمرّ تاريخه عبر مراحل التاريخ، ويتخطّى ذكره الزمن فتخلده الأجيال، وتعتزّ به العلماء، وترجح أقواله وأحكامه في مثار الجدل ومجالات النزاع العلمي، فيكون قوله الفصل وحكمه العدل.
وتمرّ قرون وقرون وهو ذلك الصادق في القول، الموجّه في دعوته والمعلم الأول لجميع المذاهب، ويبقى ذكره رغم الحواجز والعقبات، وينتشر مذهبه بقوة الحقّ ووضوح الحجة، لا بقوّة الحكومات ونفوذ السلطة.
ومن العجيب أن يسمح البعض من كتّاب اليوم لنفسه بالتقوّل بما ليس له نصيب من الصحّة، فيذهب الى ادعاء صفاء العلاقة بين الإمام الصادق والمنصور، وأن المنصور هو الذي أطلق لقب الصادق على الإمام، وذلك ممّا ينافي الحقيقة، فقد رأينا كيف كان الإمام الصادق يواجه محنة دائمة بسبب المنصور، وكيف كان المنصور يواجه مشكلة مستعصية تتمثل في نهج الإمام ومدرسته وسلوكه وميل القلوب إليه حتى أعجزه أمره، لأنّ المكانة الروحية للإمام، والمنزلة العلمية التي طبعت ذلك الجيل بطابعها وتركت الناس يلهجون بذكر الإمام الصادق، ليس بسهل على المنصور إنكارها أو تجاهل نتائج القضاء على الإمام الصادق بين أوساط العلماء وهو الذي يتودد إليهم ويحاول أن يركّز سلطانه بصفة تتجاوز حدود الإمامة، كما يسعى الى تركيز شخصيات عساها تؤثر على انصراف الناس الى الإمام الصادق.
ولا يعني فيواقع الأمر شيئاً ما يطلقه المنصور على الإمام الصادق قدحاً أو مدحاً وأنّه وصف الإمام بالصادق لأنّه رفض أن يستجيب لدعوة بني عمّه الحسنيين، إذ كان يرى أنّ بني العباس قد تهيأوا للأمر وأكل قلوبهم حبّ الحكم، فصرّح(عليه السلام) بأنّ الأمر سيكون لهم، وإنّما كان ذلك من خلال حركة الدين والعلم إذ ضجّت المراكز ومساجد الصلاة بالعلماء وهم يحدّثون عن الإمام جعفر بن محمد في زمن كثر فيه ادعاء العلم ونشطت فيه حركة الوضع، فكان كلّ منهم يقول: حدثني الصادق، أو (أخبرنا العالم) إشارة الى الإمام جعفر وارث علم النبيين والراوي بسلسلة ذهبية تنمى الى جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله)، حيث صار من يدّعي العلم ممّن هو امّعة بيد السلطان الجائر يسير في ركابه وينفذ أغراضه الدنيئة ممّن تسمّى بجعفر أيضاً يرمى بالكاذب تمييزاً عن جعفر الهدى والصدق وسيّد أهل عصره.
ويمكننا القول أنّ لقب الصادق كان أصل إطلاقه لأجل المكانة العلمية والمنزلة الروحية، ثم كان سبباً في إطلاق لقب الكاذب على من حمل اسمه وقصد الإساءة لنهج أهل البيت، فهو في الأساس لصفة الصدق الغالبة في العلم والحديث، وهي من خصائص أهل البيت، ثم كانت في مواجهة الانحراف عن السلوك المحمدي. فالواقع أنّ هناك من يرى أنّ اللقب وجد في هذه الظروف الأخيرة وهو اشتباه أيضاً.
الإمام الصادق(عليه السلام)لمحات من أخلاقه وآدابه
تمهيد
وجرياً على ما نهجناه في الأجزاء السابقة من ذكر طرف من تعاليم الإمام الصادق(عليه السلام) وسيرته وحكمه، التي تتمثل فيها مفاهيم الإسلام، في نهج التربية، وحسن السلوك في الحياة، وقد رأينا هناك كيف كان حرصه على تربية من يتّصل به تريبة صحيحة، يوجّهه ويرشده إلى طريق الحقّ ونهج الصواب.
فقد كان لا يدع فرصة مناسبة إلاّ اغتنمها للإرشاد ببليغ قوله، وحسن بيانه ومن المناسب أن نورد بعضاً ممّا لم نذكره هناك من أخباره وحكمه، وآدابه ومواعظه وتوجيهاته، تيمّناً بذلك ولئلاّ يخلو هذا الجزء من ذلك التراث القيم الذي أفردنا له جزءاً خاصاً.تعاليمه
قال عنبسة بن نجاد: لما مات إسماعيل بن الإمام جعفر بن محمّد(عليه السلام)وفرغنا من جنازته، جلس الإمام وجلسنا حوله وهو مطرق، ثم رفع رأسه إلينا وقال: أيّها الناس، الدنيا دار فراق ودار التواء، لا دار استواء، على أن لفراق المألوف حرقة لا تدفع، ولوعة لا تقلع، وإنما يتفاضل بحسن العزاء، وصحة الفكر، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم ولداً كان هو المقدم دون الولد، ثم تمثل بقول الهذلي:
فلا تحسبني أني تناسيت عهده *** ولكن صبري يا اُميم جميل([72])
وكان يقول لأصحابه: إنّ الله أوجب عليكم حبّنا وموالاتنا، وفرض عليكم طاعتنا، ألا فمن كان منا فليقتد بنا، وأن من شأننا الورع والاجتهاد وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وصلة الرحم وإقراء الضيف، والعفو عن المسيء; ومن لم يقتد بنا فليس منا. لا تسفهوا، فإنّ أئمتكم ليسوا بسفهاء([73])
قال صفوان بن يحيى([74]): جاءني عبدالله بن سنان([75]) فقال: هل عندك شيء؟ قلت : نعم. فبعثت ابني وأعطيته درهماً يشتري به لحماً، فقال لي عبدالله: أين أرسلت ابنك؟ فأخبرته، فقال: ردّه ردّه; عندك زيت؟ قلت: نعم. قال: هات فإني سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: هلك امرؤ احتقر لأخيه ما يحضره وهلك امرؤ احتقر لأخيه ما قدم إليه([76])
وقال(عليه السلام): المؤمن لا يحتشم من أخيه ولا يدري أيّهما أعجب: الذي يكلّف أخاه إذا دخل أن يتكلف له، أو المتكلف لأخيه([77])
وقال هشام بن سالم: دخلنا مع ابن أبي يعفور على أبي عبدالله ونحن جماعة، فدعا بالغداء فتغدينا وتغدى معنا، وكنت أحدث القوم سناً، فجعلت أقصر وأنا آكل فقال لي(عليه السلام): كل، أما علمت أنّه تعرف مودة الرجل لأخيه بأكله منطعامه([78])؟
قال ابن أبي يعفور: رأيت عند أبي عبدالله(عليه السلام) ضيفاً فقام يوماً في بعض الحوائج فنهاه أبو عبدالله عن ذلك، وقام بنفسه إلى تلك الحاجة وقال(عليه السلام): نهى رسول الله عن أن يستخدم الضيف([79])
وقال الجارود بن المنذر: قال لي أبو عبدالله(عليه السلام): بلغني أنّه ولد لك ابنة فتسخطها ، وما عليك منها، ريحانة تشمّها وقد كفيت رزقها، وقد كان رسول الله أبا بنات.
