:: قناة الثقلین ::: أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة ال...
أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة ال...
الدكتور: كاملي بلحاج أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة العربية المعاصرة (قراءة في المكونات والأصول) دراســة بسم الله الرحمن الرحيم الإهداء إلى الوالدين الكريمين (أطال الله في عمرهما) إلى زوجتي البارّة إلى أبنائي: عماد الدين جليلة أنس إلى كل من تربطني بهم علاقة قرابة وصداقة تقديراً وعرفاناً كاملي *** المقدمة: تحاول هذه الدّراسة أن تستكشف الجوانب الفنية والدلالية في الشعر العربي المعاصر وبالخصوص تلك التي لها علاقة بظاهرة توظيف التراث الشعبي. إذ لا يكاد ديوان يخلو من الإشارات الفلكلورية والرموز الأسطورية، والأجواء الشعبية المعروفة لدى العامة والخاصة، أو تضمين هياكل أسطورية وأشكال شعبية قديمة أو حديثة للتعبير عن مضامين جديدة وتجارب معاصرة. ومن ثمّ باتت هذه الظاهرة في حاجة إلى بحث يعمق دلالتها، ويستكشف أصولها ومرجعياتها الفكرية والحضارية، ويحدد قيمتها الفنية. تتوجّه هذه الدراسة ـ في ضوء ذلك ـ إلى محاولة إزاحة اللثام عن أسباب اهتمام الشعراء المعاصرين بالتراث الشعبي وطرائق توظيفه، وما اكتسبه النص الشعري من خلال استعانته بأشكال التعبير الشعبي. كما تتوجه في الوقت ذاته إلى اقتراح بعض الأساليب الفنية في استخدام هذا التراث التي من شأنها توضيح الرؤى والمعالم، وبالتالي تجنيب الكتابة الشعرية الوقوع في الحشد والتكرار وغيرهما من المزالق الفنية، كالغموض الناجم عن العجز في تمثّل هذا التراث، أو طغيان أحد الملمحين (التراثي أو المعاصر) على الآخر، أو التأويل الخاطئ لبعض الشخصيات والأحداث، أو التقليد الناتج من التشابه المفرط في طرائق الاستخدام والتوظيف. لم يكن لهذه الدراسة أن تنطلق من نتائج ومسلمات سبق التوصل إليها، وإنما كان عليها أن تحوّل هذه النتائج والمسلمات إلى فرضيات وأن تشق طريقها بهاجسها وطموحها، مستضيئةً بنور شموع أوقدتها. دراسات رائدة، وبخاصة تلك التي قدّمها كل من: أسعد رزوق في نهاية الخمسينيات حين تناول (الأسطورة في الشعر المعاصر) متخذاً من ت. س. إليوت نقطة انطلاقه في منهج البحث والدّراسة. وقد انتهى إلى أن هناك علاقة وطيدة بين الأسطورة والشعر من حيث نشأتهما التاريخية، وأن استحضار الشعراء المعاصرين للأسطورة، هو تعبير عن أزمة الإنسان الحضارية في القرن العشرين. وقد كان إليوت، ـ في نظره ـ نموذجاً رائعاً في تجسيد هذه الأزمة حين أعلن صراحة، أن لا خلاص من الأرض الخراب إلا بالعودة إلى أحضان التراث الشعبي بطقوسه ومعتقداته. وأنس داود في أطروحته بعنوان (الأسطورة في الشعر العربي الحديث) التي راح يتتبع فيها ظاهرة توظيف الأسطورة، والمؤثرات الأجنبية في استخدامها في الشعر الحديث والمعاصر: بدءاً من مدرسة الإحياء إلى مدرسة التجديد ممثلة في بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وخليل حاوي وغيرهم من رواد حركة التجديد في الشعر المعاصر. وما كتبه أيضاً علي عشري زايد حول (استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر) حيث عمد إلى رصد هذه الظاهرة رصداً فنياً من خلال تحديد ملامحها وتجلياتها، وربطها بمرجعيتها العربية والإسلامية، مظهراً ثراء هذه المرجعية، وقدرتها على العطاء الدائم والمتجدد إذا أحسن استخدامها. وشوقي ضيف حول (الشعر وطوابعه الشعبية على مرّ العصور) من الجاهلي إلى العصر الحديث، محاولاً تصحيح الرأي الخاطئ الذي ذاع على ألسنة العديد من الناس، والذي مفاده أن شعراء العربية كانوا بمعزل عن شعوبهم، فهم يتغنون بأشعارهم للطبقات العليا دون سواها من عامة الناس. ولعل أبرز شيء يمكن ملاحظته على هذه المكتبة، اقتصارها على الأسطورة دون غيرها من أشكال التعبير الشعبي الأخرى، واعتمادها على الطرح العام الذي بإمكانه إغفال الكثير من القضايا الجوهرية التي تميز قضيةً عن أخرى أو شاعراً عن آخر. على الرغم من هذا كله، فقد كانت هذه المكتبة، خير معين لهذه الدّراسة بما وفّرته لها من أفكار وملاحظات أنارت العديد من الجوانب المظلمة، فمهدت الطريق وسهلت سبيل السير فيه. وقد كان ذلك من جهة