وقال(عليه السلام): إن أبي إبراهيم سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه وتندبه بعد موته([80])كلماته الحكمية
وقال(عليه السلام) لولده موسى الكاظم(عليه السلام): يا بني، افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن له بأهل كنت أنت أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل منه([81])
وقال (عليه السلام): ليس شيء إلاّ وله حدّ. فقال له أبو بصير: جعلت فداك فما حدّ التوكل؟ قال(عليه السلام): اليقين.
فقال أبو بصير: فما حدّ اليقين؟ قال(عليه السلام): ألاّ تخاف مع الله شيئاً.
وقال(عليه السلام): من صحة يقين المرء المسلم ألاّ يرضي الناس بسخط الله، ولا يلزمهم على ما لم يؤته الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره.
وقال(عليه السلام): حسن الظن بالله ألاّ ترجو إلاّ الله ولا تخاف إلاّ ذنبك.
وقيل له(عليه السلام): أيّ الجهاد أفضل؟ فقال: كلمة حقّ عند إمام ظالم.
وقال(عليه السلام) لأصحابه: لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما يأتي.
وقال محمّد بن العلا وإسحاق بن عمار: ما وعدنا أبو عبدالله الصادق قط إلاّ أوصانا بخصلتين: بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، فإنّهما مفتاحالرزق. *وقال(عليه السلام): ينبغي للعاقل أن يكون مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه عارفاً بأهل زمانه.* أربع يذهبن ضياعاً، مودة تمنح من لا وفاء له، ومعروف يوضع عند من لا يشكره، وعلم يعلّم من لا يستمع له، وسر يودع من لا حصانة له.* اصلاح المال من الإيمان.* أنفق وأيقن بالخلف، واعلم أنه من لم ينفق في طاعة الله ابتلي بأن ينفق في معصية الله، ومن لم يمشِ في حاجة وليّ الله ابتلي بأن يمشي في حاجة عدو الله.
* وسئل(عليه السلام) عن الزاهد في الدنيا فقال: الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عذابه.
* ووصفوا عنده رجلاً بالدين والفضل والعبادة وغيرها.
فقال(عليه السلام): كيف عقله؟ إنّ الثواب على قدر العقل.
* وقال لداود الكرخي حينما أراد أن يتزوج: انظر أين تضع نفسك.
* وقال(عليه السلام): لا يصلح المرء المسلم إلاّ بثلاث: التفقه في الدين والتقدير في المعيشة والصبر على البلايا.* اصبر على أعداء النعم فإنك لن تكافي من عصى الله فيك من أن تطيع فيه.* من لم يكن له واعظ من قلبه وزاجر من نفسه ولم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه.* اجعل قلبك قريناً تزاوله، واجعل علمك والداً تتبعه، واجعل نفسك عدواً تجاهده واجعل مالك عارية تردّها.* جاهد هواك كما تجاهد عدوّك.* العاقل من كان ذلولاً عند إجابة الحقّ، جموحاً عند الباطل، يترك دنياه ولايترك دينه، ودليل العاقل شيئان: صدق القول وصواب العمل.* الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك.
وقال له رجل من أصحابه: جعلت فداك ما أحبّ إلي من الناس من يأكل الجشب، ويلبس الخشن، وينخشع فيرى عليه أثر الخشوع.
فقال(عليه السلام): ويحك إنّما الخشوع في القلب، أو ما علمت أنّ نبياً ابن نبي كان يلبس أقبية الديباج مزرورة بالذهب، وكان يجلس ويحكم بين الناس فما يحتاج الناس إلى لباسه، وإنما احتاجوا إلى قسطه وعدله. وكذلك إنما يحتاج الناس من الإمام إلى أن يقضي بالعدل، إذا قال صدق، وإذا وعد انجز، وإذا حكم عدل، إنّ الله عزَّ وجلَّ لم يحرم لباساً أحله، ولا طعاماً ولا شراباً من حلال، وإنّما حرم الحرام قل أو كثر، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: (قُلْ مَنْ حرّمَ زينةَ اللهِ التي أخرجَ لِعبادِهِ وَالطَيِّبات مِنَ الرِّزق).
وسئل(عليه السلام) عن رجل دخله الخوف من الله تعالى حتى ترك النساء والطعام الطيب ولا يقدر أن يرفع رأسه إلى السماء تعظيماً لله تعالى.
فقال(عليه السلام): أمّا قولك في ترك النساء فقد علمت ما كان لرسول الله منهن، وأمّا قولك في ترك الطعام الطيب فقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يأكل اللحم والعسل، وأما قولك دخله الخوف من الله حتى لا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء، فإنما الخشوع في القلب، ومن ذا يكون أخشع وأخوف من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! فما كان هذا يفعل؟!! وقد قال الله عزَّ وجلَّ:(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ).
وقال(عليه السلام): إن عليّاً كان يقول: ينبغي للرجل إذا أنعم الله عليه بنعمة أن يرى أثرها عليه في ملبسه ما لم يكن شهرة.
وسأله رجل فقال: يابن رسول الله، هل يعد من السرف أن يتخذ الرجل ثياباً كثيرة يتجمّل بها ويصون بعضها من بعض؟
فقال(عليه السلام): لا، ليس هذا من السرف.* وقال: أربع خصال يسود بها المرء: العفة، والأدب، والجود، والعقل.* لا مال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا قائد خير من التوفيق، ولا قرين خير من حسن الخلق، ولا ميراث خير منالأدب.* لا يتكلم الرجل بكلمة هدى فيؤخذ بها إلاّ كان له مثل أجر من أخذ بها، ولا يتكلم بكلمة ضلالة إلاّ كان عليه مثل وزر من أخذ بها.
* الإمام العادل لا ترد له دعوة، والمظلوم لا ترد له دعوة ومن قواصم الظهر سلطان جائر يعصي الله وأنت تطيعه!!([82])
هذه غاية ما يسمح لي الوقت به من ذكر بعض أخباره وحكمه وآدابه(عليه السلام)، وقد مرّ في كلّ جزء من الأجزاء السابقة بعض منها، وسننشر ما بقي من ذلك وما ذكر سابقاً من جزء مستقل ليكون أعمّ نفعاً وأسهل تناولاً، فإنّ ذلك التراث الفكري الخالد وتلك الآداب التي كان(عليه السلام) يؤدب بها من يتّصل به هي أشمل لنظام الحياة لاتصالها بواقع المسلمين من حيث الأخذ بتعاليم دينهم الذي يتكفل لهم السعادة.صفاته
لقد كان الإمام الصادق(عليه السلام) مثلاً أعلى للصفات الكاملة، والمزايا الحميدة، والأخلاق الفاضلة، فهو الصادق في القول، والناطق بالحقّ، والعالم العامل بعلمه، والموجّه للاُمة بدعوته، وما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم، كما أجمعوا على فضله وعلمه.
وقد كان قويّاً في دينه، لا يهن لشدة، ولا يتزلزل عند النوازل، ولا يضعف عند النكبة، بل يتلقّى كلّ ذلك بقلب لا يتسرّب إليه الضعف.
ولقد وصفه المنصور وهو خصمه الألد بقوله: إنّه ممّن اصطفاه الله، وكان من السابقين في الخيرات([83]).
شهد الأنام بفضله حتى العدا *** والفضل ما شهدت به الأعداء
وقد وصفه تلميذه مالك بن أنس بأنه: كان من العلماء العباد الذين يخشونالله([84]).
ووصفه أبو حنيفة بأنّه: أعلم أهل زمانه، وما رأى أعلم منه وأنّ هيبته تفوق هيبة المنصور صاحب الملك والصولجان([85]).
ووصفه عمرو بن المقدام بقوله: ما نظرت إلى جعفر بن محمّد إلاّ وعلمت أنه من سلالة النبيين([86]).
وقد ثبت عن الإمام زيد بن علي(عليه السلام) أنّه قال: إنّه ـ أي الصادق(عليه السلام) ـ حجة الله، لا يضل من تبعه، ولا يهتدي من خالفه([87]).
ولا بدّ لنا من الإيجاز هنا فيما يتعلق بصفاته ومميزاته بعد أن ذكرنا بعضاً من ذلك في الأجزاء السابقة، ولنا عودة في بيان صفاته ومميزاته إن شاء الله.
والآن وقد أوشكنا على الالتقاء بالاُستاذ محمّد أبو زهرة الذي نوهنا عنه في المقدمة; لإبداء ملاحظاتنا حول ما كتبه عن الإمام الصادق(عليه السلام)، وقبل أن يضمّنا مجلس النقاش، وتبادل الآراء، نودّ هنا أن نقتطف من ذلك الكتاب بعض انطباعات الاُستاذ عن شخصية الإمام، وصفاته ومميزاته، فلنترك الحديث له.من كتاب الإمام الصادق
ما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم، كما أجمعوا على فضل الإمام الصادق(عليه السلام) وعلمه، فأئمّة السنة الذين عاصروه تلقوا عنه وأخذوا، أخذ عنه مالك، وأخذ عنه طبقة مالك كسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وغيرهم كثير، وأخذ عنه أبو حنيفة مع تقاربهما في السن واعتبره أعلم الناس، لأنّه أعلم الناس باختلاف الناس، وقد تلقى عليه رواة الحديث طائفة كبيرة من التابعين، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني وأبان بن تغلب وأبو عمرو بن العلاء وغيرهم من أئمة التابعين في الفقه والحديث، وذلك فوق الذين رووا عنه من تابعي التابعين ومن جاء بعدهم والأئمة المجتهدين الذين أشرنا إلى بعضهم.
وفوق هذه العلوم اُوتي الإمام الصادق(عليه السلام) علماً بحاجات سلوك المؤمن ومتطلبات الحفاظ على الأخلاق، فسدد الى الرأي الناجع والقول الحكيم، واُلهم قدرة التقويم والتأثير في النفوس. وقد اطلعنا على جوانب من اهتمام الإمام(عليه السلام)بحياة الناس ومشاكل المجتمع فكان يبذل جهده من رأي ومال ومشاركة فعلية، وجعل علم الأخلاق في مقدمة ما يرمي الى شيوع اُصوله وقواعده المتمثلة بدعوته الى التمسّك بتعاليم الدين الحنيف، وقد أشرق علم الأخلاق من خلال قوة البرهان ونور الوجدان الديني وفعل مواقف الإمام وسيرته في النفوس، وكانت وجوه التقوى والورع في مواجهة الانحراف وتقبّل الناس للرذيلة.
وهكذا النفس المسؤولة التي تتحمّل أعباء دوام الدعوة تعالج الاعوجاج بالخلق القويم وتواجه الباطل بالحقّ المبين.
ولننقل لك وصيته لابنه موسى فهي خلاصة تجارب نفس مؤمنة مستمسكة تمرست بالحياة وعلمت ما فيها، فقد جاء في حلية الأولياء ما نصّه:
حدّث بعض أصحاب جعفر بن محمّد الصادق، قال: دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه فكان ممّا حفظت منها أن قال:يا بني اقبل وصيتي، وأحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعيش سعيداً، وتموت حميداً.يا بني، من رضي بما قسمه الله له استغنى، ومن مدّ عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرض بما قسمه الله اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره.يا بني، من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سلّ سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم.يا بني، إيّاك أن تزري بالرجال فيزرى بك، وإيّاك والدخول فيما لا يعنيك فتذلّ لذلك.يا بني، قل الحق لك أو عليك، يا بني كن لكتاب الله تالياً، وللسلام فاشياً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، ولمن قطعك واصلاً، ولمن سكت عنك مبتدئاً، ولمن سألك معطياً، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف...([88])
2 ـ ويقول في ص99: إنّ الصادق كان على علم دقيق بالفلسفة ومناهج الفلاسفة وعلى علم بمواضع التهافت عندهم، وإنّه مرجع عصره في رد الشبهات، وقد كان بهذا جديراً، وذلك لانصرافه المطلق إلى العلم، ولأنه كان ذا أفق واسع في المعرفة لم يتسن لغيره من علماء عصره، فقد كانوا محدّثين أو فقهاء، أو علماء في الكلام، أو علماء في الكون، وكان هو في كلّ ذلك(رضي الله عنه).
3 ـ ولقد اشتهرت مناظرات الإمام الصادق حتى صارت مصدراً للعرفان بين العلماء، وكان مرجعاً للعلماء في كلّ ما تعضل عليهم الإجابة عنه من أسئلة الزنادقة وتوجيهاتهم، وقد كانوا يثيرون الشك في كلّ شيء، ويستمسكون بأوهى العبارات ليثيروا غباراً حول الحقائق الإسلامية والوحدانية التي هي خاصة الإسلام.
ويقول في ص75: وبقي أن نقول كلمة في صفاته وشخصيّته العلمية، نتيجة لما سقناه والنتيجة دائماً مطوية في مقدماتها وكلّ ما أوتي به من علم، وما أثر عنه من فقه، هو نتيجة لتلك الشخصية التي تميّزها صفاته.
وأوّل ما يستشرف له القارئ هو أن يقدم له الكتاب وصفاً جسمياً يقرّبه إلى خياله وتصويره، وقد قال كتّاب مناقبه أنّه ربعة ليس بالطويل ولا القصير، أبيض الوجه أزهر، له لمعان كأنه السراج، أسود الشعر جعده أشم الأنف قد انحسر الشعر عن جبينه، وعلى خدّه خال أسود.
ويظهر أنّ هذا الوصف كان في شبابه قبل أن يعلوه الشيب فيزيده بهاء ووقاراً وجلالاً وهيبة.
هذا وصفه الجسمي، أمّا وصفه النفسي والعقلي فقد بلغ فيه الذروة، وها هي ذي قبسة من صفاته التي علا بها في جيله حتى نفس حكام الأرض عليه مكانه، ولكنّها هبة السماء، وأنّى لأهل الأرض أن يسامتوا أهل السماء.الإخلاص
قد اتصف الإمام الصادق التقيّ بنبل المقصد وسموّ الغاية، والتجرّد في طلب الحقيقة من كلّ هوى، أو عرض من أعراض الدنيا، فما طلب أمراً دنيوياً تنتابه الشهوات أو تحفّ به الشبهات، بل طلب الحقائق النيرة الواضحة وطلب الحقّ لذات الحقّ لا يبغي به بديلاً، لا تلتبس عليه الاُمور وإذا ورد عليه أمر فيه شبهة هداه إخلاصه إلى لبّه، ونفذت بصيرته إلى حقيقته، بعد أن يزيل عنه غواشي الشبهات، وإذا عرض أمر فيه شهوة أو إثارة مطمع بدد الظلمات بعقله الكامل، وهو فيهذا متصف بما ورد في حديث مرسل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إذ قال: إنّ الله يحبّ ذا البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحبّ ذا العقل الكامل عند حلول الشهوات. ومن غير الإمام الصادق يبدد الشهوات بعقله النيّر وبصيرته الهادية المرشدة؟!
وإنّ الاخلاص من مثل الصادق هو من معدنه، لأنّه من شجرة النبوّة، فأصل الاخلاص في ذلك البيت الطاهر ثابت، وإذا لم يكن الاخلاص غالب أحوال عترة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحفاد إمام الهدى عليّ(عليه السلام)، ففيمن يكون الاخلاص؟ لقد توارثوا خلفاً عن سلف، وفرعاً عن أصل، فكانوا يحبّون الشيء ولا يحبّونه إلاّ لله، ويعتبرون ذلك من اُصول الإيمان وظواهر اليقين. فقد قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لايؤمن أحدكم حتى يحبّ الشيء لا يحبّه إلاّ لله.
وقد أمدّ الله تعالى الاخلاص في قلب الإمام الصادق(عليه السلام) بعدّة عناصر غذته ونمته فآتى اُكله.أوّلها: ملازمته للعلم ورياضته نفسه وانصرافه للعبادة، وابتعاده عن كلّ مآرب الدنيا، ولنترك الكلمة للإمام مالك يصف حاله فيقول: كنت آتي جعفر ابن محمّد، وكان كثير التبسّم، فإذا ذكر عنده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخضر واصفر، ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلياً، وإمّا صائماً، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ على طهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العباد الزهاد الذين يخشون الله([89]).وثانيها: الورع، ولكن ورعه لم يكن حرماناً ممّا أحلّ الله، فلم يكن تركاً للحلال ، بل كان طلب الحلال من غير إسراف ولا خيلاء، وقد أخذ بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): كلوا واشربوا وألبسوا في غير سرف ولا مخيلة.
ولكنّه مع طلبه الحلال كان يميل إلى الحسن من الثياب، وكان يحبّ أن يظهر أمام الناس بملبس حسن لكيلا تكون مراءاة فيما يفعل، فكان يخفي تقشّفه تطهيراً لنفسه من كلّ رياء.
ولقد دخل سفيان الثوري على أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) فرأى عليه ثياباً حسنة لها منظر حسن، ويقول الثوري: فجعلت أنظر إليه متعجباً، فقال لي، ياثوري، مالك لا تنظر إلينا؟ لعلك تعجب مما رأيت؟!
قلت: يابن رسول الله، ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك.
فقال لي: يا ثوري، كان ذلك زماناً مقفراً مقتراً وكانوا يعملون على قدر إقفاره وإقتاره، وهذا زمان قد أقبل كلّ شيء فيه، ثم حسر عن ردن جبته، وإذا تحته جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن، ثم قال الصادق: يا ثوري، لبسنا هذا لله، وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه([90])وثالثها: أنّه لم ير لأحد غير الله حساباً، فما كان يخشى أحداً في سبيل الله ولا يقيم وزناً للوم اللائمين، ولم يخش أميراً لإمرته، ولم يخش العامة لكثرتهم، ولم يغيره الثناء ، ولم يثنه الهجاء، أعلن براءته ممّن حرّفوا الإسلام، وأفسدوا تعاليمه، ولم يمال المنصور في أمر، وكان بهذا الإخلاص وبتلك التقوى السيد حقّاً وصدقاً([91]).نفاذ بصيرته وقوّة إدراكه
وإنّ الاخلاص إذا غمر النفس أشرقت بنور الحكمة، واستقام الفكر والقول والعمل، ولذلك الاخلاص نفذت بصيرته، فصار يعرف الحقّ من غير عائق يعوقه، وكان مع ذلك فيه ذكاء شديد، وإحاطة واسعة وعلم غزير...إلخ([92]).حضور بديهته
وكان رضي الله عنه حاضر البديهة، تجيئه إرسال المعاني في وقت الحاجة إليها من غير حبسة في الفكر، ولا عقدة في اللسان، وأنّ مناظراته الفقهية الكثيرة تكشف عن بديهة حاضرة، وانظر إليه وأبو حنيفة يسأله في أربعين مسألة، فيجيب عنها من غير تردد ولا تلكؤ، مبيّناً اختلاف الفقهاء فيها، وما يختار من أقوالهم، وما يخالفهم جميعاً فيه.
وإنّ مناظراته التي كان يلقم بها الزنادقة وغيرهم الحجة، ما كانت ليستقيم فيها الحقّ لولا بديهة تسّعفه بالحق في الوقت المناسب، ولننقل لك مناظرة له في العدل بين الأزواج أثارها زنديق.
قال الزنديق: أخبرني عن قول الله تعالى (فَانكِحُواْ مَاطَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً)([93]) وقال في آخر السورة (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ)([94]).
قال الصادق: أما قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) فإنما عنى النفقة وقوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) فإنما عنى بها المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة.وإنّ حضور البديهة من ألزم اللوازم لقادة الأفكار والأئمة المتبعين، فلا توجد قيادة فكرية لعيي في البيان ولا توجد قيادة فكرية لمن عنده حبسة في المعاني([95])جلَدهُ وصبره
لقد كان أبو عبدالله الصادق ذا جلد وصبر وقوّة نفس، وضبط لها، وأنّ الصابرين هم الذين يعلون على الأحداث، ولا يزعجهم اضطراب الاُمور عليهم ونيلهم بالأذى، وكان الإمام الصادق(عليه السلام) صبوراً قادراً على العمل المستمر الذي لا ينقطع، فقد كان في دراسة دائمة.
وكان مع ذلك الصبر وضبط النفس عبداً شكوراً، وإنّا نرى أنّ الصبر والشكر معنيان متلاقيان في نفس المؤمن القويّ الإيمان فمن شكر النعمة فهو الصابر عند نزول النقمة بل إن شكر النعمة يحتاج إلى صبر، والصبر في النقمة لا يتحقق إلاّ من قلب شاكر يذكر النعمة في وقت النقمة، والصبر في أدقّ معناه لا يكون إلاّ كذلك، إذ الصبر الحقيقي يقتضي الرضا، وهو الصبر الجميل.
ولقد كان أبو عبدالله(عليه السلام) صابراً شاكراً خاشعاً قانتاً عابداً، صبر في الشدائد، وصبر في فراق الأحبّة، وصبر في فقد الولد: مات بين يديه ولد له صغير من غصة اعترته فبكى وتذكّر النعمة في هذا الوقت، وقال: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت فقد عافيت.
ثم حمله إلى النساء، فصرخن حين رأينه، فأقسم عليهم ألاّ يصرخن ثم أخرجه إلى الدفن وهو يقول: سبحان من يقبض أولادنا ولا نزداد له إلاّ حبّاً. ويقول بعد أن واراه التراب: إنّا قوم نسأل الله ما نحبّ فيمن نحبّ فيعطينا، فإذا أنزل ما نكره فيمن نحب رضينا.
وها أنت ذا ترى أنّه(رضي الله عنه) يذكر عطاء الله فيما أنعم في وقت نزول ما يكره، وذلك هو الشكر الكامل مع الصبر الكامل.
وإنّ الصبر مع التململ لا يعدّ صبراً، إنّما هو الضجر، والضجر والصبر متضادان، وإنا نقول بحقّ: إنّ أوضح الرجال الذين يلتقي فيهم الصبر مع الشكر; هو الإمام الصادق([96]).سخـاؤه
قال كثيرون من المفسرين في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)([97]) إنّها نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وإن كانت هي في عمومها وصفاً للمؤمنين الصادقي الإيمان، لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومهما يكن من القول في ذلك فإنّه من المؤكد أنّ علي بن أبي طالب كان من أسخى الصحابة رضي الله عنهم، بل من أسخى العرب، وقد كان أحفاده كذلك من بعده، فعلي زين العابدين كان يحمل الطعام ليلاً ليوزّعه على بيوت ما عرفت خصاصتها إلاّ من بعده.
ولم يكن غريباً أن يكون الإمام الصادق (عليه السلام) النابت في ذلك المنبت الكريم سخياً جواداً، فكان يعطي من يستحق العطاء، وكان يأمر بعض أتباعه أن يمنع الخصومات بين الناس بتحمل ما يكون فيها من الخسائر.
وكان (رضي الله عنه) يقول: لا يتمّ المعروف إلاّ بثلاثة: بتعجيله وتصغيره وستره. ولهذا كان يسر العطاء في أكثر الأحيان، وكان يفعل ما كان يفعله جدّه علي زين العابدين، فكان إذا جاء الغلس يحمل جراباً فيه خبز ولحم ودراهم، فيحمله على عاتقه، ثم يذهب إلى ذوي الحاجة من أهل المدينة ويعطيهم، وهم لا يعلمون من المعطي حتى مات، وتكشف ما كان مستوراً، وظهرت الحاجة فيمن كان يعطيهم، وجاء في حلية الأولياء: وكان جعفر بن محمّد يعطي حتى لا يبقي لعياله شيئاً.
وإنّ السخاء بالمال يدلّ على مقدار قوّة الإحساس الاجتماعي، وإنّ ستره يدلّ على مقدار قوة الوجدان الديني، وملاحظته جانب الله وحده وليس ذلك بعجب ممّن نشأ مثل نشأة الإمام الصادق([98]).حلمه وسماحه
وفي صفحة 81 قال: ولقد كان رضي الله عنه سمحاً كريماً لا يقابل الإساءة بمثلها، بل يقابلها بالتي هي أحسن، عملاً بقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)([99]).
وكان يقول: إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتمّ، فإن كنت كما يقول القائل كانت عقوبة قد عجلت، وإن كنت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها([100])
وكان رقيقاً مع كلّ من يعامله، من عشراء وخدم، ويروى في ذلك أنّه بعث غلاماً له في حاجة فأبطأ فخرج يبحث عنه، فوجده نائماً فجلس عند رأسه، وأخذ يروح له حتى انتبه، فقال: ما ذلك لك تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا النهار.
على أنّ التسامح والرفق ليبلغ به أن يدعو الله بأن يغفر الإساءة لمن يسيء إليه، ويروي في ذلك أنّه كان إذا بلغه شتم له في غيبة يقوم ويتهيأ للصلاة، ويصلي طويلاً، ثم يدعو ربّه ألاّ يؤاخذ الجاني، لأنّ الحقّ حقّه وقد وهبه للجاني، غافراً له ظلمه، وكان يعتبر من ينتقم من عدوه وهو قادر على الانتقام ذليلاً، وإذا كان في العفو ذل فهو الذل في المظهر لا في الحقيقة، بل إنّه لا ذل فيه، والانتقام إذا صدر عن القوي إذا أهانه الضعيف هو الذل الكبير، فلا ذلّ في عفو، ولا عظمة في انتقام، ولقد قال(عليه السلام):ما نقص مال من صدقة، وما زاد عبد بالعفو إلاّ عزاً، ومن تواضع لله رفعه.
وإنّ الحلم والتسامح خلق قادة الفكر والدعاة إلى الحقّ، كما قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)([101]) وكما قال آمراً نبيّه، وكلّ هاد بل كلّ مؤمن:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)([102]).شجاعته
وفي صفحة 82 قال: اُولئك ذرّية عليّ ونسله الكرام صقلتهم الشدائد، ولم تهن من عزائمهم المحن، فالشجاعة فيهم من معدنه، وهي فيهم كالجبلة لا يهابون الموت، وخصوصاً من يكون في مثل أبي عبدالله الصادق الذي عمر الإيمان قلبه، وانصرف عن الأهواء والشهوات، واستولى عليه خوف الله وحده. ومن عمر الإيمان قلبه ومن لا يخشى إلاّ الله، فإنّه لا يخاف أحداً من عباده، مهما تكن سطوتهم وقوتهم، وقد كان(رضي الله عنه) شجاعاً في مواجهة من يدّعون أنّهم أتباع له، وهم مع ادعاء هذه التبعية الرفيعة يحرفون الكلم عن مواضعه، فهو لم ينِ عن تعريفهم الحقّ، وتصحيح أخطائهم وعن توجيههم حتى إذا لم يجد التوجيه والملام أعلن البراءة منهم وأرسل من يتحدّثون باسمه ليعلنوا هذه البراءة.
وكذلك كان شجاعاً أمام الأقوياء ذوي السلطان والجبروت، لا يمتنع عن تذكيرهم بالطغيان تعريضاً أو تصريحاً على حسب ما توجبه دعوة الحقّ من مراعاة مقتضى الحال، ويحكى أنّ المنصور سأله: لِمَ خلق الله تعالى الذباب؟ وذلك عندما وقعت ذبابة على وجه المنصور عدّة مرات، فأجاب الصادق معرضاً بأهل الجبروت والطغيان: ليذل به الجبارين.
وقد كان هذا في لقائه للمنصور، وقد تقوّل عليه الذين يطوفون بالحكام الأقاويل، وإنّ هذه الإجابة في هذا اللقاء لأكبر دليل على ما كان يتحلّى به من شجاعة، وإنّه في هذا اللقاء لا يكتفي بذلك بل ينصح المنصور قائلاً له: عليك بالحلم فإنّه ركن العلم، واملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن يحب أن يذكر بالصولة، واعلم إنّك إن عاقبت مستحقاً لم تكن غاية ما توصف به إلاّ العدل، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر.
ويروى أن بعض الولاة نال من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في خطبته، فوقف أبو عبدالله الصادق ورد قوله في شجاعة المحق المؤمن بالله وحده، وختم كلامه بقوله: ألاّ اُنبئكم بأخلى الناس ميزاناً يوم القيامة وأبينهم خسراناً، من باع آخرته بدنيا غيره وهو هذا الفاسق([103]).فراسته
وفي صفحة 84 قال: كان الصادق ذا فراسة قوية، ولعلّ فراسته هي التي منعته أن يقتحم في السياسة، ويستجيب لما كان يدعوه إليه مريدوه، مع ما يراه من حال شيعته في العراق من أنّهم يكثر قولهم ويقلّ عملهم، وقد اعتبر بما كان منهم لأبي الشهداء الإمام الحسين(رضي الله عنه)، ثم لزيد وأولاده، ثم لأولاد عبدالله ابن الحسن، لذا لم يطعهم في إجابة رغباتهم في الخروج، وكان ينهى كلّ الذين خرجوا في عهده عن الخروج.
وإنّ الأحداث التي نزلت بأسرته ووقعت حوله، واُحيط به في بعضها قد جعلته ذا إحساس قوي يدرك به مغبة الاُمور، مع ذكائه الألمعي وزكاة نفسه، فكان بهذا من أشدّ الناس فراسة وألمعية، وأقواهم يقظة حسّ وقوة إدراك...إلخ([104]).هيبته
وفي صفحة 85 قال:
أضفى الله على جعفر بن محمّد الصادق جلالاً ونوراً من نوره، وذلك لكثرة عبادته، وصمته عن لغو القول، وانصرافه عمّا يرغب فيه الناس، وجلده للحوادث، كلّ هذا جعل له مهابة في القلوب، فوق ما يجري في عروقه من دم طاهر نبيل، وما يحمل من تاريخ مجيد لاُسرته، وما آتاه الله من سمت حسن، ومنظر مهيب، وعلوّ عن الصغائر، واتجاه إلى المعالي، وحسبك ما ذكرنا من أنّ أبا حنيفة عندما رآه في الحيرة وهو جالس مع المنصور الذي لا تغيب الشمس عن سلطانه، راعه منظر الصادق واعتراه من الهيبة له، ما لم يعتره من الهيبة للمنصور صاحب الحول والطول والقوة، ولقد كانت هيبته تهدي الضال، وترشد الحائر، وتقوّم المنحرف، وكان يلقى الرجل من دعاة رؤوس الفرق المنحرفة، فإذا رأى ما عليه الإمام من مهابة وجلال وروعة تلعثم بين يديه وهو اللجوج في دعايته، ذو البيان القوي، فإذا جادله الإمام بعد أن أخذته مهابته لا يلبث أن يقول ما يقول الإمام، ويردّد ما يرشده إليه.
قد التقى مرة بابن أبي العوجاء، وهو داعية من دعاة الزنادقة بالعراق، فلما رأى الصادق واسترعاه ما عليه من سمت، وأخذ الصادق يتكلم لم يحر جواباً حتى تعجب الصادق والحاضرون فقال له: ما يمنعك من الكلام؟
ويقول الزنديق: ما ينطق لساني بين يديك فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما داخلتني([105]) هيبة قط مثلما داخلني من هيبتك([106]).
ويختم الاُستاذ هذا الفصل بقوله: تلك بعض سجايا الصادق، وإنّه ببعض هذه الصفات يعلو الرجال على أجيالهم ويرتفعون إلى أعلى مراتب القيادة الفكرية فكيف وقد تحلى بهذه الصفات وبغيرها؟ وقد كان عطوفاً ألوفاً لين الجانب حلو العشرة، وكان زاهداً عابداً قنوتاً شاكراً صابراً([107]).
هذا ما أردنا ذكره ـ على انفراد ـ من انطباعات الاُستاذ أبي زهرة عن شخصية الإمام الصادق(عليه السلام) في كتابه الذي خصّصه لدراسة حياته(عليه السلام) والذي نحن بصدد إبداء الملاحظات عليه، وسننتقل بالقراء إلى مجلس المناقشة معه، بعد أن نعقب على ما كتبناه هنا ببيان موجز كتمهيد للدخول في المناقشة معالاُستاذ.استنتاج وتعقيب
لعلّ ما قدمناه من البيان ينتهي بنا إلى نتيجة يحسن أن يقف عندها الباحثون عن تاريخ الشيعة، وما اعتراه من ملابسات، وما اُحيط به من غموض. وكلّ ذلك يعود إلى الخصومة المتكونة بين الشيعة وبين الدولتين الاُموية والعباسية، لأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم حملة لواء المعارضة في جميع الأدوار، وشيعتهم ينضمون إلى جانبهم مهما كلّفهم الأمر، وهم أنصار تلك المعارضة، وحملة تلك الدعوة، وقد نكل بهم الاُمويون أشدّ تنكيل واضطهدوهم أعظم اضطهاد، وقد بلغ الأمر إلى حدّ مؤلم إذ أصبحت التسمية باسم علي توجب الاتّهام بالتشيّع، وأصبح اسم علي(عليه السلام) خطراً على من يذكره بخير حتى التجأ المحدثون إلى أن يكنوا عنه.
قال ابن عساكر([108]): وفد زريق القرشي على عمر بن عبدالعزيز فقال: يا أمير المؤمنين، إني رجل من أهل المدينة وقد حفطت القرآن والفرائض، وليس لي ديوان.
فقال له عمر: من أي الناس أنت؟
فقال زريق: أنا رجل من موالي بني هاشم.
فقال عمر: مولى من أنت؟
قال: رجل من المسلمين.
فقال عمر: أسألك من أنت وتكتمني؟
فقال زريق: أنا مولى علي بن أبي طالب، وكان بنو اُمية لا يذكر علي بين أيديهم، فبكى عمر حتى وقعت دموعه على الأرض وقال: أنا مولى علي; حدثني سعيد بن المسيب عن سعد أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى([109])
والقارئ يدرك بهذه القصة مدى التكتّم من ذكر اسم علي في العهد الاُموي، ولعلّنا في غنى عن ذكر الشواهد لذلك، وبيان أعمال العنف التي ارتكبها الاُمويون في معاملة شيعة علي وما سجّله التاريخ ممّا لا يمكن إنكاره، وإن كان هناك إنكار فهو مكابرة ومغالطة.
أمّا الدور العباسي فقد اشتدّت به الخصومة، وتضاعفت المحنة، وأصبح الأمر أشدّ نكاية وأعظم وقعاً: وقد أظهر العباسيون في بداية الأمر عطفهم على أبناء علي، والطلب بثأرهم، والانتقام من خصومهم، كسباً للظرف الراهن. ولكن سرعان ما تبدّل الأمر فقد تنكّر العباسيون للشيعة، لأنّهم قد لمسوا عدم الارتياح منهم لدولتهم ، وقد فتك السفاح بمن يتّهمه بالميل لآل علي من القواد والزعماء، مع تظاهره بالعطف على آل علي.الإمام الصادق والمذاهب الأربعة / ج5
وانقضت أيام السفاح، وجاء دور المنصور، وهو داهية العباسيين، ويعد في الواقع هو مؤسس الدولة، فكان يحسب لأهل البيت وأنصارهم ألف حساب، لأنّه يخشاهم أكثر من غيرهم، فكان يراقبهم عن كثب، ويغري من يحصي عليهم المؤاخذات.
وقد عامل العلويين بالشدة، وقابلهم بالنقمة، وعامل أنصارهم بأقسى أنواع الظلم والإرهاب، والقتل والتشريد، بعد أن عجز عن جلبهم إليه واستخدامهم في دولته ليأمن جانبهم، ويمضي في حكمه بدون معارضة أو مؤاخذة.
ولكن الشيعة قد آثروا الانفصال عن الدولة، مهما نالهم من تعذيب وتنكيل، اتباعاً لأوامر الإمام الصادق(عليه السلام)زعيم أهل البيت في عصره، عندما أعلن غضبه على الدولة وأمر الناس بعدم الركون إلى حكامها.
وهكذا تمرّ الأدوار، وتعظم الأحداث، ويذهب ملك ويأتي آخر، وموقف الشيعة موقف ثبات ومعارضة في جميع الميادين، وقد رسخت أقدامهم على ما اعتقدوه، وهان عليهم في سبيل ذلك ما يلاقونه، من ضروب المحن، وقدموا التضحيات المجيدة، حتى عرفوا في قاموس لغة السياسة أنّهم اُمة هدّامة أو حزب ثوري لا يعترفون بنظام الحكم القائم.
وليس من الصحيح أن يؤخذ مفهوم الشيعة بأمثال هذه التعريفات، فالشيعة يعترفون بنظام الحكم الإسلامي الذي تتخذه الدولة شعاراً لها، ولكن المعارضة من الشيعة إنّما هي لنفس الحكام، إذ لم يسيروا على ما يوجبه ذلك النظام وقد لعبت بهم الأهواء والشهوات، وحكموا بنظم مختلفة وآراء مضطربة، لا تتفق مع نظم الإسلام وتعاليمه، وما يدّعونه من المحافظة على ذلك فهو بعيد عن الواقع. وثورة الشيعة ومعارضتهم إنّما هي من أجل تطبيق نظام الإسلام الذي رفضه حكام الجور، وأنّ أعمالهم التي سجّلها التاريخ تعطي صورة عن تلك الاُمور المتناقضة، والإنكار على ذلك من أعظم الأخطار التي تهدّد الدولة، فمن واجبها أن تقضي على المنكرين لتلك الأعمال.
والشيعة ـ ممّا لا جدال فيه ـ هم حملة لواء المعارضة وباسمهم تقوم الثورات المتتالية على تلك الأعمال المخالفة للإسلام، وكان شعورهم بوجوب القضاء على ذلك النظام الفاسد يبدو مرة، ويكمن اُخرى، ويظهر حيناً ويختفي حيناً آخر، وهكذا حتى أصبحوا قادة المعارضة وأبدوا في ذلك ضروب البسالة فلم يثنهم إرهاب، ولم تلن لهم قناة، ولقد كانوا موضع إعجاب الناس وتقديرهم، ولذا فإنّ الخليفة الذي كان يشدّ قبضة الإرهاب على الشيعة كان يستفزّ بمسلكه جمهور المسلمين ويثير حفيظتهم([110]).
وعلى سبيل الاجمال فإنّ المصادر التي بين أيدينا تتضمن تلك الحوادث، وتعطي صورة عن تلك الخصمومة واتساع دائرتها، وهي أصدق تفسير لما كان يرمى به أتباع أهل البيت، من تهم وما يسند إليهم من آراء وأقوال لا الإمام الصادق(عليه السلام) لمحات من أخلاقه وآدابه
وجود لها. وإنّ استعمال تلك الأساليب الخداعة، في تضليل الناس عن واقع الأمر، كان أقوى سلاح تستعمله السلطة في محاربة الشيعة، فقد كان يسلم من نقمة المخدوعين من يعرفونه دهرياً، وسوفسطائياً، ولا يتعرّضون لمن يدرس كتاباً فلسفياً أو مانوياً، ويقتلون من عرفوه شيعياً، ويسفكون دم اسم من سمى ابنه علياً([111]).
ونتيجة لتلك الخصومة فقد استطاعت السلطة بقوة الحكم وشدّة الإرهاب، وأساليب الدعاية، أن يقرن اسم الشيعة بالكفر عندما يطلق، أو بالضلال عندما يعرّف، أو البغي عندما يصدر علماء السوء فتوى في وجوب قتل الشيعة وإبادتهم([112]).فيجب على المؤرخ أو الكاتب ـ إن كان هدفه الوصول إلى الحقيقة ـ أن يأخذ أثر تلك الخصومة التي نشبت بين الشيعة وبين ولاة الأمر على ممرّ الأيام، بعين الاعتبار، ويكون النظر إلى الحوادث بعين العقل من دون تقليد أو تعصّب، إذ الاستسلام لكلّ قول، والأخذ بكلّ رأي من دون تمحيص جناية على التاريخ.
وقد قلت سابقاً: إنّ مهمة المؤرخ عن الشيعة، هي أعسر من مهمة من يؤرخ لغيرها من طوائف المسلمين; لوجود عواطف الاتهام، وزوابع الافتراء، طبقاً لرغبات ولاة الأمر، ممّا أوجد غموضاً في الموضوع، وتشويهاً للحقيقة، وقد اندفع أنصارهم لتأييد ما يقترحونه في اتهام الشيعة، ونشرها في المجتمع، حتى نالت تلك الأوهام على ممرّ الأيام صبغة الواقع، إذ لم تجد من يكشف عن واقعها بيد لم تلوث بأدران التعصّب.
والمؤرخ أو الكاتب إذ كان مقلّداً أو متعصّباً لم يتسع أفق تفكيره، بل ويضيق مسلكه، فهو لا يؤدي حقّ التاريخ وأمانة الأجيال، لأنّ جموده على عبارات سلف نشأوا في عصور مظلمة بتيارات الخلافات المذهبية يجعله أسير آراء شاذة، وليس لعقله وحرية تفكيره دخل في دراسته، ولئن بقي الأمر على ما هو عليه; فستبقى القافلة تتعثر في الظلام، كما تبقى براكين العداء تغلي، ويخشى انفجارها بين آونة واُخرى، وفي كلّ فترة يبرز كاتب مأجور، يحمل بيده مقدحة الفتنة، ليوقد نارها فنسطلي بلهيبها، وأعداؤنا يعملون عملهم الجدّي، فيما يعود عليهم بالنفع والتقدّم، ولا نكسب من ذلك إلاّ الخسران والتأخر.
ونحن الآن، وبعد أن لمسنا أضرار ذلك التفكّك والانقسام، نأمل كما يأمل كثير من الناس أن تطرح المغالطات جانباً، وأن يتركز البحث على إظهار الحقيقة، ليرفع الستار وتزول الأشباح المخيفة الجاثمة من ورائه، وهناك يكون التفاهم، ويحصل التقارب الواقعي، ويخسر هنالك المبطلون الذين يعظم عليهم تقارب المسلمين، لأنّهم يعيشون في الماء القذر، ولا يهمّهم إلاّ الهوس والتهريج، وإثارة الفتنة، خدمة لأسيادهم وطمعاً في الحطام الزائل.
تلك عصور مضت وأيام خلت، وذهبت بما فيها من آلام ومحن، أيام كان المسلمون يتخاصمون ويتنازعون، ويكفّر بعضهم بعضاً. وقد واجهت الاُمة الإسلامية أعظم الأخطار، وهي تحيا حياة التفكك والانقسام.
والآن وقد ولّت تلك الأدوار بما فيها من محن وكوارث، يلزم أن نلقي ستاراً على آثار تلك الخصومات، وأن نحلل الاُمور تحليلاً يوصلنا إلى الحقّ الذي يجب أن نتبعه، وأن نوجّه الأضواء الكاشفة عن حقيقة ما كتب في تلك العصور المظلمة، حول العقائد والآراء، ولكثير من طوائف المسلمين وبالأخص الشيعة، لتظهر لنا الحقيقة كاملة ونسير على ضوء العلم والواقع.
ونحن بهذا الوقت الحاضر لا يسعنا إلاّ الاعتراف بوجود وعي عام يرجى من ورائه إزالة الحواجز، التي حالت بين المسلمين وبين تقاربهم، والدعوة إلى التآلف والتقارب لتشقّ طريقها بنجاح بين المسلمين جميعاً.
وقد عظم ذلك على كثيرين من ضعفاء النفوس، وذوي الأقلام المسمومة، الذين لا يروق لهم اتحاد المسلمين وتقاربهم فراحوا يثيرون الفتن وقلوبهم توقد بنار الغيظ (قُلْ مُوتُوا بِغيظِكُمْ) فالاُمة الإسلامية قد اصطدمت بواقعها، والشعور بوجوب بناء العلاقات الإسلامية على ما أمر الله به ورسوله قد انتشر، ولا يمكن مقاومة هذا الوعي بما تبثونه من غدر وخيانة في نشر الخلاف وبذر الحقد بين صفوف المسلمين.
وإلى الله نبتهل بأن يجمع كلمة الاُمة الإسلامية ويحقق آمال دعاة الإصلاح في لم الشعث وجمع الشمل، بعد أن لعبت بهم الأهواء وفرقتهم الخصومة.
وعلى هذا الأمل المنشود، والاُمنية التي هي غاية كل مؤمن، نساير الاُستاذ الشيخ محمّد أبو زهرة في مناقشاتنا له، ببعض ما ورد في مؤلفه الإمام الصادق فعلى بساط الواقع، يعقد مجلسنا، وعلى ضوء العلم نسجّل مؤاخذتنا، وخدمة الاُمة هدفنا، ورضا الله قصدنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.